Archived: كارنيغي روسيا: روسيا في الشرق الأوسط..أهداف موسكو وأولوياتها ودوافع سياساتها العامة


دمتري ترينين-كارنيغي روسيا: ترجمة مرقاب

يأتي ظهور روسيا كلاعب في الشرق الأوسط بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين بهدف استعادة مكانة روسيا كقوة عظمى بعد انسحاب الاتحاد السوفياتي في عهد الرئيس ميخائيل غورباتشوف من الشرق الأوسط. ويمثل الشرق الأوسط اليوم اختبارا لروسيا في محاولتها للعودة كقوة عظمى إلى المسرح العالمي.
وهناك أهداف أخرى لبوتين من تدخله في سوريا، إضافة لاستعادة روسيا لمكانتها كقوة عظمى، تشمل احتواء التطرف الإسلامي في روسيا وجوارها ودعم الأنظمة والقوى الحليفة في المنطقة وبناء تحالفات جيوسياسية دائمة معها وتأسيس حد أدنى من الوجود العسكري الروسي في المنطقة وحولها وتوسيع حصة روسيا من سوق التسليح والطاقة النووية والنفط والغاز والغذاء في المنطقة وجذب الاستثمارات وخاصة من الدول الغنية في الخليج العربي إلى روسيا ودعم أسعار الطاقة عن طريق تنسيق السياسات الرئيسية للنفط والغاز مع المنتجين في الخليج.
وتشمل الأولويات الحالية لموسكو صياغة اتفاقية سلام في سوريا باﻻشتراك مع الولايات المتحدة وتعزيز العلاقات مع إيران ومصر والعراق والأكراد لإنشاء محور تحالف يمتد من طهران إلى القاهرة، وبناء علاقات براغماتية مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، والبقاء على اتصال وثيق مع إسرائيل.
وهكذا فإن المحرك الرئيسي لسياسات الكرملين في الشرق الأوسط محرك جيوسياسي. كما أن القلق من ناحية الاستقرار الداخلي عامل مهم أيضا حيث يشمل الاتحاد الروسي عدة جمهوريات ذات أغلبية مسلمة كما يمثل المسلمون 12 بالمئة من سكان البلاد. ولا تزال الجماعات المسلحة المتطرفة نشطة في شمال القوقاز وقد تبايع تنظيم الدولة الإسلامية. وتنتشر الإيديولوجية المتطرفة في أنحاء روسيا منذ التسعينات، ويشكل الإرهاب تهديدا مستمرا في جميع أنحاء البلاد.
و يرتكز النشاط الحالي للسياسة الخارجية الروسية على تجربة تاريخية امتدت لأكثر من قرنين من الصراع مع الإمبراطورية العثمانية ومن نشاط الاتحاد السوفييتي في الشرق الأوسط.
في ربع القرن الأخير الذي تلا انتهاء الحرب الباردة، تحولت العلاقة بين روسيا وتركيا من الخصومة والتنافس إلى التعاون والشراكة، ولم يعكر صفو هذه العلاقات الروسية التركية خلال هذه الفترة شيء حتى أسقطت تركيا طائرة حربية روسية على الحدود السورية، ويتوقع أن يستمر هذا التنافر في المستقبل القريب طالما بقي رجب طيب أردوغان رئيسا لتركيا، وفي أحسن الأحوال ستتناقص العلاقات الاقتصادية الثنائية لدرجة كبيرة بسبب الصراع الجيوسياسي بين الطرفين.
أما علاقة روسيا مع إيران فما زالت معقدة، وتاريخيا كان عدم الثقة يسود العلاقة بين الطرفين. إذ تؤيد روسيا تؤيد الولايات المتحدة والغرب فيما يخص برنامج طهران النووي، وتمثل موسكو مورد أسلحة رئيسيا لإيران، ومع ذلك تم إلغاء تسليم نظام دفاع جوي باتفاق مع واشنطن وبضغط من إسرائيل مما أدى لاستياء طهران. من جهة أخرى لا تعتبر روسيا حزب الله أو حركة حماس منظمات إرهابية، والأهداف التي تضعها موسكو لنفسها وسبل الوصول إليها لا تتوافق تماما مع أهداف طهران طهران.
أما العلاقة مع السعودية فهي مزاجية. ولم يكن هناك علاقات دبلوماسية بين البلدين أثناء الحرب الباردة، وخلال تدخل الاتحاد السوفياتي في أفغانستان دعمت السعودية مجموعات المجاهدين. وتشعر روسيا بالقلق إزاء نشر السعودية للأيديولوجية الوهابية الراديكالية. كما يتنافس السعوديون والروس في سوق النفط أيضاً. ويلقي بعض الروس اللوم على السعودية لمساهمتها في سقوط الاتحاد السوفياتي نتيجة خفض أسعار النفط في منتصف الثمانينات.
