on
Archived: د.صالح درويش:الثورة السورية بين الخائف منها والخائف عليها
د. صالح درويش: كلنا شركاء
ما أن خرجت جموع الشباب تلوح بأعلام الثورة في ذكراها الخامسة، هاتفين بشعاراتها، وهازجين لها، كما كنا نفعل عندما انطلقنا في بداياتها، حتى عاد البعض مما يدعون بالمعارضة السياسية، ومن بينهم من يشارك في محادثات جنيف، لترديد القول بأفضلية العودة إلى الحراك السلمي، والمدني، وحتى إلى الاعتذار عن “العسكرة” التي أصابت الثورة، وإلى اعتبارها على أنها كانت هي السبب أيضا إلى جانب تغول النظام في الدمار الذي أصاب البشر والحجر، على حد سواء، مساوين بذلك بين القاتل والمقتول. في حقيقة الأمر، أنه ما جرى حتى الآن، هو ثورة على نظام يغرق في استخدام العنف، تقابله ثورة شعبية بعنف مضاد. أي، ما كان يصطلح على تسميته حتى الماضي القريب، بالعنف الثوري، الذي كان اليسار العربي والعالمي يتغنيان به في أدبياتهما.
كما أن بعضهم اعتبر تلك “العسكرة” خطأ تاريخيا يجب إصلاحه، ودعا إلى بدء الحوار الذي يجب “تحييده”!، لكي يبقى الشعب السوري برأيهم موحدا بعد كل ما حدث، من أجل الحفاظ على السلم الأهلي، وإلى عدم العودة إلى الاقتتال نهائيا.
بل إن بعض الناطقين باسم “الثورة والمعارضة” في جنيف، ذهبوا إلى حد التباهي من أنهم يسهرون الليالي، من أجل تقديم تصوراتهم حول الفترة الانتقالية، بينما يقضي وفد النظام الوقت بالتجول على ضفاف بحيرة جنيف، وبإجراء المقابلات الصحفية. من بينهم من يعتقد أنه لا بأس من التكتكة، ومن إظهار مدى جديتنا في العثور على حلول تنهي مأساتنا مع نظام لا هم له سوى قتلنا وتشريدنا، فنكسب بذلك “الثواب”، والمصداقية، لدى جموع شعبنا المظلوم، ولدى الرأي العام العالمي. بالمقابل، ما من شك أنه لدى معظمنا، وقد هالنا منظر الدماء المهرقة، وبيوتنا المدمرة، وجموع شعبنا المشرد، هاجز يتوقى إلى الانفلات من تلك الحلقة الشيطانية. البعض من بين نخبنا السياسية، ما زال يعتقد بإمكانية الوصول إلى حل سياسي لا هازم فيه ولا مهزوم، مع نظام لم ينفك ولو للحظة واحدة عن الاعتقاد أنه لا حل إلا على أرض المعركة، مع شعب اختزله في مخيلته إلى مستوى عصابات مسلحة وإرهابية، ينبغي سحقها.
من المؤلم القول، بأن هناك حالة من الفصام الفكري يمكن تشخيصها لدى معظم أفراد النخبة المثقفة في سوريا. في وقت، كان شعبنا الثائر بأمس الحاجة فيه إلى طليعة ثورية مستنيرة تقوده، وتملك من وضوح الرؤية ما يكفي لتجنبه الوقوع في فخاخ الفكر الظلامي المنتشرة على طول طريق كفاحه. شعب لا ذنب له، سوى أنه محافظ ومظلوم، لم يبق لديه سوى أن يصرخ: ما لنا غيرك يا الله، في وقت تخلى عنه القاصي والداني.
