on
Archived: دستور الخمسينات بين العسكر وزعامات المُدن البورجوازية «السُنية»
دستور الخمسينات يُعاني من مُعضلات جوهرية، تمس جوهر ما يُرغب أن تكون عليه سورية مُستقبلاً، لأنه يُعيد آليات الهيمنة بأشكال ومضامين جديدة. فالدستور أُقِر في خريف عام 1950، من جمعية تأسيسية برئاسة السياسي السوري الليبرالي رشدي الكيخيا، وبعد أقل من سنة من الانقلاب الثالث في أقل من عام، وفي ظِل الرئاسة المزدوجة لقائد الانقلاب الثالث الرئيس الفعلي أديب الشيشكلي والرئيس الليبرالي «الصوري» «هاشم الأتاسي». أي في ظل انقسام سياسي شديد كان يعصف بالبِلاد، بُعيد حرب عام 1948، التي قوّت من سُلطة العسكر وحولتهم إلى شُركاء في أكثر من النصف في السُلطة السياسية، التي كانت بقيادة صورية من زعامات المُدن البورجوازية «السُنية». |
رستم محمود: الحياة
| العنوان من المصدر: دستور الخمسينات السوري وأوهام الخلاص أغلب الظن أن مسألة «الفراغ الدستوري» ستكون أهم أدوات مفاوضي النِظام السوري لـ «تمييع» الجولات المقبلة في مُفاوضات جنيف، لرفض جوهر «الهيئة الانتقالية» التي يجب أن ترتكز على قاعدة دستورية ما. سيسعى مفاوضو النِظام للحفاظ على دستور عام 2012 بأي ثمن، مع إدخال بعض التعديلات الشكلية، لأنه يحفظ سُلطات وامتيازات استثنائية لرئيس الجمهورية، يستطيع أن يشل بها أية سُلطة أخرى لأية مؤسسة أو موقع سيادي. مُقابل ذلك، فإن المُعارضة ستصر على أن يكون دستور 1950 هو الحل الوسط بين ذلك الدستور وفكرة «الإعلان الدستوري» الموقت، المطروحة في أوساط الخُبراء في موسكو وواشنطن. في شكل رديف لذلك، ثمة احتفاء استثنائي في أوساط المعارضة بدستور الخمسينات، خصوصاً المُنتمين لطبقة سُكان المُدن «التُجار»، إذ يعتبرونه رمزاً لـ «مجدهم» الذي تلاشى، والذي يُمكنه وحده أن يُعيد الهوية «الديموقراطية الليبرالية» إلى سورية، بعد سنوات الاستبداد المديدة. القضية ليست في قابلية ذلك الدستور لإدارة دفة المرحلة الموقتة بأقل الأثمان، والتي قد تطول لعشر سنوات فيما لم تجرِ الأمور حسبما هو مُخطط لها. وأيضاً ليست بمقارنته بالدساتير السورية التي تلته، وبالذات منها «الدساتير البعثية»، التي جمعت بين أشكال من الفاشية الإيديولوجية القومية والشمولية السياسية. بل بالضبط بما سيؤسس هذا الدستور في مُستقبل سورية، فيما لو أُقر للمرحلة الموقتة، لأنه سيغدو المرجعية النظرية السياسية شبه الوحيدة لأية جمعية تأسيسية سورية تقر دستوراً دائماً. على العكس من ذلك تماماً، فإن دستور الخمسينات يُعاني من مُعضلات جوهرية، تمس جوهر ما يُرغب أن تكون عليه سورية مُستقبلاً، لأنه يُعيد آليات الهيمنة بأشكال ومضامين جديدة. فالدستور أُقِر في خريف عام 1950، من جمعية تأسيسية برئاسة السياسي السوري الليبرالي رشدي الكيخيا، وبعد أقل من سنة من الانقلاب الثالث في أقل من عام، وفي ظِل الرئاسة المزدوجة لقائد الانقلاب الثالث الرئيس الفعلي أديب الشيشكلي والرئيس الليبرالي «الصوري» «هاشم الأتاسي». أي في ظل انقسام سياسي شديد كان يعصف بالبِلاد، بُعيد حرب عام 1948، التي قوّت من سُلطة العسكر وحولتهم إلى شُركاء في أكثر من النصف في السُلطة السياسية، التي كانت بقيادة صورية من زعامات المُدن البورجوازية «السُنية». ضمن ذلك الفضاء السياسي والأمني اجترح ذلك الدستور، ولذلك بالضبط كان يُعاني من أربعة مضامين يمكن أن تشكل «خللاً» بالديموقراطية السورية المأمولة. فالمادة الأولى من ذلك الدستور تنص على: «سورية جمهورية عربية ديموقراطية نيابية ذات سيادة تامة». ثم تتبعه المادتان السابعة والعشرون والخامسة والسبعون، اللتان تتضمنان قسم النواب ورئيس الجمهورية، الذي يتضمن عبارة «وأن أعمل لتحقيق وحدة الأقطار العربية». إن كلا النصين يؤسسان لقومنة المجال العام، إن بتعريف الكيان، كما في النص الأول، أو بتأطير الهوية الكُلية لرؤساء الجهازين التشريعي والتنفيذي