وقد أظهر الطرفان درجة من الواقعية عند التعامل مع الخلافات بينهما والاستفادة من نقاط الاتفاق، مثل دعم حكومة عبد الفتاح السيسي في مصر والرغبة في استقرار ورفع أسعار النفط. بالنسبة للسعودية يمثل الاتصال بروسيا جزء من توجهها للتقليل من الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة. لكن من المستبعد أن يتقارب البلدان تقارباً وثيقاً وتلعب إيران دورا يحد من هذا التقارب.
أما مصر فقد مثلت منذ منتصف الخمسينات وحتى عام 1972 الدعامة الرئيسية للاتحاد السوفييتي في الشرق الأوسط. وتحسنت علاقة البلدين بعد وصول السيسي إلى السلطة.
تمثل سوريا البلد العربي الوحيد الذي حظي بعلاقات ودية مستمرة مع موسكو منذ الخمسينات. وفي التسعينات من القرن الماضي فترت العلاقة بين سوريا وروسيا ولكنها بقيت ودية. ومع احتدام الصراع في سوريا منذ 2011، أصبحت نوعية العلاقة الثنائية بينهما مختلفة كلياً. فموسكو تدعم أولاً الرئيس بشار الأسد ضد تأثيرات الربيع العربي وضد دعم الولايات المتحدة للتحول الديمقراطي، وتدعم ثانياً دور مجلس الأمن باعتباره الجهة الدولية الوحيدة المخولة بالتفويض باستخدام القوة. وهكذا يأتي التدخل في سوريا ضمن نطاق أكبر هو تشكيل البلدان الممتدة من الخليج العربي وبحر قزوين إلى البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر محوراً جديد من الأصدقاء لروسيا في المنطقة. ويشكل العراق إحدى هذه الدول في حكومته التي يسيطر عليها الشيعة في بغداد وكذلك الأكراد الذين يحاربون للوصول إلى الحكم الذاتي.
وأما بالنسبة لإسرائيل فخمس مواطني إسرائيل يتحدثون الروسية. ويعد الرئيس بوتين أكثر الرؤساء صداقة لإسرائيل في تاريخ روسيا، ويتشارك البلدان وجهات النظر بخصوص الربيع العربي كما يشتركان في رؤية العلاقات الدولية من منظور الواقعية السياسية.
لكن ليس لروسيا حلفاء دائمين في الشرق الأوسط، كما هو تحالف إسرائيل مع الولايات المتحدة. فجميع تحالفات موسكو ظرفية وشرطية، ولا ترغب روسيا بتكرار خطأ الانحياز التام لطرف واحد في الصراع، ولهذا فهي تناور باستمرار، وتدخل في المفاضلات عند الضرورة.
على مدى السنوات الخمس الماضية واجهت السياسة الخارجية الروسية فرصا وتحديات جديدة في الشرق الأوسط، وكان رد فعل الكرملين اعتماد مقاربة أكثر فاعلية بكثير في المنطقة عما كانت عليه منذ نهاية الحرب الباردة. وتقدم موسكو نفسها كلاعب واقعي يمكن الاعتماد عليه وكشريك موثوق به. وحتى تاريخ إسقاط الطائرة الروسية، قدمت روسيا نفسها كبلد كان على اتصال وثيق مع الجميع في المنطقة، أما حاليا فتركيا هي الاستثناء الوحيد. وقد رفعت العملية العسكرية الروسية في سوريا مكانة روسيا الإقليمية إلى درجة كبيرة. واعتمدت موسكو استراتيجية منطقية لكنها محفوفة بالمخاطر. فأولاً، دعمت الأسد بمساعدته على صد أعدائه من غير تنظيم الدولة الإسلامية، وثانيا، وعندما نجحت بإضعاف هذه القوى بما فيه الكفاية، وافقت على اتفاق وقف إطلاق نار والمفاوضات، وثالثا، شاركت كلاعب مؤثر في عملية السلام في سوريا، ورابعا، وضعت الأسس لتشكيل ائتلاف واسع يضم روسيا والولايات المتحدة وأوروبا وبلداناً إقليمية – بما في ذلك إيران والعراق وسوريا – لمحاربة وهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية.
