Archived: فؤاد عزام: بين جولتي جنيف ..دفاع المعارضة وهجوم النظام ..

فؤاد عزام: كلنا شركاء

ربما تدرك الولايات المتحدة وروسيا أن العائق الأساسي أمام تحقيق تقدم في العملية السياسية في سوريا تكمن في عقلية النظام الذي مازال ينظر الى أن بوسعه تحقيق انتصارات على الارض وأنه مقتنع بأنه السلطة الحاكمة ..وربما تدركان أيضا أن المعارضة ورغم مضي اكثر من خمس سنوات مازالت مصممة على المضي في طريقها حتى تحقيق الأهداف التي خرجت من أجلها ..لكن الإدراك الذي لا يحتاج الى “ربما ” هو أن أقصى ما اتفق عليه الجانبان الاميركي والروسي هو انجاز الهدنة وإدخال الطرفين في عملية سياسية غير مباشرة .

العملية السياسية بدأت من خلال جولة المفاوضات الاولى التي انتهت قبل بضعة أيام وحملت سقفا عاليا من وفد النظام .بدا انه لكسب نقاط على طاولة المفاوضات الا ان الوقائع التي ظهرت تؤكد عدم جدية وقناعة النظام في الدخول بمرونة في عملية سياسية استنادا إلى مبادئ جنيف بل الهدف منها هو كسب الوقت لتثبيت أمر واقع مختلف على الارض بدعم من روسيا المنسحبة “علنيا” بشكل جزئي وايران الفاعل الأقوى مع الميليشيات التابعة لها ….

وإن كانت مشاركته في الجولة الاولى من هذه المفاوضات تبدو وكأنها إرضاء لموسكو وعدم احراجها مع واشنطن بعد التفاهم الروسي الاميركي “المبهم” والذي كثر الحديث عنه . إلا انها أتت في إطار اظهار “رغبته ” في الحل السياسي امام الرأي العام من جهة ومن جهة اخرى استثمار الهدنة المعلنة واستغلال التزام فصائل المعارضة فيها للعمل في ظلها ضد داعش وجبهة النصرة لمحاكاة واشنطن ..

وبين جولتي جنيف وما بعدهما ..يعمل النظام على عدة خطوط في ضمن الشهور المتبقية التي تسبق الانتخابات الرئاسية القادمة التي تراهن بعض اطياف المعارضة على وصول رئيس يختلف عن اوباما في تعاطيه مع الملف السوري :  

أولا : مغازلة الولايات المتحدة .. والإلتقاء معها في منتصف الطريق في مسألة مكافحة الارهاب من خلال تصعيد عملياته ضد داعش ..حيث تبرز هنا استماتته في السيطرة على مدينة تدمر الاثرية ..ذات القيمة العالمية التي تعني استثمارا اعلاميا  في محاربة الارهاب ..يزيد الى رصيده نقطة فيما يقول أنه يحارب الإرهاب ..

ثانيا : التعاون مع الـ بي ي دي لبسط سيطرة الاكراد على الشمال السوري وخلق منطقة عازلة تحول دون دخول تركيا فيما لو قررت خوض حرب برية بالتعاون مع السعودية الى سوريا ..  

ثالثا : ممارسة مرونة سياسية في البلاد في مجال مايسميه بالمصالحات الوطنية ..وانتخابات مجلس الشعب …والترويج لاعادة الاعمار ..واجراء عمليات تبادل للأسرى مع المعارضة لكسب مؤيديه

وبالنسبة للمعارضة فإنها تبدو في موقف لا تحسد عليها فبين الدعم الذي يتلقاه النظام على الارض من قبل روسيا وايران فإنها لا تحظى من حلفائها المفترضين السعودية وتركيا واميركا الا بتصريحات متناثرة تبدو خجولة ..وأقرب للتسريبات والتي كان آخرها التصريح الاخير المنسوب الى مصدر دبلوماسي في مجلس الامن حول وجود تفاهم اميركي روسي يؤكد على تشكيل هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات كما ورد في بيان جنيف ..

ولا شك ان موافقتها الفورية على الوثيقة التي اعلنها المبعوث الاممي ستيفان دي مستورا في ختام الجولة الاخيرة من مفاوضات جنيف ووصفها بـ “عين الصواب ” ينظر اليها على انها اطمئنان كامل وثقة بما يقال عن تفاهم اميركي روسي دون دراستها بعناية في وقت يندرج تأجيل وفد النظام لإعلان موقفه ازاء تلك الوثيقة في اطار تسويفات في اطار ربح الوقت أيضا وتنم عن رؤية واثقة مطمئنة اكثر وغير متعجلة …

ومن هنا يأتي الحديث عن تنازلات قدمتها في جولة المفاوضات الاخيرة في جنيف من خلال موافقته على تلك الوثيقة والتي حملت في احدى فقراتها .. ” الإنتقال السياسي يشمل آليات حكم موثوق و شامل و غير طائفي”  وهنا يظهر ان ديمستورا قد عدل ما جاء في إتفاق فيينا و قرار مجلس الأمن 2254 اللذان ينصان على “تأسيس حكم موثوق و شامل و غير طائفي” وبين الآليات والتأسيس ثمة فرق كبير

اضافة الى ابتعاد الوثيقة عن ذكر “تأسيس هيئة إنتقالية حاكمة تمارس صلاحيات تنفيذية كاملة”.

تبدو رؤية المعارضة ضبابية ودفاعية على عكس رؤية النظام الواضحة والهجومية ..ففي حين ضمن ديمستورا موافقة المعارضة على وثيقته فأنه سيلهث خلف النظام لكي يأخذ موافقته في وقت كان من الممكن فيه ان يحادث الروس لكي يمارسوا ضغوطا على النظام للموافقة الفورية ..انسجاما مع ما يقال عن تفاهم اميركي روسي مفترض ..

المعارضة يهمها استمرار الهدنة وتقديم المساعدات الانسانية للمحاصرين ووقف القصف الذي يتعرضون اليه ..على عكس النظام المنشغل في محاربة ارهاب “داعش” ولهذا فإنها تبدو في مظهر الجريح أمام آلة عسكرية مازالت قادرة على الحاق جراح اكثر

لكن كما ان النظام يعمل على تغيير الواقع على الارض فإن الحراك السلمي واستئناف المظاهرات في العديد من المناطق قد يكون ردا لكن ليس كافيا لإعطاء المعارضة ورقة تفاوضية اقوى ..في حين ان المطلوب من المعارضة العمل لدى القوى والدول الداعمة لثورة الشعب السوري وحضها على الاضطلاع بمسؤولياتها بشكل قوي سيما أن المفاوضات تخضع لموازين قوى اقليمية ودولية اكثر منها داخلية …

وعلى المعارضة أيضا عدم التعويل كثيرا على “التفاهم الاميركي الروسي ” فحتى لو كان واقعا حقيقا فقد تغير الوقائع على الارض عناوين كثيرة فيه , بل ربما قد استنفذ مفعوله لحظة جلوس الوفدين السوريين على طاولة المفاوضات في جنيف فهو أن أدى إلى فرض هدنة  لكنه لا يكفي لانجاز تسوية نهائية فالموضوع مرتبط أيضا بالحالة الاقليمية لا سيما بالسعودية وتركيا وايران إضافة إلى اللاعب الخفي ” اسرائيل”..وهنا لابد من الاشارة الى أن اقتراب روسيا واميركا من تفاهم في سوريا حول محاربة داعش ..هو الانجاز الذي تعتبره واشنطن كافيا الى حد ما لخدمة أمنها القومي أكثر من خوضها في رمال الحرب السورية المتحركة .