on
Archived: عمر قدور: تعالوا نلعب في جنيف
عمر قدور: المدن
تذهب المعارضة السورية إلى جنيف من دون أمل حقيقي بالحل، تذهب تحت ضغط الحلفاء، وهؤلاء بدورهم يضغطون عليها تحت ضغط الإدارة الأميركية التي تعد بالحل، ولا يُستبعد أنها تكذب وتماطل بخاصة مع اقتراب موعد رحيلها. لكن، للضرورة أحكام، فالإدارة نفسها يبدو أنها حازمة إزاء عدم تمكين الفصائل المعارضة، وهو أمر لا تتهاون فيه إطلاقاً مع حلفائها. قد يظهر هذا كأنه نوع من العبث السياسي، غير أنه الواقع كما هو. فالإدارة جازمة في شأن عدم السماح بإسقاط النظام عسكرياً، وحتى جازمة في شأن عدم دخوله المفاوضات تحت التهديد العسكري الجدي، وفوق ذلك تقول للحلفاء ولوفد المعارضة: اذهبوا لتنحية بشار في قاعات التفاوض، وبقبول متبادل!
إذاً، يذهب وفد المعارضة، ومن خلفه حلفاؤها، ليثبت للإدارة الأميركية عدم جدية وفد النظام وحلفائه وعلى رأسهم الحليف الروسي. يذهب الوفد ضمن لعبة يعرف مداها، ويدرك تدني فعاليتها طالما أن التفاهمات الحقيقية تبقى طي الكتمان بين الثنائي لافروف/كيري. اللعبة متعددة المستويات، أقلها شأناً ذلك المستوى الذي يلعب فيه وفد المعارضة ضدّ وفد النظام، فاللعبة الأعقد هي مع الحليف اللدود الأميركي، وفيها مكمن الخطورة إذ تراهن المعارضة على الخروج بأقل الخسائر.
يذهب وفد النظام إلى جنيف ليظهر أكبر قدر من الوقاحة. قد يخيل لنا أن هذا سبب غير كاف، لكن في منتهى الواقعية أن يفعل الوفد ذلك طالما هو مطمئن إلى أن إسقاط النظام لا يمكن أن يتم في قاعات التفاوض. الوقاحة هي تجاه وفد المعارضة، وأولاً تجاه مطالب السوريين بالتغيير، ومن استخدم مختلف أصناف الأسلحة وصولاً إلى الكيماوي لا تعيبه الوقاحة اللفظية. في المقابل، يحافظ النظام على خطاب مرن تجاه الإدارة الأمريكية حصراً، وثمة قناعة لدى النظام بأن ملفه طالما بقي في عهدة هذه الإدارة فهو باقٍ. لكن صيغة البقاء الحالية غير كافية، لأنه بقاء في دائرة الشك. النظام يريد بقاءً تتعهد به الإدارة، وتضمن التزام حلفائها التام به.
وقاحة النظام مدعومة أميركياً، لإدراكه بأن ساعة تنحية أو تصفية رأسه لم تحن، ومجرد وجود وفده في جنيف دليل على ذلك. لذا يذهب النظام لتحسين شروط بقائه، ظناً منه أنه قادر على ابتزاز الراعيين الروسي والأمريكي بصفته الطفل المدلل لديهما.
يذهب الراعي الروسي إلى جنيف وهو أمام واحد من انتصارين، فإذا اقتصرت المساومة بينه وبين الإدارة الأميركية على سوريا فستنص على بقاء بشار في الحكم، وسيعلن حينها نجاح عمليته العسكرية التام إذ فرضت بقاء النظام على الضد من الرغبة “الظاهرة” لأميركا. ستكون هذه النتيجة بمثابة تعويض عن الجرح الأوكراني، حيث كان انتزاع “القرم” مغمساً بفقدان بقية أوكرانيا وبالعقوبات الغربية. أما إذا توصل بوتين إلى مقايضة بشار بسلة من المكاسب، منها رفع العقوبات الغربية، فسيقدم الأمر بمثابة تحقيق الانتصار الصافي في أوكرانيا أخيراً مع تعزيز موقعه كشرطي جديد معتمد في الشرق الأوسط.
يذهب الراعي الأميركي إلى جنيف، وأهون الشرين بالنسبة له إجبار المعارضة السورية على منح بوتين نصره الصغير. إقصاء الأوروبيين عن الملف السوري يعني أن المقايضة الكبرى غير واردة، وحتى ممانعة انتصار بوتين في سوريا غير واردة، طالما أنه في جزء كبير مما يرتكبه يلبي المشيئة الأميركية أيضاً. الإدارة ليست متلهفة لتنحية بشار، هي تفضّل بقاءه بلا “أنياب” على رحيله، ولسان حال بعض مسؤوليها إبداء الندم على إسقاط طاغية مثل صدام حسين. لا تملك الإدارة ورقة ضغط باستثناء الفيتو على تسليح المعارضة، أي أن نفوذها الأساسي مستمد من منع انتصار المعارضة ليس إلا.
فوق ذلك، إدارة أوباما متلهفة لتصفية القضية السورية وإقرار تسوية تصوّرها بمثابة نصر خاص لرؤيتها عن الحل السياسي، نصر تباهي به كأنه إنجاز كبير قبيل رحيلها. لكنها لا تملك وقاحة وفد النظام لتعلن على الملأ عدم ممانعتها بقاء مجرم حرب كبير. تريد من المعارضة القيام بهذه المهمة الشاقة نيابة عنها، وعلى أمل أن يؤدي جيش بوتين واجبه التأديبي إزاء الفصائل “المشاغبة”.
في الظاهر، إيران “غير المدعوة” هي الغائب الأبرز عن جنيف، لذا تعوض بإرسال المزيد من أفراد ميليشياتها وأخيراً جيشها النظامي، وتحضّر لما يسمى معركة حلب الكبرى. السلوك الإيراني يخلو من المراوغة إذ تتصرف طهران على أن الانتصارات العسكرية هي التي تفرض طبيعة الحل، ولا بأس في أن ينشغل الآخرون بقاعات التفاوض بينما تنجز هي التغييرات على الأرض. ثم إن طهران ممثلة جيداً بالحليف الروسي، إلا إذا دخل مقايضته الكبرى، وحينها سيصطدم بعقبة سيطرة طهران على مفاصل أساسية لنظام بشار وامتلاكها مفاتيح التغيير.
بالطبع فصائل المعارضة، على قلة تسليحها، هي التي “تفاوض” الإيرانيين والروس في الميدان. وإذا توخينا الدقة، فإن المعارضة شبه وحيدة في جنيف، بينما على الطرف الآخر من الطاولة تجلس وفود الراعيين الأميركي والروسي جنباً إلى جنب مع وفد النظام. الأنكى من ذلك إقرار الجميع بأن التفاوض بين وفد المعارضة والنظام ليس له قيمة، وإذا كان من تفاوض حقيقي فهو يدور في قاعات مغلقة أخرى. ما هو ظاهر من جنيف لا يعدو كونه لعبة، ودعوة المعارضة إلى جولات التفاوض لم تتضمن أساساً أكثر مما يمكن اختصاره بالقول: تعالوا نلعب لعبة اسمها “جنيف”.