في سوريا، لم تندلع الثورة كنتاج مباشر لحركة فكرية تحددت أبعادها منذ عهد التنوير، وتملك رؤية مستقبلية واضحة لما بعد دولة الاستبداد. وهي لم تندلع نتيجة حراك مباشر للمنظرين من كبار المثقفين السوريين المخضرمين، ونتيجة تحليل ثاقب وواقعي لهم حول طبيعة الدولة الاستبدادية التي نحن بصددها، وما هي أفضل السبل لمواجهتها. بل سبق وشارك قسم كبير منهم في مسيرتها القمعية. كما أنهم لم يقودوا الثورة، ولا يتحكمون بمصيرها، حتى الآن على الأقل. ” الشارع “، وعلى رأسه ثلة من الشباب الثوري الذين سرعان ما صفاهم النظام وسحقهم، هو من قرر يومها ما يجب عمله. ما انطلقت على أساسه الثورة، لم يكن برنامجا لإرساء أسس لنظام بديل واضح الأبعاد، بل كان هاجس للبحث عن هوية لشعب يطالب شبابه بالحرية، وفي العيش بكرامة في وطن يكفل لهم العدالة، بعد أن حولته طغمة فاسدة إلى مزرعة لها، وإلى سجن كبير، الداخل إليه مفقود، والخارج منه مولود.
لنعد هنا في هذا الموضع من المقال قليلا إلى أول القصة، إذا صح التعبير. خدعنا كلنا في البدء بالمناخ الذي أشاعه الربيع العربي، عندما ظننا أنه كان بالإمكان القيام في سوريا بتحول جذري في سياسة البلد، عن طريق إجراء إصلاح دستوري مرحلي أو غيره كما في تونس، أو عن طريق تجاذبات لا تنتهي مع العسكر، ومراودتهم عن أنفسهم، لكي يتخلوا طواعية عن السلطة، كما حصل في البدء في مصر، وبدون إهراق كبير للدماء. إلا أن ما حدث في ليبيا عند الثورة على القذافي إضافة إلى ما حدث لاحقا في مصر كان يجب أن ينبهنا، لكي نعيد النظر في تفاؤلنا الذي ميز الشهور الأربعة الأولى من انتفاضتنا. فقد ظننا لوهلة، أنه يمكن القيام بحراك ثوري، حتى بدون اعداد سياسي من أي نوع كان. ظننا أن رفع شعارات عامة تنادي بالحرية، والكرامة الانسانية، والعدالة الاجتماعية، كفيلة بتعبئة مجموع الشعب وراء الثورة. كان عذرنا في ذلك، أننا وجدنا أنفسنا فجأة أمام تجربة فريدة لشبابنا الذين طالما شككنا بأهليتهم السياسية التي تكونت في ظل نظام شمولي هدف أصلا إلى تعقيم شعبه من جرثومة السياسة إلى الأبد، كما كان يعلن عن ذلك صراحة، فإذا بهم يطلقون ثورة طالما حلمنا بها. لكننا، لا نعرف الآن كيف ننهيها. لم يكن هناك قبلها أو خلالها مجلس وطني أو لاحقا ائتلاف يقودها، بل قامت بهذا العمل الرائد تنسيقيات الثورة، بعد أن آثرت غالبية طبقة المثقفين المراوحة في مكانهم، وقد فاجأتهم انطلاقة الثورة بدونهم.
من المدهش حقا استمرار بعضنا في الاعتقاد من أن ما يدعونه بِ “عسكرة” الثورة، كان هو السبب في ظهور السلبيات، والتطرف الديني فيها، وأنه أدى إلى اصطفاف ما يدعى بالأقليات وراء نظام مجرم، خوفا من سيطرة التعصب لاحقا على أكثرية عاشوا معها منذ أربعة عشر قرنا، دون حروب استئصالية امتدت مئات من السنين كما حصل في أوروبا بين أتباع دين المسيح. الأكثرية، هي التي تحملت حتى الآن القسم الأعظم من التقتيل والتشريد، وتدمير معالمها الحضارية، ومدنها وبلداتها. أقل ما يمكن قوله بهذا الصدد، أنه لا يمكن السماح لمجموعات من البشر، أو لدولة ما، بأن تقتل على هواها أبناءها قبل غيرهم، وتدمر كل ما يحيط بها من إنسان وحجر، من دون محاولة التدخل لمنعها من فعل ذلك، ومن ردعها بقوة السلاح، إذا لزم الأمر.
