on
Archived: نجاتي طيارة: حسن الصفدي الذي غادرنا بدون وداع
نجاتي طيارة: كلنا شركاء
هاهو كبير آخر يغادرنا، بدون أن أستطيع وداعه .. الصديق الكبير أبورياض ، العلماني بدون شطط، والنقدي بدون مواربة، والديمقراطي الصميم بعد تأمل.
كم كنا نختلف بشدة، ثم نلتقي ونتضاحك، وسط استغراب محيط الأصدقاء في حمص، ودهشة مخبري الأمن الذين لا يكفون عن ملاحقتنا
كان الراحل مرجعا آخر لي، وكم حاورته في احلام يقظتي الأخيرة، ، إذ لم أجرؤ على الاتصال به ، وهو الصامد في حمص، مخافة تعريضه لأي مساءلة، من نظام الإجرام الذي لا يعرف أي حد .
أبو رياض، المعلم في حمص والمغرب، الصحفي في الجريدة المحلية ، وكاتب المقالات المتناثرة ، البيروقراطي الدقيق في مديرية التربية ، الأنيق كآباء الاستقلال، والرشيق كفارس من الماضي، والمشهور بـ ( معالجته) وعناده مع ذخيرة تراثية وثقافة لا تتوقف عن المتابعة واللحاق بوسائل التكنولوجيا المعاصرة، من كومبيوتر وانترنيت، متجاوزا أغلب من في مثل عمره .
سأروي إحدى الطرائف الدالة على ذلك الجانب الصميم من شخصيته، قبل أن تضيع باقي ذاكرتي التي نالها الكثير. ذلك أنه في سنوات التوتر الأخيرة ما قبل الثورة، تعرض أبو رياض ، كما تعرضنا جميعا للمساءلات الأمنية والاستدعاءات وما يسمى فنجان القهوة المشبوه أحيانا . فعملت يومها بسرعة على إصدار بيان من جمعية حقوق الإنسان في سورية يندد باحتجازه، وذلك أيام عز ربيع دمشق . وكانت السلطات مرتبكة في التعامل معنا بين سماح وقمع ، لكن تحت المراقبة دوما . وكان أبو رياض الذي تجاوز الخامسة والسبعين يومها، قد اختطف قريبا من بيته، وهو خارج إلى مشواره اليومي ظهرا للقائنا حول طاولة الأصدقاء في مقهى الروضة الحمصي. ولما بدأ التحقيق معه حول بعض الكلام الوارد في تقارير مخبرين كالعادة، تناوب محققو الأمن السياسي معه ، وما لبثوا أن تعبوا من اصطناع الحوار معه، بينما استمر هو متدفقا ومسرورا، فقد أتته فرصة لمعالجتهم، وهو الشهير بلقب ( المعالج ) . فطلب منه المحقق الأخير، ولعله الأعلى رتبة وبكل لطف، أن يتفضل بالذهاب إلى بيته ، ليعود صباح غد، فرد أبو رياض قائلا: ولماذا أعود غدا. وعندما أجابه المحقق : كي نكمل النقاش فقد تأخر الوقت ليلا، فما كان منه إلا أن قال: أنا جاهز للسهر وإكمال النقاش طوال الليل وصباحي، ليش تعب الذهاب والعودة، وإذا لم تكن متفرغا لي ، أكيد عندكم مناوبون هاتهم وأنا أتكفل بالنقاش وإكماله معهـم، لكن بشرط أن أتعشى فأنا جائع، ومعي سكري لازم آكل قليلا. فما كان من المحقق إلا أن خرج ، ويبدو أنه استشار أحدا، ورجع ومعه عشاء يضم فروجا مشويا .. ، وبعد العشاء، عاد المحقق متنفسا الصعداء، وطالبا من أبي رياض مغادرتهم بلا عودة. إذ تأكد أنه لم يعد أحد من زملائه المحققين مستعدا لتحمل متابعة النقاش ومعالجته ، فهم لم يعتادوا على ذلك، وكان الأسهل عليهم التحويل إلى الأقبية ومجرياتها المعروفة، لكن تردد الأجهزة وعمرأبي رياض لم يسمحا بذلك !
كانت تلك أيام عز للمناقشة والأفكار ورفع الصوت وكل أوهامنا النبيلة ، تصاعدت حتى انفجر نداء الشباب مطالبين بالحوار والإصلاح ، فتبين أن النظام لن يقبل متابعة أي حوار، وأنه عندما حانت ساعته الجدية على ساحة الوطن بأكمله، لم يلجأ إلا إلى الحرب والتدمير سبيلا.
رحمك الله يا ابا رياض، وألهم أهلك وأصدقاءك كل الصبر والسلوان، وأوسع لبلدنا طريق العلاج والحوار خارج هذا النظام وآفاقه المسدودة.