د. وليد البني: كلنا شركاء
تعرضت فكرة العلمانية في منطقتنا العربية والاسلامية الى تشويه متعمد من جهتين اساسيتين لم يكن لهما مصلحة بإنتقال هذا المفهوم الى مجتمعاتنا، ففي حين وصمها رجال الدين وتيارات الاسلام السياسي بالالحاد والتسيُّب الأخلاقي، اعتبرتها الديكتاتوريات التي حكمت شعوبها تحت شعار معاداة اسرائيل والاستعمار الغربي بالتحالف مع طبقة من رجال الدين ممن عرفوا بمفتي السلطان، أداةً غربية واستعمارية لإعادة الهيمنة على مقدرات المنطقة.
لقد كانت هذه الفكرة التي تطّلبت الكثير من الثورات الدامية والدماء في أوربا رافعة التقدم العلمي والإجتماعي والإقتصادي في أوربا الغربية أولاً ثم في كل من الولايات المتحدة واليابان وأخيراً في اوربا الشرقية والكثير من دول أمريكا اللاتينية وإفريقيا.
بعكس ما روّجت هاتين الجهتين فإن الحركات العلمانية بالمعنى الذي نشأت فيه في أوربا لم تعني أبداً محاربة الاديان أو منعها أو التضييق على معتنقيها كما كان يحصل في الدول التي تبنت الماركسية في روسيا وشرق أوربا وجعلتها دينا لدولها يُكفِّر ويضيق على كل من لايفكر بطريقته، أو في دول العلم الثالث التي تبنت ديكتاتورياتها الفكرة القومية أو الاشتراكية وكفّرت ونكّلت بكل من لم يسبّح بحمدها، لكنها في نفس الوقت حاولت فصل السلطة الدينية المتمثلة برجال الدين وإدّعائهم تمثيل إرادة الله عن إدارة الدولة والحياة اليومية للناس، وحصرت عملهم في كنائسهم ومعابدهم. لم تمنع اية دولة تتبنى العلمانية في دساتيرها ضمناً أو تصريحاً منتمي أي ديانة من ممارسة طقوسهم الدينية أو حتى ممارسة رسالتهم الدعوية أو التبشيرية، شرط أن لا يمسّ ذلك حياة أو حرية أتباع الديانات الأخرى أو المواطنين غير المؤمنين (تستطيع أي مجموعة أن تعلن عن نفسها انها ديانة مستقلة وستحصل على كل المساعدات اللازمة كي تتمكن من ممارسة طقوسها الدينية. بناء مسجد لأقليةدينية مهاجرة في دولة علمانية هو بنفس سهولة بناء كنيسة للأكثريةالساحقة التي تعيش في الدولة).
كلمة علمانية في اللغة العربية هي ترجمة خاطئة لكلمة ( Secularism) الانكليزية وهي كلمة لا علاقة لها بكلمة علم ( Science) أي العلمية والتي اتت منها العِلمانية (scientism) والتي تقول بعدم الايمان إلا بما يثبت العلم صحته وبالتالي ترفض الفكر الديني الذي يقوم بمعظمه على التسليم بما اتى به الانبياء والرسل حتى ولو تنافى مع الظواهر العلمية الطبيعية .
الترجمة الصحيح للكلمة الانكليزية التي تستعمل للدلالة على المعنى الصحيح أي (secularism) هي كلمة الدنيوية أي هي الإهتمام المباشر بالحياة الدنيوية اليومية للناس والتركيز عليها. أما التعبير الأكثر شيوعاً للترجمة العملية لهذا الإصطلاح فهو تحييد الدين ورجال الدين عن الدولة كمؤسسة مهمتها ادارة شؤون سكانها وتأمين حياة آمنة وقوانين عادلة تنظّم حياتهم بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية (حياد دستور الدولة وقوانينها عن الاديان والقوميات)، وهي بتقديري أفضل ما توصل له العقل البشري لإدارة الدول التي تحوي مجموعات سكانية متعددة الانتماءات.
لقد نشأت العلمانية في أوربا إثر صراع مرير بين رجال الدين الذين تحولوا الى طواغيت مستبدين تحت ستار حماية الدين ( شيءيشبه البغدادي والملا عمر وبعض الملتحين من امراء الحرب في العالم الاسلامي) أو تحالفوا مع الطبقة الحاكمة وتقاسموا معها النفوذ والثروة (تحالف مافيا الاسد مع أمثال حسون البوطي كفتارو وبعض أصحاب اللفات في دمشق وحلب) من جهة ،وبين الجماهير الأوربية من الجهة الأخرى. حيث انتصرت الشعوب الاوربية في النهاية بعد انهاراً من الدماء وعشرات السنين من البؤس والشقاء.
إن منطقتنا العربية والاسلامية وخاصة مجتمعاتها التعددية كسوريا والعراق ولبنان لا يمكن ان تكون استثناءً، لأن المنتج الحضاري العالمي واحد وما توصل اليه العقل البشري في أوربا أولاً ثم تمدد ليشمل جميع الدول التي تبنت مبدأ الدين لله والوطن للجميع في أمريكا الشمالية واليابان وكوريا الجنوبية وعدد من الدول في إفريقيا (جنوب افريقيا وأمريكا اللاتينية (البرازيل المكسيك تشيلي والارجنتين) إضافة الى بعض الدول الاسلامية التي استطاعت تحقيق قفزات اقتصادية وحضارية (تركيا وماليزيا) كحل أدى الى ارساء نوع من الاستقرار والعدالة وأطلق عجلة التقدم والإزدهار، يمكن أن يكون حلاً لمشاكلنا نحن أيضاً في سوريا، لكن ذلك سيتطلب إصراراً ونضالاً على جبهتين، جبهة مافيات التسلط والاستبداد المتمثلة بمافيا عائلة الاسد وداعميها من الاصوليات الطائفية الايرانية واللبنانية، وجبهة التكفير والعقول المظلمة المتمثلة بداعش والتنظيمات المنبثقة عن القاعدة والمدعومة من الارهاب الدولي.
طريقنا نحو الحرية واللحاق بركب الحضارة ستكون أقصر كلما كان وعينا لهذه الحقيقة أنضج.