ما يشير الدهشة أكثر، أن بعضنا كان سبق ودرس الطبيعة الإجرامية للنظام على ضوء ممارساته السابقة، وعلى رأسها تدمير حماه عام 1982، وقتل أربعين الفا من أهلها، وقبل ذلك المشاركة في قمع الحركة الوطنية التقدمية في لبنان في سبعينيات القرن الماضي، والاشتراك في ذبح الثورة الفلسطينية في تل الزعتر. كما سبق، وتوصل هؤلاء إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكن إزاحة النظام بعد كل ما قام به إلا بالقوة. لكنهم، لم يفكروا بإمكانية أن يتم ذلك وينجح عن طريق ثورة شعبية تضم كل فئات الشعب ومكوناته اثنية كانت، أم طائفية، لغياب مقوماتها الفكرية، والتنظيمية يومها، والتي نجح النظام كما قلنا في تعقيم الشعب منها. اعتقدوا، أن أفضل السبل بعد ما جرى في حماه، هو أن يتم ذلك من خلال المؤسسة العسكرية نفسها، بالرغم من كل المصائب التي سبق وجرها علينا العسكر منذ انقلابهم الأول بعد الاستقلال. ومن أنه لا مندوحة عن ذلك، بسبب احتكار النظام المطلق لأي عمل مسلح في البلد. قبلها، لم يصدق منا أحد في مطلع السبعينيات بعد استلام الأسد الأب للسلطة، عندما صرح أحد ممثلي المؤسسة العسكرية من أنه لن يكون بعد ذلك الحين أي فرصة أخرى لانقلاب عسكري في سوريا. وهو ما حققته المؤسسة بالفعل، عندما حولت الجيش الوطني إلى جيش من المماليك، وأحالت سوريا إلى معسكر كبير تنتشر فيه شبكة من المطارات، والمهابط، والمعسكرات، ومرابض المدفعية، ومكامن الدروع، في ضواحي المدن، وفي عمق البلد، وفي محاور الطرق الرئيسية، وعلى قمم الجبال والتلال، ليس لمحاربة المحتل الاسرائيلي الموجود بعيدا في الجولان، بل لمنع قيام أي عمل يهدد مصير الدولة القمعية التي تم العودة إليها بعد فترة قصيرة في مطلع الاستقلال، من العيش في ظل دولة برلمانية، ودستور مدني، وحرية نسبية. كل ذلك، أخذ يظهر لاحقا للعيان، وعلى أرض الواقع، من خلال مسيرة الثورة، ومن خلال اصطدامها بالمنظومة القتالية التي أقامها النظام منذ عقود في كل شبر من سوريا.