ضمنه. هذه القومنة كانت أول ممارسة للقطع مع العهد الليبرالي الذي تلا الحقبة الاستعمارية، وحطمت حزبي الشعب والكُتلة الوطنية الليبراليين، ورفعت من حصة العسكر والتيارات الإيديولوجية. وحيث أن الثورة السورية كانت بالضبط لعكس تلك المسيرة الأليمة. ليست أقل من ذلك المضامين «الثقافية» والهوياتية غير السياسية ضمن ذلك الدستور، ليس فقط في المادة الثالثة المُخلة بمبدأ المواطنة، والتي كانت تنص على «دين رئيس الجمهورية الإسلام»، والمادة الرابعة التي تقول: «اللغة العربية هي اللغة الرسمية»، فإن الأمر يصل بالمادة الثانية والعشرين لتحدد حرفياً: «يجب أن يهدف التعليم إلى انشاء جيل قوي بجسمه وتفكيره، مؤمن بالله، متحل بالأخلاق الفاضلة، معتز بالتراث العربي»، ثم تردف في تكملة مُحكمة «يُحظر اي تعليم مُناف لذلك». هذه المركزية الثقافية واللغوية التي كانت مصدراً أول لاندلاع «مُشكلة» الجماعات السورية غير العربية، وأداة لفصم سورية عن مسيرة «العالم» وشكله، بلغاته وسيميائه ومعارفه، وكان التعليم الحديث الذي تسرّب إلى سورية في المرحلة الاستعمارية، الأداة الأكثر حيوية لتشكيل الطبقة السورية الوسطى التي قادت سورية طوال الخمسينات، ومن ثم تحلّلت في عصر الوحدة وما تلاها، بسبب الركون إلى مثل تلك النصوص الدستورية. صحيح أن الكثير من الفقرات كانت تحفظ الحريات العامة والسياسية في ذلك الدستور، وبه تحديد واضح للسُلطات النسبية لرئيس الجمهورية وطريقة انتخابه، والأمر نفسه في ما يخص باقي السُلطات ومواقع الحُكم، وهي الفقرات الدستورية التي أسست لسنوات سورية الديموقراطية الثماني الوحيدة التي تلتها. لكن دستور الخمسينات كان يحوي ما يُناقض ذلك في بعض مواده. فالمادة التاسعة عشرة «لكل سوري حق الإقامة والتنقل في الأراضي السورية إلا إذا منع من ذلك بحكم قضائي» كانت بمعنى ما تنتمي لعالم «أحكام النفي» التي كانت تنتشر في سلوكيات الحُكام الاستعماريين تجاه السُكان المحكومين. والأمر نفسه في ما يتعلق بتكوين مجالس المحافظات، حيث كان الدســـتور وفق المادة مئـــة واثنين وعشرين، ينص على حق السُـــلطات التنفيذية بتعيين رُبع أعضاء تلك المجالس، وبذات تتحكم/تخُل بتوازن المجتمعات المحلية في الاقاليم السورية. على أن أهم المُعضلات التي يُمكن أن تشكل بؤرة للصراع السوري- السوري مستقبلاً، هو «المسألة الاقتصادية». فدستور الخمسينات كان بالغ الليبرالية في حيزه الاقتصادي، وبذا يكون موالياً وأداة للطبقة البورجوازية الغنية، ومُضاداً لنظيرتها من التيارات الإيديولوجية وقواعدها الاجتماعية الفقيرة المُحطمة. وهو الأداة التي أسست لتراكم التناقض السوري الداخلي، بين قواعد اجتماعية بالغة الفقر والعوز وقابلة للولاء لأي تيار سياسي يُلبي بعضاً من حاجتها، حتى لو قضى هذا التيار السياسي على العملية السياسية والحياة المدنية والحريات العامة بجوهرها، وهو ما حصل مع انقلاب البعث عام 1963. فدستور الخمسينات الذي لم يذكر العُمال والفلاحين إلا بعبارات عابرة، وشرعن مبدأ التسريح من العمل، ولم يفكر أبدأ بالمسألة الزراعية التي كانت جوهر الصراع السوري في مرحلة ما بعد الاستعمار الفرنسي، والتي أسست لهيمنة عشرات العائلات على أغلب الأملاك الزراعية والوكالات التجارية وكُل الحياة الصِناعية السورية. لا شيء يحول دون أن يؤدي هذا الدستور، في ما لو أُعيد تطبيقه وتكريسه قاعدة دستورية لسورية المُستقبلية، إلى سيطرة رؤية اقتصادية بالغة الليبرالية على الحياة السورية، وأن يتراكم ملايين الفُقراء السوريين، ويغدو مادة خاماً للتيارات الإسلامية والقومية المُتشددة. مقابل استحواذ عشرات الأفراد من بقايا النِظام وقادة الميليشيات على منابع الثروة السورية وأملاكها العامة، وأن يعيدوا تشغيلها كأدوات لشِراء الذمم وتشكيل شبكات المؤسسات الرديفة، الاقتصادية والطبية والخيرية وتعليمية، وبذا تمتين هيمنتهم السياسية على سورية. |