on
Archived: كرم يوسف: اتفاق على العداء بين تركيا وأوربا
كرم يوسف: كلنا شركاء
لا يمكن مطلقاً إيجاد أي علاقة بين ملف اللاجئين السوريين وانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي، رغم أنه سبق لتركيا وإن حاولت توظيف ملف اللاجئين لقضايا قومية خاصة بها حيث كان هذا الأمر هو الدافع لها لمطالبة المجتمع الدولي بإنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي السورية وهو ما لم يتم إلى الآن الموافقة عليه، في نفس الوقت تركيا التي استقبلت أول دفعة من اللاجئين وفتحت أبوابها لهم ليست اليوم هي تركيا التي أغلقت حدودها بشكل شبه كامل بوجههم أو رحلتهم إلى سوريا كما تتحدث تقارير أممية .
في مقابل هذا لم يكن بالأمر الهين على الاتحاد الأوربي أن يجعل من وحدته عرضة للخطر نتيجة أزمة اللاجئين وعلى رأسهم السوريين، وكذلك لم يكن سهلاً الرضوخ للشروط المؤلمة المقدمة من تركيا في مقابل إغلاقها للحدود ومنع اللاجئين من عبور أراضيها، ولكن كان لا بد للاتحاد من الاستسلام لما قدمته تركيا من قائمة طلبات في مقابل التوقف عن إغراقها باللاجئين.
الاتفاق وقد تم توقيعه بين تركيا والاتحاد الأوربي وبدأ ترحيل اللاجئين من اليونان إلى تركيا لكن ضمن العلاقة الغير مستقرة قديماً وما شهدته من تحولات صعبة بعد الثورة في سوريا ومن ضمنها الاتهامات التي وجهت لتركيا بعدم التعاطي الجدي مع خطر تنظيم داعش، واتهامات أخرى لاسيما من روسيا بتسهيل مرور مقاتلي التنظيم وهو الأمر الذي يهدد الآن أوربا ويجعلها تتعرض لفصول مؤلمة من الإرهاب، عدا عن النقطة الحاسمة في الموضوع وهي استخدام اللاجئين كورقة ضغط فتركيا التي ضبطت الحدود بعد الاتفاقية كانت قادرة على ضبطه قبل الاتفاقية.
الوقت سيكون صعباً على كل من تركيا ودول الاتحاد الأوربي إلى حين انتهاء الأزمة في سوريا، وخلال هذه الفترة ستسعى تركيا إلى الوصول إلى النقطة الأصعب ضمن الاتفاقية الموقعة وهي انضمامها إلى الاتحاد الأوربي في مقابل استمرار العمل بالنقطتين الأخيرتين وهما إلغاء الفيز المفروضة على الأتراك لدخول أوربا و الحصول على دعم يقدر بالمليارات، وستسعى تركيا جاهدة إلى الاستفادة من الفرصة التاريخية للحرب في سوريا في مقابل إنهاء ملف الانضمام، فانتهاء الأزمة السورية يعني انتظار تركيا لوقت آخر غير معلوم أو ربما أزمة شبيهة بالسورية لوضع ملف إنضمامها إلى الاتحاد الأوربي على طاولة المفاوضات، لا شك لن يكون البساط مفروشاً أمام تركيا في طريقها إلى هذا المسعى فهي ستصطدم بعدم الرغبة الأوربية وستعمد كل الدول التي رفضت سابقاً على الرفض مجدداً ولكن باستخدام أسباب أخرى غير الفصل الـ33 المتعلق بالأحكام المالية والخاصة بالميزانية والذي كانت تمارس فيه فرنسا حق الفيتو.
