Archived: مركز راند: مستقبل روسيا كقوة عظمى


وليام كورتني ودونالد ينسين-مركز راند: ترجمة مرقاب

بعد  ضم روسيا للقرم قبل عامين، تجاهل الرئيس باراك أوباما الأمر معتبراً روسيا مجرد قوة إقليمية تصرفها “نابع من شعورها بالضعف”. روسيا في الحقيقة أكبر من ذلك، لكن الميل لإدارة شؤون الدولة بأسلوب صفري المحصلة والتعامل مع الجيران بالقوة يقلل من هيبتها. أما إذا زادت روسيا من تعاونها على الساحة الدولية، فيمكنها أن تصبح قوة أكبر. وقد يشير إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن الانسحاب العسكري من سوريا إلى إدراك روسيا لذلك.
لا ينبغي التقليل من شأن روسيا. فمساحة أراضيها تقرب من ضعف مساحة الولايات المتحدة. وهما معا تمتلكان أكثر من 90 في المئة من الأسلحة النووية في العالم. ولدى روسيا قوات مسلحة تعادل قوات فرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان مجتمعة. وفي عام 2014 كان حجم الاقتصاد الروسي أقل بقدر ضئيل عن مثيله في إيطاليا، كما كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أعلى بثلثين من نظيره الصين. وفي تلك السنة كان إنتاج روسيا من النفط يساوي تقريبا إنتاج المملكة العربية السعودية، وإنتاجها من الغاز يعادل ثلثي إنتاج الولايات المتحدة.
ورغم ما تملكه روسيا من قدرات وعوامل تأثير إيجابية على الساحة الدولية، فإن تصرفاتها غير الحكيمة تقلل من نفوذها. وتلعب سياسات الاقتصاد الخاضعة لهيمنة الدولة والفساد الذي يقوض سيادة القانون دوراً في جعل موسكو لاعباً أقل أهمية في مجموعة العشرين. كما استعدت روسيا بحربها ضد أوكرانيا دولة تربطها الكثير من الأواصر والمصالح المشتركة، وفرض الغرب على روسيا عقوبات لم تكن متخيلة من قبل، كما عززت روسيا عزلتها عن دول الغرب عندما هاجمت الثوار المعتدلين في سوريا. وبالغت موسكو في رد فعلها غير المبرر على إسقاط تركيا للطائرة الروسية، وروجت اتهامات زائفة عن قيام مهاجرين باغتصاب وتحرش جماعي في ألمانيا، كما ساعدت الجبهة الوطنية القومية المتطرفة في فرنسا ودعمت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وقلما تخاطر قوة عظمى بكل هذه العلاقات الهامة في آن واحد معا. وتخطئ النخب الروسية في رؤيتها للنظام الدولي على أنه نظام قائم على خبث قادة الدول الأجنبية وتعظيم ذواتهم وهو أمر يمكن للكرملن التلاعب به أو شراؤه.
كما يسيئ الروس فهم انتعاش قيم مثل الحرية في الغرب، ودور البنى الطوعية مثل الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي. يحاول الكرملين كسب التأييد الشعبي من خلال اختراع أعداء من الخارج، مما يزيد من تحديات السياسة الخارجية الروسية.
ولن يكون التغلب على هذه المشاكل سهلا، ولكن الأمثلة عن تعاون القوى العظمى مع بعضها من قبل قد تقدم رؤى مفيدة لذلك.
وبينما يتمتع الاتحاد الأوروبي بالديمقراطية والازدهار ويوسع شراكاتها التجارية عبر المحيط الهادي، تتراجع الديمقراطية في روسيا وتضغط على دول جوارها للانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسيوي. وتربط الغرب بجيرانه علاقات طيبة، بينما خاضت روسيا حروبا عقيمة في جورجيا في عام 2008، والآن في أوكرانيا.
تساعد المناقشات المفتوحة القوى الديمقراطية في الوصول لسياسات مبينة على التوافق، وهي ميزة تفتقرها روسيا. ولا يعني التعاون مع الدول الأخرى التضحية بالاستقلالية، وتمثل فرنسا مثالا على ذلك. بينما في المقابل تعاني روسيا من الوحدة ومن تدني مستوى التقدير الذي تحظى به في العالم وفقا لاستطلاع رأي أجري مؤخراً.
وكذلك عزز الإصلاح الإقتصادي للنظام الصيني على الرغم من كونه مستبدا بناء اقتصاد تنافسي متنوع، بينما تراجع الإصلاح الاقتصادي في روسيا، ما جعلها تعاني اقتصاديا.
يمكن لروسيا أن تعزز مكانتها العالمية من خلال القبول بنظام دولي عادل وزيادة درجة انفتاحها. فموسكو تضع الآخرين في موقف دفاعي من خلال محاولتها إسقاط الحكومات التي تعتبرها من خصومها. كما أن التعود على الكذب في السياسة الخارجية الروسية يجعل موسكو شريكاً صعباً. فلا بد من احترام مصالح الآخرين وتغيير عادة موسكو في عدم الثقة بالعالم الخارجي.
لدى روسيا فرص متعددة لتعزيز مكانتها كقوة عظمى، فيمكنها أن تقود عملية التنمية السلمية لمنطقة القطب الشمالي مع انحسار شدة الأجواء الباردة فيها، كما يمكن لروسيا والصين معا إطلاق الطاقات الكامنة للمنطقة الأورواسية كممر تجاري تنافسي ومصدر للطاقة. أما في سوريا، فيمكن لروسيا أن تضغط بقوة على نظام الأسد لاحترام وقف إطلاق النار والتفاوض على حل سياسي يوصل البلاد إلى حكم أكثر استقراراً وتمثيلاً.
وإذا ما تبنت روسيا هذه الأهداف بفعالية، فلن يجرؤ أحد على تسميتها مجرد قوة إقليمية.