on
Archived: كامل عباس: الثورة السورية والمجتمع الدولي
كامل عباس: كلنا شركاء
وكما أن الفرد الانساني يولد في بيئة تفرض عليه عاداتها وتقاليدها ولا تمنحه حق اختيار اسمه أو دينه او طائفتم, وفقط عندما يكبر وينضج يصبح قادرا على تعديل شخصيته بما يتلاءم مع ثقافته التي اكتسبها قي حياته. كذلك الأمر بالنسبة للنوع البشري, فقد فُرضت عليه مسيرة أسوأ ما فيها هو انقسام المجتمع الى طبقات بعد تعرفه على الملكية الخاصة, ولكنه عندما كبر ونضج بدأ يؤثر في تلك الصيرورة ليجعل من الانساني أولوية على الطبقي.
بدأ ذلك بظهور مؤسسات دولية مثل عصبة الأمم التي وضعت حدا لللأمبرطوريات التي كانت ترسم حدودها مدافع وجنود الأمبراطور , وتلتها هيئة الأمم المتحدة بمجلس أمنها وجمعيتها العامة الحالية .
كان من المؤمل أن يخطو المجتمع خطوة جديدة الى الأمام تتضح فيها أكثر ملامح العمل من أجل الانساني على حساب الطبقي وتتراجع فيها دور القوة لصالح القانون في النظام العالمي الجديد . لكن مكر التاريخ جعل من نظام العولمة وكأنه خطوة الى الوراء قياسا بما جرى بعد انتهاء الحرب العالية الثانية .
ان قريتنا الكونية في اللحظة التاريخية الراهنة عبارة عن حارات تعمل بمنطق القرون الوسطى لا بمنطق حقوق الانسان وهنا المفارقة. يوجد في كل حارة قبضاي يفرض وجوده على أهل الحارة بقوة عضلاته المترافقة مع التشبيح والبلطجة وجمع المال دون أي اعتبار للقيم الانسانية.
الحقائق تفقأ العين .
ولنبدأ بأهم حارتين في قريتنا الحالية وهما الحارة الأمريكية والحارة الروسية المصنفتان دوليا قوى عظمى .
- الحارة الأمريكية على رأسها رجل اسود دخل البيت الأبيض لأول مرة في تاريخ أمريكا , وساهم في دخوله وعوده الانتخابية عن العمل من اجل الانسان في كل مكان وعن مؤازرة الشعوب المغلوبة على أمرها, والآن يتبين للقاصي والداني ان وعوده كانت لزر الرماد في العيون , والحقيقة انه عمل طوال فترة حكمه من أجل امريكا ولو على حساب تلك الشعوب, والمثال الحالي قدمته وتقدمه حتى الأن ساحتنا السورية التي تشهد تغييرا ديمغرافيا تقوم به ايران في بلادنا وتعمل فيها المليشيات الشيعية بوحي من طهران بطريقة لا تقل بشاعة عن داعش, ولكنه يسكت عما يجري في سوريا كي لايعكر صفو علاقته الجديدة بايران فهي مهمة للشركات الأمريكية اكثر بكثير من سوريا.
- أما الحارة الروسية فيقودها قبضاي بحق وحقيقة يحلم بأجداده القياصرة ويتحدى بعضلاته المجتمع الدولي فيضم القرم بالقوة ويدخل سوريا بترسانة أسلحة تريد أن تخضع الشعب السوري لصديقه بنفس الطريقة التي أخضعت الشعب الشيشاني له.
واذا كانت رياح التغيير العالمية قد وصلت بزخمها الى الشرق الأوسط في ظل العولمة فان سلوك أقوياء الحارتين الكبيرتين يشير الى عزمهما منع أي تغير في المنطقة لصالح شعوبها, مما دغدغ آمال قبضايات فيها لكي تكون هي المعتمدة لهما.
- كبير قبضايات حاراتنا الشرق أوسطية هو ولي الفقيه الايراني الذي يقود دولة تستمد دستورها من القرون الوسطى وتستعمل الدين بنفس طريقة استعمال تلك القرون له , الخامينائي ” قدّس الله سره ” يعتمد على القنبلة الشيعية أكثر بكثير من القنبلة النووية , وهو موفق فعلا في تجير مظلوميتها لمصلحة الامبراطورية الفارسية التي يحلم بها مرشدنا الأعلى.
- غير بعيد عن حارة الخامينائئ تقع حارة القبضاي ناتنياهو والذي يريد من العالم أن يصدقه أن الفلسطينيين ارهابيين من الطراز الأول يحملون السكاكين لذبح جنوده , اما قنابله وأسلحته النووية فهي لخمة السلام في المنطقة !
- وبين الحارتين تقع حارة السيسي الذي ّ اعتلى عرش مصر وزّور إرادة ثورتها وبدأ العمل بأخلاق الفتوات من اجل مصالح جيشه وأجهزته على حساب الشعب المصري .
- أما في تركيا فهناك سلطان بنى قصر منيف لنفسه اكبر من قصر الشعب في سوريا ويحلم بأن يكون سلطانا مثل سلاطين بني عثمان, ولم لا ! فهو أفضل من القيصر بوتين بألف مرة, فلماذا يحق للقيصر ان يحلم بأمجاد أجداده القياصرة ولا يحق لأردوغان ان يحلم بأمجاد أجداده السلاطين.
مسكين عالمنا الحالي المبتلي بقادة على هذه الشاكلة – نسينا منهم كيم ايلسون في كوريا الشمالية الذي يفتش عن دور له بين القبضايات على المسرح العالمي بحمل قنبلة هيدروجينية على جنبه – جميعهم تنبض قلوبهم بشكل آلي خالٍ من أي دفء انساني.