لم يدر بخلد الذين تصدوا من الثوار لمنظومة النظام القتالية عام 2011، إلى أن أفراد القطع العسكرية فيها من فصائل محترفة، وحتى مجندي الخدمة العسكرية، والاحتياط، سيتصرفون مع الثائرين على النظام من أبناء شعبهم بصورة أشنع، وأوحش، مما تصرفوا بها مع ثوار حماه عام 1982. بل إن هناك من يعتقد، أن وحشا يكمن في داخل كل نفس بشرية، سرعان ما ينفلت من عقاله عندما تتوفر ظروف مواتية للتوحش عند صاحبه. أي أنه كان باعتقادهم، أنه ليس هناك من دوافع عقائدية، أو عنصرية، أو من توجيهات قتالية معينة، جري تلقينها للمرؤوسين في جيش النظام كانت هي المسؤولة عن تغولهم، بل حصل ذلك لظروف المعركة الحاصلة وأجوائها، إذا صح التعبير، ومن أن مجابهة الموت في كل لحظة، هي التي تجعل من الفرد قاتلا، ومغتصبا. إلا أن واقع الأمر جاء غير ذلك. نعم، هناك ظروف قهرية أوجدت مناخا مؤاتيا لارتكاب الجرائم، لكنها جاءت تواكبها توجيهات صريحة بارتكابها. هناك شهادات لمنشقين عن الجيش تكلموا بالوقائع والأسماء، عن توجيهات محددة للبعض من ضباطهم ورؤسائهم بارتكاب مثل هذه الفظائع، وباستهداف المدنيين من أبناء شعبهم المشاركين بالثورة وحتى من غير المشاركين منهم بها، كأداة ردع لمنعهم من الالتحاق بها، تحت ذريعة أن هناك مناطق سكنية يمكن للثوار أن يتستروا بها عند اقترابهم لمهاجمة بعض مواقع جيش النظام، لذلك يجب تسويتها بالأرض قبل ذلك، كما حدث في كل من حمص، وحلب، وفي ضواحي دمشق، وغيرهم. واضح من ذلك، أن بعض أمار الوحدات المقاتلة في الجيش النظامي كان بمقدورهم منع مرؤوسيهم من ارتكاب الجرائم، أو بالعكس تشجيعهم على فعل ذلك. وفي الحالات القصوى، الانشقاق مع مرؤوسيهم والالتحاق بالثورة، كما فعل بعضهم من قبل. كان هؤلاء الضباط سادة في تقرير حياة أو موت أبناء بلدهم التعساء، ليس بسبب التزامهم بقواعد الانضباط العسكري أو عدمه، أو لأن بعضهم التزم بحتمية مجتمعية ما، كانتمائهم إلى طائفة معينة، بل لأن هؤلاء الضباط ألزموا أنفسهم طواعية، وتبنوا طواعية حرب بشار الأسد ضد شرائح واسعة من الشعب السوري، لكي لا نقول ضد الشعب كله. هذا بدوره، لا يعفي الجنود في المراتب الدنيا من الجيش، ومن الميليشيات التابعة له من المسؤولية الفردية، لكل من شارك منهم في ارتكاب الجرائم. لأنهم هم أيضا، كانوا يملكون الخيار في كل مرة تعرضوا خلالها لاتخاذ قرار بقتل، أو تعذيب، أو اغتصاب ضحية ما، أو عدم ذلك. لأن إدراكهم أو إحساسهم بكل ما يجري أمامهم، كان لا بد له من أن يمر قبل ذلك عبر غربلة ذاتية لقناعات تولدت لديهم، حتى لو كانت صورتها في مخيالهم بقيت مشوهة وغير واضحة المعالم، وغير متماسكة، وغير مكتملة، أو جاءت عابرة. بمعنى آخر، هناك نوع من “العصبية” الخلدونية تربط بين أفراد المجموعات المسلحة التي تتبع النظام وتلك التي تحارب إلى جانبها من الميليشيات الشيعية، جعلت المؤسسة العسكرية بالرغم من الانشقاقات التي حصلت فيها، تبقى ملتفة حول قيادتها حتى الآن، وتنفذ أعمال قتل للبشر، وتدمير لمعالم حضارية، وتاريخية لشعب، لا تشعر معه بأنها تنتمي إليه، ومن أن ما تدمره من أوابد، وصروحا تاريخية، وجهدا حضاريا، ليس تراثا إنسانيا، ووطنيا مشتركا، لهم هم أيضا، أو كأن تاريخ البلد لا يعنيهم، أو لأنه اعتبروه بالفعل تاريخ “الآخر”.