فيما لو لم تنته الحرب في سوريا مبكراً وأخذت مزيداً من الوقت واستمرت سنيناً أخرى هذا يتعين أن يواجه الاتحاد الأوربي مزيداً من الضغوط من تركيا فيما يتعلق بمسألة انضمامها إليه حيث ستبرز مجدداً مشكلة اللاجئين على السطح وستقوم تركيا بعدم استمرار العمل بالاتفاقية الموقعة وهذا يعني إغراقاً مجدداً لأوربا باللاجئين واستخدامهم مجدداً كورقة ضغط أمر ليس بالصعب على تركيا فلا يزال هناك مليونا لاجئ سوري يعيشون فيها بالإضافة إلى السوريين المتواجدين في دول أخرى وإمكانية السفر إلى تركيا لمتابعة الطريق إلى أوربا بحراً، ولكن الدبلوماسية التركية مهما كانت قوية فإنها لن تكون قادرة على إنهاء مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوربي و ستعجز عن مواجهة دبلوماسية 28 دولة أوربية غير راغبة بانضمامها، ربما إلى ذلك الحين سيستطيع الاتحاد تحقيق ما يريده من خلال عامل الزمن بحيث يستطيع تعزيز الحدود البحرية اليونانية والبرية لدول البلقان وتسيير دائم لخفر السواحل .
يمكن القول ان السياسة التركية اليوم بدأت تنكفئ على نفسها أكثر، حيث أنها لم تكن قادرة على الانسجام مع التطورات التي تحصل في جارتها سوريا وتصر على التعامل مع ملفاتها الداخلية بطريق العنف والقمع اللا متناهي كما يحدث في المناطق الكوردية، حيث أنها لا تزال تتحدث عن عرقلة حزب العمال الكردستاني للسلام وتعد هذا مبرراً لعدم إعطاء الكورد حقوقهم وتزج بسياسيين وصحفيين كورد في السجون، ناهيك عن قمع حريات الصحافة في عموم تركيا والإصرار على التعامل مع كل طرف داخلي لا يتماشى مع سياسة حزب العدالة والتنمية بالاعتقال، هذا الانكفاء السياسي التركي على الذات انعكس و وصل لدرجة التصريح به إعلامياً وتهديد تركيا لأمريكا بأنه إما نحن أو حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا الـPYD و المقرب من حزب العمال الكوردستاني وكان الجواب الأمريكي على لسان أكثر من مسؤول و بشكل غير مباشر بأننا نبحث عن حلفاء جدد.
وكررت تركيا ما فعلته مع أمريكا ولكن هذه المرة مع أوربا في قضايا اللاجئين، وبحكم أن حزب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو الذي يستلم الآن السلطة وإلى حين انتهاء دورته فالسياسات الأمريكية والأوربية حيالها لن تتجه نحو الأفضل وستراوح في مكانها في أفضل حال، بناء على هذا فإن تركيا التي لم تستطع تحصين بيتها الداخلي غرقت في صراعات ليس مع الاتحاد الأوربي لكن مع دول أخرى لم تكن في قائمة الأعداء ومنها روسيا وإيران والعراق حيث لها موقف محدد تجاه ما يحدث في سوريا .
سيكون مصير الاتفاقية التركية الأوربية بخصوص اللاجئين هشاً للغاية والاتحاد الأوربي سيفرض شروطاً جديدة على تركيا لاسيما مع تنامي الصراع بينها وبين حزب العمال الكردستاني الذي أصبح حدثاً عالمياً يجعل من ملفها الكردي الذي لم يُحل أوربياً أيضاً، حينها حتى لو تراجعت تركيا عن الاتفاقية فإنها لن يكون بمقدورها فتح الحدود كنوع من التحدي المباشر مع أوربا ولكن سيتم التساهل في انطلاق قوارب موت جديدة باتجاه الحدود اليونانية و حينها ستكون أوربا قد وصلت إلى الدرجة التي حمت بها حدودها من اللاجئين من الخارج، وسوف تجد تركيا نفسها أمام 28 دولة سيدخل العداء بينهم مرحلة جديدة، وربما حتى انعدام وصول المساعدات المالية المقدمة للاجئين في الداخل التركي و ستتحول المشكلة إلى تركية بحتة لن تستطيع كدولة معالجتها مما يجعل شوكة معارضي أردوغان تقوى وتؤدي إلى خلل في الشارع التركي.