والتردي في عصرنا لم يقتصر على انبعاث الأحلام الأمبراطورية القديمة, بل شمل كل الجوانب البيئية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وبشكل خاص مجال الحرية وما يحيط به حاليا من أجهزة قمع ومخابرات تحصي على الانسان أنفاسه, لكأن الأقوياء استشعروا الخطر على مصالحهم فأشهروا سلاح القمع العاري بعد تراجع دور الايديولوجيا في خدمتهم بسبب تطور ثقافة الجنس البشري.
أسطع مثال عن موقف المجتمع الدولي الحالي من الحرية تقدمه لنا الثورة السورية. شعب خرج منذ خمس سنوات الى الشوارع ليطالب بحريته وكرامته مستلهماً قيم العصر ورياح التغيير, فاذا به يجابه بكل أنواع الأسلحة من نظامه . وبدلا من أن يساعده المجتمع الدولي لنيل حريته وقف مبعوثوه الى جانب النظام وأعطوه المهلة تلو الأخرى ليقضي على الثورة. لم اجد أبلغ من هذه الكلمات في تلخيص موقف المجتمع الدولي الحالي من الحرية للمفكر المصري وحيد عبد المجيد – اوباما الى هافانا متحررا من عبء الحرية – الحياة 12/3/2016 ( يبدو بشار الأسد التي تقطر الدماء من يديه كما لو انه أصبح صاحب قضية , فيما يصير رجل كرياض حجاب لم يتحمل ضميره المشاركة في سفك الدماء وأمثاله عوائق امام انجاز استحقاقات القضية ما لم يقبلوا الذهاب الى جنيف راضخين للأجندة الروسية . وتنطوي هذه السياسة على دعم ضمني للنظام الأكثر دموية في العالم اليوم ) .
لو لم يكن للثورة السورية سوى فضيلة تعرية مؤسسات المجتمع الدولي الحالية لكفاها , انها تدار حاليا من قبل تلك القادة لتخدم بسياستها الحكام الديكتاتوريين وليس الشعوب المنتفضة عليهم, تعج أرض وسماء سوريا بالطائرات والقنابل الآتية من كل الدول وجميعها لم تأت الى سوريا من اجل أن تنهي مأساة هذا الشعب ولا لتساعده على نيل حريته, بل من اجل مصالح خاصة بدولهم, واذا كان سايكس وبيكو قد رتّبا المنطقة قبل مائة عام, فقد جاء ترتيبها على يديهما- رغم كل الثغرات التي حملها – فيه بعض نفحات الحرية لشعوب المنطقة حيث جعلها دولا ذات سيادة ولها حدود معترف بها مثل الدولة السورية الحالية . اما كيري ولا فروف فيريدان تقسيمها أو فدرلتها بما يتماشى مع مصلحة كبار الأقوياء في العالم وبدون أي اعتبار لشعوب المنطقة ولا لرغبتها في المشاركة بصنع مستقبل بلدانها .
لن تدوم اتفاقية – كيري , لافروف – لو حصلت بهذا الشكل مائة شهر على عكس اتفاقية سايكس بيكو, وذلك لأن الاتفاقية القديمة كانت منسجمة الى حد كبير مع منطق التاريخ وتعد دفعة الى الأمام في المنطقة, اما الاتفاقية الجديدة فهي ضد منطق التاريخ ولا تأخذ بالحسبان ثقافة العصر ولا ارادة الشعوب المنتفضة بوجه حكامها. كان القرن العشرون مغلفا بالفلسفة الماركسية التي أعلت الطبقي على الانساني صراحة, مما ساهم في فشلها,أما القرن الواحد والعشرين فتبدو طبقيته الأن أسوأ من طبقية القرن العشرين كونها مغلفة بالكذب والنفاق والرياء, فهي تتشدق بالحرية والديمقراطية وحقوق الانسان , والواقع على الأرض يشير الى أن الانسان أصبح سلعة رخيصة في السوق . ان هذا النهج خطر جدا , واذا لم يعاد النظر فيه بحيث ينتج المجتمع الدولي مجلس امن جديد يكون فيه القانون سيدا بدلا من القوة , وتقوم في ظله الدول الغنية بمساعدة الدول الفقيرة ويتوازى فيه القول مع العمل من اجل الانسان وحقوقه , فستكون أثاره المستقبلية خطيرة ليس على النوع البشري فقط بل وعلى كل الأنواع الحية.
أول خطوة على هذا الطريق هو اعترافهم صراحة بأن ما يجري في سوريا هو ثورة شعب تجب مساعدته للخلاص من ديكتاتوره لا فرضه عليه من جديد باسم الشرعية الدولية وما تطرح من اولوية لمحاربة الارهاب في المنطقة.
شعاع الأمل تقدمه لنا أمريكا بالذات فدستورها يجعل من المستحيل على اوباما ان يستمر في السلطة كباقي القبضايات, وكما ادخل الشعب الأمريكي شخص اسود الى البيت الأبيض قد يُدخِل امرأة اليه, والمرأة بشكل عام ينبض قلبها بحب الانسانية أكثر من الرجل, وبذا قد تنسجم مع العولمة وما تلح عليه من جمع بين مصالح امريكا ومصالح الانسان في كل مكان وليس العمل لصالح امريكا ولو على حساب الشعوب كما فعل اوباما .
كامل عباس – اللاذقية