لا يقتصر هذا الانتحار الحضاري على جيش النظام فقط. فما قامت وتقوم به داعش وغيرها من الفصائل المقاتلة السلفية لا يشذ عن ذلك، بالرغم من أنها لا تتمتع بنفس القوة النارية، والتدميرية، الهائلتين اللتين يتمتع بهما جيش النظام وحلفائه، خاصة بعد دخول روسيا وإيران على الخط. لكن ما يميز داعش عن غيرها في هذا النوع من البربرية، هو أنها تأخذ على عاتقها تحمل مسؤولية النحر المعنوي، والأخلاقي، لكل الجوانب المضيئة في التراث، والفكر، الاسلاميين.
كما أن الثورة لم تستطع حتى الآن تطوير استراتيجية لبلوغ الهدف الذي قامت من أجله، وهو أن عليها أن تراعي في معادلتها كل المجاهيل التي تؤدي لقيام دولة القانون والمواطنة، والحكم المدني الذي يفصل بين الدين والدولة، ويحترم كل العقائد والمذاهب، ويحافظ على الموزاييك الجميل للشعب السوري .
هذا يعني، أن على الذين يعتقدون أنه بالإمكان إقامة دولة دينية أو شبه دينية في سوريا، لأن أغلب الشعب السوري هم من السنة، أن يعيدوا حساباتهم. فالموضوع لا يتعلق فقط بهؤلاء، عربا أم كردا أو غيرهم، الذين ليسوا حتما كلهم ممن يريد ذلك، إذا ترك لهم الخيار. بالمقابل، ليس الاسلام ذلك البعبع الذي يظنه البعض ويعتقدون أنه عنوان للتخلف، والتعصب، والتوحش، وأنه ضد التقدم والحداثة، وضد حرية الرأي والتعبير، أكثر من غيره من الأيدولوجيات. والمحرقة ضد اليهود التي جرت في أوروبا الذين يعتبرونها تمثل قمة التقدم والحضارة الانسانية، أصدق مثال على ذلك. الاسلام لن يكون أبدا داعشيا أو حالشيا. وشعوب البلدان الاسلامية، يمكن لها بالإسلام وبدونه، أن تتقدم إلى الأمام أو تتراجع إلى الخلف، وأن تتولى زمام الأمر فيها حكومات شمولية أو ليبرالية، وأن تكون جماهيرها منفتحة لاستقبال رياح التغيير، أو منغلقة على نفسها تستلهم من تاريخها القديم أو القريب على حد سواء، الجانب الأكثر ظلامية فيه. لا شك من أن إرثنا الاسلامي سيبقى مكونا مهما في صيرورتنا المستقبلية، لكنه لن يكون الأهم فيها. فالأرضية الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية التي تتحرك عليها الآن هذه الصيرورة، ليست بالتأكيد مشابهة لما كانت عليه أيام الرسول الأعظم، أو لاحقا أيام صلاح الدين، وانتهاء بعبد الحميد.
يبقى أن التشرذم الحاصل في صفوف الثوار في الداخل، فرضه في الأصل، التشتت المناطقي للانتفاضة عند انطلاقها سلميا بغياب قيادة مركزية لها. واقع، نتج عما سبق وفرضته ممارسات النظام طوال نصف قرن على البلاد، من ضبط للسفر والتنقل بين المحافظات، والرقابة على تحركات الأفراد، ومنع البشر من مختلف أشكال التواصل، إلخ. صاحب هذا التشرذم في الثورة تغير التركيبة الاجتماعية فيها التي كانت تقود الانتفاضة السلمية عند انطلاقها والتي تألفت في البدء من أبناء الطبقات الوسطى في المدن، من طلاب جامعات، وتلامذة مدارس، ومثقفين ثوريين، وأصحاب مهن حرة، والقواعد الشابة للأحزاب السياسية التقليدية خارج قياداتها المترهلة، ومن أنصار إقامة دولة المواطنة والقانون، ومن شباب الطبقات الشعبية. قبل أن تسحقهم آلة النظام فاسحة المجال بذلك، من غير قصد، الى توسع الحراك من الأرياف باتجاه المدن القريبة منها كما جرى في حلب. حدث ذلك، ليس فقط لنجدة أهلها، بل هربا أيضا من ضنك العيش الذي كانوا يعانون منه في مناطقهم بعد أن قضى القحط على كل أمل لهم في حياة كريمة، فقاموا باحتلال مراكز السلطة في المدينة، حاملين معهم ليس فقط طابعا محليا، وتقوقعا على أساس مناطقي للعمل الثوري. حدث كل ذلك، مطعما بعصبيات عشائرية، بل وبفكر تقليدي أكثر محافظة، سرعان ما استهوته شعارات من كان ينادي بالعودة إلى التراث، وإلى أيام الخلافة، وأمراء الطوائف.
