on
Archived: الحرب الأهلية السورية: كشف حساب مؤقت
عفريم إنبار-مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية: ترجمة مرقاب
لا يبدو أن الجهود الدبلوماسية التي يقوم بها المجتمع الدولي ستتوصل إلى إيقاف الحرب الأهلية في سوريا قبل أن تستنزف الأطراف المتحاربة وتتعب من الصراع.
لا يبدو أن أحدا من الأطراف يستطيع فرض إرادته في سوريا، فقد كانت رغبة القوى السنية كالمملكة العربية السعودية وتركيا بالإطاحة ببشار الأسد يشوبها نقاط ضعف استغلتها إيران من خلال الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، ولم تكن كذلك المساعدة الأمريكية للمتمردين السنة ذات فعالية. أما تنظيم الدولة فلم يكن بتلك القوة التي تمكنه محاربة نظام الأسد بنجاح. ورغم نجاح التدخل الروسي في تعزيز موقف الأسد لكنه لم يكن كافياً لتمكينه من إعادة السيطرة على كامل البلاد. وهذا يعني أن سوريا ستبقى مقسمة بين الأطراف المتحاربة لفترة من الزمن. وسيبقى الغموض والتقلب سمة الواقع الميداني في سوريا.
وهذا الوضع المبهم ينتج فائزين وخاسرين، لكن إيران هي الكاسب الأكبر. فالأسد لا يزال في السلطة، وطهران تحتفظ بنفوذ يمتد من دمشق إلى بيروت، ومع تنامي المخاوف من إرهاب تنظيم الدولة تزداد فرص إيران في أن تصبح حليفا للغرب لكبح جماح المتطرفين السنة وبالتالي مزيدا من السيطرة الإيرانية على العراق.
كما ظهرت روسيا كأحد المستفيدين من الأزمة حتى قبل تدخلها العسكري عام 2015. فقد أظهرت براعة ديبلوماسية حين مكنت أوباما من التراجع عن إنذاره للأسد إذا ما استخدم الأسلحة الكيماوية، ووفرت المظلة الدبلوماسية للنظام في المحافل الدولية. وجاء تدخلها لمساندة الأسد ليوجه رساله للآخرين بأنها حليف موثوق به، وإضافة لذلك، حافظت روسيا على تواجدها الاستراتيجي على الساحل السوري شرق البحر المتوسط، كما أمنت حقوق إستكشاف الغاز المحتمل على طول الساحل السوري.
وفي المقابل أبرزت الأزمة السورية ضعف الولايات المتحدة في ظل ولاية أوباما في التعامل مع الوقائع في الشرق الأوسط. ومن الأمثلة على ذلك تراجع أوباما عن التهديد باستخدام القوة ضد الأسد لتخطيه الخط أحمر في استخدام الأسلحة الكيميائية في أغسطس 2012. وكذلك فشل الولايات المتحدة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية وفي إقناع الجهات الفاعلة المحلية على التحالف ضده بصورة فعالة، في حين أمن الدعم الجوي الروسي انتصارا الأسد ضد تنظيم داعش في معركة تحرير تدمر في مارس 2016. ودحض رأي أوباما في أن سوريا ستكون مستنقعاً تغرق فيه القوات الروسية، كما لم يوضح أوباما كيف سيرد على استهداف روسيا للفصائل المدعومة من قبل الولايات المتحدة.
أما تركيا فتبدو في حيرة من أمرها بعد عدة سنوات من دعمها غير المجدي للثوار السوريين. وأصبحت البلاد عرضة للهجمات الإرهابية بفعل تخلخل حدودها الطويلة مع سوريا. كما أدى تدفق العدد الكبير من اللاجئين الفارين إلى فوضى اقتصادية، وانكشف تدريجيا الدعم الكبير الذي قدمته تركيا لتنظيم الدولة، لكن لم يتبين بعد حجم الثمن الديبلوماسي ستدفعه تركيا لقاء ذلك. وأعادت الحرب السورية الصراع السني الشيعي والتناحر الفارسي التركي إلى المنطقة، كما جاء إسقاط المقاتلة الروسية من قبل تركيا ليؤدي إلى تدهور الموقف الاستراتيجي لتركيا وإحياء العداوة التاريخية العثمانية-الروسية. وأدت السياسة التركية بالإضافة لذلك لتحقيق الأكراد قدرا من الاستقلال الذاتي في العديد من المناطق في شمال شرق سوريا، بفضل الدعم الغربي الذي حصلوا عليه في محاربة داعش. ولكن برغم الحكم الذاتي الذي أقامه الأكراد والاهتمام الدولي الذي كسبوه، فهو غير كاف للوصول للاستقلال الكامل.
تواصل إسرائيل اكتفاءها بمراقبة المأساة السورية، مع تدخلات محدودة ذات أثر دقيق عندما تكون مصلحها القومية مهددة بشكل مباشر. وتستفيد إسرائي طبعاً من ابتعاد تهديد الجيش السوري عنها، ولكن توطيد إيران لنفوذها في دمشق، بمساعدة روسية، يشكل تهديدا هاما لأمن إسرائيل القومي لأن ذلك يعزز المحور الراديكالي الذي تقوده إيران في الشرق الأوسط مع تراجع الولايات المتحدة فيه إلى حد كبير. كما أن إمكانية فتح جبهة جديدة في مرتفعات الجولان قضية ذات أولوية ثانوية بالنسبة للجيش الإسرائيلي.
تقدم الحلبة السورية لإسرائيل الفرص الدبلوماسية لتعضيد علاقات إسرائيل مع اللاعبين الذين لم يكونوا مستعدين للتعاون. وعلى إسرائيل أن تعمل على افتراض أرجحية استمرار الصراع في سوريا. ويمكن أن تلجأ لاستعمال القوة الذي لا مفر منه في كثير من الأحيان في محيطها، بحرص يأخذ بعين الاعتبار القيود المحلية والدولية.