Archived: فادي.أ.سعد: عن الرقة (بيت ادين) مدينة للإبداع والسياسة والمال

فادي.أ.سعد: كلنا شركاء

احلم بمدينة جديدة في وسط البلاد يأتي اليها مئة ألف من دمشق ومثلها من حلب ومثلها من الحسكة ومثلها من السويداء ومثلها من حمص ومثلها من اللاذقية ومثلها من درعا ومثلها من حماه ومثلها من بيروت.
مدينة جديدة للفن والسياسة والإعلام والمال والإبداع.  مدينة نبني فيها خمس جامعات وسبعة مشافي وعشر مسارح ومثلها من دور السينما وسبع استديوهات للإنتاج الفني وعشر محطات تلفزة وعشرين إذاعة وصحيفة وعشرات دور النشر والحدائق والملاعب ومئات المدارس وعشرات البنوك ودارا للاوبرا وفرقا موسيقية وسمفونية
وننشيء فيها ثلاثة أحزاب حاكم معارض حيوي اجتماعي وكذلك عشرات مراكز الدعم والرعاية الاجتماعية ومئات الجمعيات الثقافية والأدبية والاقتصادية.
مدينة للإنتاج والإبداع النوعي على ضفتي الفرات مدينة من دون تلوث أو ضجيج لا يحتمل تحرم فيها العصبيات من أي نوع ويحرم فيها الإضطهاد والظلم والتمييز من أي نوع ومن أي جهةٍ
مدينة الهها الأعلى الإبداع ولها آلهة ثلاث مساعدة الأول اله المحبة والثاني اله التسامح والثالث إله العدالة.  ليس في هذه المدينة الجديدة محاكم ولا قضاة ولا فروع أمن أو مخابرات . الفنانون والمدرسون هم القضاة والمحامين ويحتكم الجميع إلى آلهة المدينة الأربعة أو مبادئها الأربعة.
القاضي الوحيد في المدينة أم متعلمة عاقلة يعرفها الجميع وتعرفهم.  أم تختارها الأمهات من بينهن . أم قاضية عاقلة لكنها ان اشكل العقل احتكمت الى قلبها الام . هكذا يصبح إله العدالة المجسد في مدينتنا إله مبصر بالعقل والمحبة وليس اعمى القلب كما هو إله العدالة الغربي.
ابحث عن مدينة تتوسط سورية تصبح عاصمة للجمهورية السورية الجديدة تكون على مسافة واحدة من المدن المهمشة في الشمال والشرق والوسط.  على مسافة واحدة سياسيا وجغرافيا.
لأن عبقرية المكان تنعكس دائماً على الفعل السياسي والاقتصادي وكلاهما يبتكر وينتج المواطنة الحقيقية والديمقراطية الحيوية أو التفاعلية.

الرقة بيت الدين البيت الأبيض :
في التاريخ السوري القديم الرقة هي بيت أدين ويقاربها  البعض إلى اللفظ العربي  بيت الدين .ولا غرابة فالارامية أم العربية. وعاصمتها تل برسيب . كانت عاصمة تجارية تصدر منها الغلال والمصنوعات إلى الخليج والهند ومن أهم تلك المصنوعات الزجاج والخزف البديع الذي اشتهرت به الرقة قديما وصولاً إلى العصر الإسلامي ويفرد متحف المتروبوليتان في الولايات المتحدة جناحا خاصاً الآن لعرض زجاج الرقة المميز.
ادرك قادة الاغريق مكانة الرقة الاستراتيجية قبل داعش  ….. فأعاد الإسكندر المقدوني الكبير بناء الرقة وسماها نكفوريوم وأعاد تجديدها سلوقس الثاني غالينوس (او قالينوس)  وكذلك فعل الرومان الذين حولوها الى قلعة بل حصنا شامخا يصد الغزاة الفرس .
في زمن الإمبراطورية العباسية احتلت الرقة صدارة المدن فكانت منطلق جيوش الفتح والغزو  إلى أرمينيا وبلاد الروم ولهذا أنشأ فيها الإمبراطور الأسطوري هارون الرشيد  البيت الأبيض الأول في التاريخ وسماه ” القصر الابيض ” وبنى العباسيون فيها كذلك الرصافة وقصر البنات وقلعة جعبر وقصر هرقلة إلى أن اجتاحها في القرن الثالث عشر الوباء الأصفر قادما من الشرق فاحالها هولاكو إلى خراب وخرائب وهجرها أهلها إلا ماتبقى منهم على أطرافها وقد تحولوا إلى رعاة ومضت اربعة مئة عام حتى سمعنا ببعض العشائر تسكن أجزاء منها إلى أن جاءتها عشيرة العفادلة في القرن السابع عشر فسكنتها وانتشرت افخاذها في أنحاء الرقة .
زرت الرقة مرة واحدة منذ عشر سنوات بالضبط فاكتشفت تعدد مجتمعها الذي يجمع أهل سورية فيها واكتشفت طباع أهلها الذين يتميزون بالحلم وطول البال -إضافة لما عاينته في السجن وخلال الثورة_ كما صدمت بجمال بيوتها وهي بيوت حديثة وبعضها باذخ مغطى بالحجر والرخام.
احتلتها داعش بلعبة مكشوفة مع النظام وحاولت فرض اساليب وبدع جديدة على اهلها الكرام الاحرار فاصطدمت بمقاومتهم رغم ان بعض الشباب الصغير المغرر بهم دخلها لحاجته الى مصدر للرزق. قتلت داعش من شباب الرقة أكثر مما قتلت من جنود النظام في المعارك واهانت نساءها بالجلد لمخالفة تعاليم “الخليفة” البغدادي المتشددة ولاحقت أحرار النشطاء السلميين لاسيما الصحفيين الذين دأبوا على فضح ممارساتها عبر موقع ” الرقة تذبح بصمت ” لكن أحرار الرقة يعملون بدورهم بصمت حيث قتلوا العديد من قادة داعش المحليين دون أن يأتي إعلام الثورة على ذكر ذلك.
بعد انقراض داعش الذي آمل ألا يستغرق وقتاً طويلاً لا بد من العودة إلى الرقة وزيارة بعض الأصدقاء فيها من آل الحج صالح ومطر والعفنان وصلال والبحث عن بعض صحبة السجن فيها رغم تباعد الأفكار والخلاف في الآراء بيننا ….