إضافة إلى التشرذم العقائدي الحاصل في صفوف الثورة، جاء التشرذم الاثني ليزيد الطين بلة. في وقت نحن بحاجة ماسة فيه للحمة وطنية أوسع. لكن، ما الضير من القول بأن للأكراد الحق في أن يحلموا بكردستان في إطار سوريا تعددية غير اثنية أو طائفية، كما للعرب الحق بأن يستمروا بالحلم فيها بعربستان ثقافي وتعددي؟. هم ظلموا عندما حنث معهم المستعمر الغربي بعد الحرب العالمية الأولى في وعده لهم بإقامة دولة وطنية خاصة بهم، ونحن ظلمنا من قبل نفس المستعمر الذي منعنا من اقامة دولة وطنية لنا في بلاد الشام غير مجزئة. الأهم الآن، أن لا يقابل الأكراد الشوفينية التي طبقها النظام بحقهم، بشوفينية مماثلة تجاه الأغلبية العربية في سوريا كما يفعلون الآن، وأن لا يستغلوا لحظة الضعف التاريخية التي تمر بها أمة عاشت إلى جانبهم قرونا طويلة، تقاسموا معها خلالها التاريخ والعقيدة، لكي ينفصلوا عنها في منعطف مفصلي من تاريخها، ويشاركوا في شرذمة ما تبقى من سوريا الأم. لذلك، علينا بذل جهود أعمق وأشمل للدعوة إلى إقامة دولة مدنية عابرة للقوميات، والمذاهب، والأديان، دولة مواطنة تحقق الطمأنينة، والمساواة للجميع، ومحاولة اقناع كافة الناس في سوريا، من أن مشاركتهم في هذه الثورة الرائدة، يشكل الضمان الوحيد لهم في مستقبل مشترك يتجاوز الكارثة التي نمر بها معا حاليا.
تماهى هذا التشتت الداخلي لقوى الثورة مع تشتت الدعم الخارجي لها حتى الآن وتعدده، كما هو معلوم، دون تنسيق فيما بين أطرافه، مما أضر بالحراك الثوري إلى أبعد الحدود، وزاده تشتتا على تشتت، لتعدد مصادر التمويل الذي جاء يعكس تتضارب المصالح للدول الداعمة، إقليمية كانت أو دولية التي كانت لها أولويات غير أولويات الثورة. إلا أن المثلبة الرئيسية للدعم الخارجي فيكمن بمحدوديته، وبانخفاض سقفه، مما أعاق الثورة عن أن تخوض معارك فاصلة حتى الآن مع خصم يتمتع بحجم إمداد مريح، ومستمر من وراء الحدود، ومؤخرا بمشاركة مباشرة في الداخل للجيشين الروسي والإيراني إلى جانب جيش النظام. نتج عن ذلك، كما في حالات مشابهة، نزيف متصل لقوى الثورة لا يميت المريض، لكنه يمد من أمد الصراع، ويفاقم من حجم الخسائر المترتبة عن الحرب الأهلية. تعني هذه الخصائص، والمؤشرات، وواقع تطور العمليات القتالية ونوعيتها الجارية حاليا، من أن أمد الصراع سيطول. لكن، لا يجب أن نغفل من حساباتنا أي تطور آخر مفاجئ يمكن له أن يحدث. في مثل حالتنا، يلعب عامل التدخل الخارجي دورا مفصليا في ذلك. فمجرد حجب الدعم الخارجي، مثلا، عن أي من طرفي الصراع، يصبح حاسما في إنهاء المعركة لمصلحة الطرف الآخر.