وقد كان من إنجازات روسيا الهامة قبل الإعلان عن انسحابها من سوريا أداء قواتها الذي بدا أفضل مما كان متوقعا بكثير والخروج بأدنى حد ممكن من الخسائر في المعركة، وقد تجنبت مستنقع أفغانستان، ورفضت الانجرار إلى صف الشيعة ضد السنة. وعززت علاقاتها مع الأكراد، واستمرت بمغازلة نظام الحكم في مصر، وتمكنت من إجراء محادثات بشروط مع السعوديين والقطريين، وكانت الخسارة الوحيدة هي العلاقة مع تركيا، إضافة لحادثة إسقاط طائرة الركاب الروسية. وفي داخل روسيا تم إحباط مساعي المجموعات المتحالفة مع تنظيم الدولة.
وفيما يخص العلاقات مع أمريكا، يرى الكرملين أن سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، منذ إدارة الرئيس السابق جورج بوش وحتى اليوم، سياسات مضللة وفاشلة بالمطلق. ويلوم المسؤولون الروس الولايات المتحدة على تبني قرارات تتسم بالسذاجة والتناقض، كدعم الإخوان المسلمين في مصر بعد تخليها عن مبارك وتشجيعها للربيع العربي وتدخلها في العراق وليبيا.
ولا ترى موسكو تراجع الرئيس باراك أوباما عن توجيه ضربات عسكرية لسوريا في سوريا كدليل ضعف، وإنما كدليل على إدراك أوباما لمحدودية القوة الأمريكية في المنطقة. بالمقابل حصلت موسكو على موافقة دمشق على نزع الأسلحة الكيميائية. وعلى الرغم من الأزمة الأوكرانية، واصلت التعاون مع واشنطن من أجل التوصل إلى الاتفاق النووي مع طهران في عام 2015.
وتنظر موسكو اليوم إلى رعايتها المشتركة مع واشنطن لعملية السلام السورية على أنها تطور إيجابي كبير في سبيل الوصول للسلام في سوريا والمنطقة، وللارتقاء بمكانة روسيا عالميا. ويتمثل أحد الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية الروسية في التدخل العسكري للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية جنبا إلى جنب مع روسيا في تحالف عالمي ضد الإرهاب يشبه التحاف ضد هتلر فيما مضى.
عموماً يرى الروس أن الولايات المتحدة تركز إلى حد كبير على الحفاظ على هيمنتها العالمية، في ضوء تحدي الآخرين لها في ذلك. ويلاحظ الروس بأن المشاكل الداخلية تخلق معضلة كبيرة لصناع القرار في الولايات المتحدة. وروسيا بالطبع تتنافس مع الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، لكنها لا تسعى لتحل محل الولايات المتحدة، على سبيل المثال، كحليف لإسرائيل أو دول الخليج، سواء بسبب قلة الموارد وبسبب عدم وجود أطماع لها بأن تكون الدولة الأقوى عالميا.
فلدى روسيا إمكانيات اقتصادية محدودة وخصوصا في ظل أزمتها الاقتصادية الحالية، لكنها قادرة على تحمل عبء العمليات العسكرية والدعم الدبلوماسي الذي تقدمه للحكومات. وعندما يحل السلام أخيرا في سوريا، ستعرض خدماتها لإعادة إعمار الأراضي التي دمرتها الحرب.
لكن على موسكو أن تكون حريصة اقتصادياً في التزامات سياساتها الخارجية، فإذا ما فشلت الجهود الدبلوماسية لإيجاد حل في سوريا فسوف يترتب على ذلك تكاليف إضافية، فمن الصعب على موسكو تحمل ترك الأسد لمصيره. بل ستسعى بالتأكيد لأن تظل سوريا حليفة بغض النظر عمن سيحل مكان النظام الحاكم بدمشق، وأن تبقى سوريا مستعدة لاستضافة القوات البحرية والجوية الروسية في أراضيها وسيترتب على روسيا من أجل ذلك تعاونا على نحو وثيق مع إيران، وسوف توازن روسيا بين بغداد والحكم الذاتي للأكراد في الشمال. وستواصل اتباع نهج أكثر حذراً في أي شيء يمس المصالح الإسرائيلية. وفي شأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ستحافظ موسكو على دورها غير المنحاز في الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، الأمم المتحدة، أوروبا، روسيا)، تاركة للولايات المتحدة مسؤولية القوة العظمى الأولى التي لا تحسد عليها.
وختاماً، من السابق لأوانه استخلاص الدروس المستفادة من تدخل روسيا في الأزمة السورية، والتي يمكن أن تؤول إلى  نجاح باهر أو فشل ذريع، وهذه بعض الدروس التي يمكن أن يكون الكرملين قد تعلمها في سوريا: