Archived: عمر قدور: في اغتصاب يتيماتنا

عمر قدور: المدن

ليست قضية يُملّ من تسليط الضوء عليها مرة تلو الأخرى، فقضية شبكة جونيه للاتجار بالبشر أكبر من أن تمر بوصفها “قضية دعارة” على النحو الذي تسعى إليه الشبكات المتنفذة وداعميها النافذين. يساعد أولئك في مسعاهم أن المجني عليهن سوريات، مُستضعَفات، ليس وراءهن قوة تطالب لهن بالعدالة. ولن يكون مستبعداً، بعد امتصاص الصدمة من قبل رعاة تلك الشبكة وشقيقاتها، المبادرة إلى هجوم يُظهرهن بمظهر الداعرات التقليدي، وبحيث ينجو المجرمون من تهمة الاتجار بالبشر.

من وجهة سياسية، حسناً فعل النظام إذ لم يتنطع لدور حامي “الشرف” في الوقت الذي يصرّ على شرعيته. لكن، من جهة أخرى، هذا يفضح أمرين: فأولاً لم يُسجّل للنظام عبر تاريخه الدفاع عن السوريين في الخارج، بل كان السوري البريء دائماً يدفع ثمن سياسات النظام، ومن ذلك تعرضه لأعمال انتقام عمياء؛ الأمر الآخر أن النظام لا يعنيه تعرض سوريات للعبودية، هو الذي يريد تحويل السوريين جميعاً إلى عبيد في مزرعته، من دون تنزيهه عن الشماتة بالضحايا، فقط لأنهن سوريات لا لأي اعتبار سياسي واضح، إذ من المعلوم أن انتقاء الضحايا والمتاجرة بهن لم يأت على خلفية سياسية تخصّ كلاً منهن.

في لبنان أيضاً، لا يُستبعد أن تساهم جنسية المجني عليهن في التهوين من شأن الجرم، إذ لا يخفى وجود شرائح لبنانية واسعة ممن لديهم ثارات قديمة قائمة على الخلط بين النظام والسوريين جميعاً، وممن لديهم ثارات مستجدة تتعلق بوقوفهم مع النظام السوري ضد السوريين على الإطلاق. هذه العوامل قد تستغلها شبكة المصالح التي ترعى عصابات الاتجار بالبشر لتغييب العدالة، مثلما قد تستغل حاجة المجني عليهن إلى الاختباء من “الفضيحة” الاجتماعية، وتالياً طيّ الملف بأقل الأضرار. ألقلة من اللبنانيات واللبنانيين الذين سيرون في ما جرى انتهاكاً للبنان ذاته على الأرجح لن تكون قادرة على تصدٍّ فاعل للجريمة الحالية والجرائم اللاحقة، ما دامت هذه القلة غير قادرة على تشكيل رأي عام إزاء قضايا داخلية أكثر إلحاحاً ومصيريةً من قضية أولئك النساء “الأجنبيات”.

قد لا يملك ما تبقى من هياكل المعارضة السورية صفة اعتبارية لدى الحكومة اللبنانية، لكن ذلك لا يعفي المعارضة من تقاعسها في شأن الضحايا، ولا يعفيها من تقاعسها الإعلامي أيضاً. المعارضة، حتى كتابة هذه السطور، لم تحرك ساكناً إزاء الملف، ولم يتحرك المكتب القانوني على سبيل المثال من أجل الدفاع عن حقوقهن، مثلما لم تتحرك أية هيئة سياسية من أجل إثارة قضيتهن في المحافل الدولية، ولو بهدف البحث لهن عن مصحات متقدمة للعلاج وإعادة اندماجهن في الحياة الطبيعية. حريّ بالمعارضة، من خلال هذا الملف، أن تثبت اهتمامها بقضايا السوريين ورفضها الاتجار بهم، وبعدها إذا شاءت الاستثمار السياسي فلترمِ بمعاناة تلك النساء وسواها من أوجه المعاناة في وجه ديمستورا ومجلسه النسائي السوري.

ليست قضية شرف وفق المفهوم التقليدي، وينبغي عدم تمييعها بالحديث عن وجود شبكات دعارة سورية ولبنانية، ماضياً وحاضراً. أولئك النساء لم يمتهن الدعارة بقناعتهن، أو حتى بسبب الضغط الاقتصادي. لقد جرى اختطافهن واسترقاقهن، تلك هي الجريمة التي لا يخفف منها القول بأن لبنان بجزء كبير منه عبارة عن كازينو، أو بالقول أن حكم الأسد حوّل سوريا إلى ماخور كبير. هذه الأحكام “الأخلاقية” العامة، التي تتخذ طابع الوعظ والتحسر، ليس من شأنها سوى الخلط بين حرية التمتع بالجسد، وحتى حرية بيعه، وبين الاغتصاب التام للجسد ولإرادة صاحبته.

إلى المفهوم التقليدي أيضاً ينتمي توسل التعاطف بالقول أن الضحية قد تكون قريبة أيٍّ منا. هذا كلام يستنفر الشرف الذكوري ويجعله شأناً خاصاً، بمعنى أنه قد يكفي لكل ذكر القيام بحراسة “مزرعته الخاصة” جيداً. ما حدث هو انتهاك واسترقاق لأجساد إنسانية على العموم، بمعنى أن الإحساس بالانتهاك يجب أن يطاول الجميع ذكوراً وإناثاً، وهو لا يختلف من حيث الجوهر عما قام به داعش من استرقاق نساء وبيعهن، أو اغتصاب الفتيان الذكور وتصويرهم، ثم تهديدهم بتلك التسجيلات.

قد يزيد من هول الجريمة، أن الضحايا يتيمات بفعل انتمائهن السوري، ما يضيفهن إلى قائمة من اللواتي كن ضحية أنواع أخرى من الاتجار، ومنها المتستر بالزواج. على أن تكون هذه الإشارة مدخلاً لفضح جميع الانتهاكات، لا إلى الإقرار بعاديتها كانتهاكات تحصل دائماً في زمن الحروب. إذ من المعتاد أيضاً تبرير الفظاعات التي تحصل على هامش الحرب بالحرب نفسها، وكأن الأخيرة لا تستقيم إلا بمرافقة أشد أنواع الفظائع، وكأن القوانين الدولية التي سُنّت لحماية المدنيين أوقات الحرب ترفٌ لا يستحقه أبناء وبنات منطقتنا. نعم، لا يختلف يتم أولئك السوريات عن اليتم السوري العام، لكنهن التجسيد الأفظع له، وربما المرآة الأقسى لليتم السوري ككل، ومن هنا ينبغي عدم إشاحة الوجه عنهن، بل التحديق بقوة، وإجبار الآخرين ما أمكن على التحديق في الدرك الذي سُمح بإيصال السوريين إليه.

وإذا كان اليتم البارز الآن سورياً فهو في الصميم يكشف عن عمق الأزمة، على الأقل في المنطقة الممتدة من العراق إلى لبنان. أزمة لا يكفي لوصفها الحديث عن فساد نظام سياسي هنا أو توحّشه وبربريته هناك، إلا عندما يتم تناول هذه الأنظمة بوصفها منبعاً لكل الشرور والآثام التي تطال مواطنيها، ومن في حكمهم من المقيمين. أزمة يجدر بها أن تضع حداً للمزايدات ولادعاءات الحداثة، فها نحن بفضلها نعود إلى أسوأ ما في عصور الرق، والأنكى من ذلك التواطؤ على إنذارنا بأن الأسوأ لم يأتِ بعد!