بالمقابل، لا يشكل الذهاب إلى جنيف في حد ذاته عيبا من حيث المبدأ. لكن، على أن يتم ذلك في إطار استراتيجية متكاملة، وواضحة المعالم لدى ممثلية الثورة في الخارج، والقاعدة الثورية في الداخل. استراتيجية تحدد تماما متى يجب أن نفاوض، وأين نفاوض، وعلى ماذا نفاوض. كلنا يعلم أن الذهاب إلى جنيف في هذا الوقت لم يكن خيارنا، بل خيار الذين يدعون صداقة ثورتنا من خارج الوطن، وقد افتتحوا البازار بذلك على مصير بلدنا وشعبنا. استمرار حالة الضياع لدى الائتلاف، وغياب استراتيجية واضحة لديه، يجعله في موقف تفاوضي ضعيف. كما أن انتهاء أو استمرار مؤتمر جنيف دون أن يحقق مكتسبات ملموسة لصالح الثورة، سينسف ما تبقى من مصداقيته لدى مقاتلي الداخل الذين يرفضون أساسا أية عملية سياسية يشارك فيها النظام.
وإذا كان لا بد من التكلم عما يدعوه بعضهم إفقار الثورة، عند تحويلها من نضال شعبي من أجل الحرية إلى اقتتال ديني، يدمر الوحدة الوطنية، دولة ومجتمعا، فالكل مسؤول عن ذلك في الجناح السياسي للثورة، محافظا كان أو ديمقراطيا. كما أنه ليس صحيحا القول أن التيار الديني، هو الأضعف شعبيا ووطنيا، كما يقول البعض الآخر، بل الأقوى لضعف استقطاب التيار الديمقراطي للفقراء، والمساكين الذين يشكلون الخطوط الأمامية للثورة. هنا في هذه النقطة بالذات يمكن القول، أن مسؤولية النظام في ذلك تبدو واضحة، نتيجة عملية التزييف التي قام بها خلال نصف قرن، للشعارات التقدمية، والوطنية، على حد سواء، إضافة إلى النفاق الديني الذي مارسه متملقا مذهب الأكثرية، بهدف كسب الشرعية لنظامه. كما أن انضمام عناصر من بقايا الأحزاب التقدمية إليه في معركته الحالية ضد الشعب، ساعد إلى حد بعيد على أن يفقد الشعب كل ثقة في الديمقراطية العلمانية، بعد أن حولها النظام إلى علمانية مطيفة وعصبوية، لا ينبغي الأسف على تدمير دولتها، وإقامة دولة القانون بدلا عنها.
كل ذلك، يقودنا للقول من أن عجز الثورة عن الانتصار حتى الآن، فتح الباب واسعا أمام تزايد التدخلات الإقليمية والدولية فيها. ومحاولة الغرب استيعاب الثورة والالتفاف حولها، كان دوما واضحا للعيان، بسبب افتقار الثورة إلى قيادات واعية وخبيرة. لكن، ليس عيبا أن تتلقى الثورة مساعدات من الدول الشقيقة أو الصديقة، في صراعها مع نظام يتلقى من الخارج كل الدعم بالمال، والرجال، والسلاح، على أن لا يتم ذلك على حساب ثوابت الثورة. وإذا كان النظام وبعض الأبواق، من يسارية وأخرى قومية في الداخل والخارج، يعيبون على الثورة تلقيها المساعدة من السعودية وقطر، بحجة أنهما رجعيتان وظلاميتان، فالحجة نفسها يمكن إسقاطها على الدعم الذي يتلقاه النظام من إيران، وحزب الله، وحتى من روسيا التي نصبت نفسها مؤخرا حامية لمسيحيي المشرق. ثم أين كان رد فعل النظام التقدمي والقومي، عندما ذهب ليحارب في كفر الباطن، مع السعودية وأمريكا ضد العراق؟ بل أين كان تعففه، وتعفف حزب الله، عندما كانا يتلقيان مساعدات واستثمارات من قطر بمليارات الدولارات؟
كفى نفاقا. لا توجد في السياسة أخلاق ومثل عليا، بل مصالح دول تتقاطع حينا، وتتنابذ أحيانا. لنقل، إن مصلحة السعودية وقطر في مجابهة النفوذ الإيراني في الخليج، وعلى طول المنطقة العربية، تتقاطع مع مصلحة الثورة السورية في مجابهة النظام الأسدي. وإن مصلحة إسرائيل تقاطعت طوال عقود أربعة، مع مصلحة النظام الأسدي، عندما سمح لها باستعمار الجولان، وبمحاربته للثورة الفلسطينية في لبنان، وفي سحق المقاومة الوطنية اللبنانية، في سبعينيات القرن الماضي. وإن مصالح أمريكا وروسيا، تتقاطعان حينا، وتتنابذان أحيانا، في محاولة السيطرة على المارد الذي انطلق من قمقم الربيع العربي، وتدجينه إن أمكن قبل أن تنتشر النار في الهشيم.
الأنظمة والدول، عربية كانت أم أجنبية، تحاول كما هو معلوم إدارة الصراع بانتظار معجزة ما. هي تحاول بذلك تطويق ما انطلق في سوريا من ثورة شعبية يخافون أن تصبح قدوة للشعوب العربية الأخرى ولباقي شعوب المنطقة. كل الأنظمة في منطقتنا “محافظة” كانت أو “متحفظة”، تخاف في قرارة نفسها من الثورة السورية. لكن قاسما مشتركا يجمع فيما بينها هو استبدادها. والثورة السورية هي قبل كل شيء ثورة على الاستبداد. أما “أصدقاء سوريا” من الدول الأجنبية، وعلى رأسهم الولايات المتحدة التي منعت الآخرين من امدادنا بما يكفي لحسم المعركة مع النظام، وحاولوا اقناعنا بعد ان استنزفنا، أن لا حل هناك سوى الحل السياسي، وفرضوا هدنة بحجة فك الحصار عن اهلنا الذين منع عنهم الغذاء والدواء منذ سنين، بينما استمر أصدقاء النظام وحلفائه أثناء الهدنة المزعومة في مده بما يلزم لإفنائنا، فظهروا على حقيقتهم الأبدية. هم لا يريدون أن تنتصر ثورتنا لكي نتحرر من الاستبداد، بل يكمن على رأس أولوياتهم محاربة داعش، كما أعلنها وأصر عليها أوباما، وتسخيرنا إذا أمكن لهم ثوارا ونظاما، كردا وعربا، من أجل ذلك، كما فعلوا على الدوام معنا.
ختاما. لو كان النظام يبغي فعلا الحوار من أجل إيجاد حل سياسي، لقبل بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254، وما قبله من قرارات، بشأن اقرار فترة انتقالية يعقبها وضع دستور جديد، واجراء انتخابات نيابية. لكنه يصر على متابعة ما يتوافق مع طبيعته الاجرامية، من إجراء انتخابات مزيفة كما فعل مؤخرا، والتكلم عن تشكيل حكومة وحدة وطنية في ظل مجرمي الحرب الذين دمروا سوريا وأهلها. من المؤسف والمحزن حقا هنا، ترديد ما قاله أحدهم، من أنه لم يبقى أمامنا سوى الدماء والدموع.
د. صالح درويش
سوريا