on
Archived: مترجم: حلفاء موسكو يطعنونها في الظهر من دمشق إلى يريفان
فلاديسلاف ينوزيمتسيف – موقع «غازيتا» الروسي: ترجمة صحيفة الحياة
في الأيام الأخيرة، وقعت سلسلة أحداث تحمل على الشك في صواب قرارات القيادة الروسية السياسية. والحدث الأكثر دلالة هو إخفاق اجتماع وزراء النفط والطاقة (وهو جمع ممثلي 18 دولة، 11 منها من منظمة أوبك، وروسيا والمكسيك وكازاخستان والبحرين وأذربيجان وكولومبيا وسلطنة عمان) في الدوحة. وأُرجئ الاجتماع الذي عقد في الدوحة أكثر من مرة. فإيران – وهي حليفة روسيا الرئيسية في المنطقة – ليست مستعدة للتكيف مع مطالب الشركاء. وهذا (النازع إلى رفض مطالب الشركاء) ما دار عليه كلام الغرب، ولكن موسكو لم تقم له حساباً.
وأرى أن الإخفاق الروسي في الدوحة هو سمة من سمات سياسة السلطات الروسية: المبالغة في تقدير نفوذها وامتثال الشركاء لها. وكانت نتيجة اجتماع الدوحة لتكون مختلفة ربما لو دعمت طهران مطالب موسكو. ولكن، يبدو أن روسيا عاجزة عن إقناع أولئك الذين وضعت من أجلهم سمعتها الدوليّة على المحك، حين دافعت عن رفع العقوبات عن الجمهورية الإسلامية ودعمتها في مواجهة الغرب.
وفي سورية، نظمت سلطات الأسد في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها «انتخابات برلمانية»، وحصد حزب «البعث» الحاكم حوالى 80 في المئة من المقاعد، وأُعلن أنّ الجيش النظامي سيبدأ قريباً اقتحام حلب بدعم القوات الجوية الروسية. وتسعى موسكو وواشنطن الى حلّ دائم للأزمة السورية، من طريق التزام قرار مجلس الأمن 2254 الذي ينص على إجراء الانتخابات بعد الاتفاق على دستور جديد للبلاد وتشكيل «سلطة انتقالية»، أي ليس قبل 2017. ولكن من الواضح أن حليف موسكو يخرج عن سيطرتها ويلعب بشروطه الخاصة. وسعى القادة الروس، طوال أشهر، الى معالجة الوضع في سورية من أجل إثبات أهمية روسيا للغرب وليس من أجل إبقاء الأسد في السلطة. وعلى رغم الدعم الروسي للأسد، يبدو أن الكرملين غير قادر على إرغامه على مراعاة مصالح روسيا.
والمؤشر الثالث الى الضعف الروسي هو حوادث ناغورنو قره باخ، حيث اندلعت اشتباكات، بعد أيام على وقف إطلاق النار الهش الذي أبرم بمشاركة روسيا. وأرى أن هذه المشكلة هي الأكثر دراماتيكية. فموسكو كانت طوال سنوات الضامن الأكثر خبرة ووزناً للسلام الهش في النزاع بين أرمينيا وأذربيجان، في إطار مجموعة مينسك للوساطة. ولكن في الآونة الأخيرة، سعى الكرملين الى المستحيل: من جهة، توسيع سوق الأسلحة والمعدات العسكرية في أذربيجان – وهي اليوم واحدة من الدول الأكثر عسكرة (بلغ الإنفاق العسكري العام الماضي 4.8 في المئة من الناتج المحلي)؛ وإبقاء، من جهة أخرى، أرمينيا في دائرة نفوذه. وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بعملية «ليّ ذراع» يريفان في 2013، حين اضطرت هذه الى رفض توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، والانضواء «على عجلة» في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. فصارت روسيا في وضع بالغ العسر: فهي تحتاج، من جهة، الى دعم شريكها الاستراتيجي، ومن جهة أخرى، الى عدم الدخول بنزاع مع باكو، على الأقل بسبب مشاركة أذربيجان في المحادثات الدولية حول النفط. ولا يصب تفاقم الوضع الحالي في القوقاز في مصلحة موسكو، ولكنها مسؤولة عما آلت إليه الأمور. فهي مدت أذربيجان بالسلاح، ودخلت في مواجهة حادة مع تركيا، وهذه تدعم باكو في النزاع. وروسيا مضطرة الى دعم أرمينيا، التي تعتبر رسمياً الدولة المعتدية (وحدة أراضي أذربيجان موثقة في جميع الاتفاقات الممكنة، بينما لا يوجد أي وضع قانوني لإقليم ناغورنو قره باخ). وإذا لم يسيطر على الصراع في مرحلة مبكرة، تقوضت هيبة موسكو في فضاء الاتحاد السوفياتي السابق. وإذا نشرت الدول الغربية قوات حفظ السلام، فإن «الضرر المعنوي» سيكون أكبر. المشكلة اليوم أنّ روسيا ليس لديها الموارد، ولا الكوادر للانخراط في تسوية مشاكل القوقاز. فالكرملين لا يزال مشغولاً بأوكرانيا وسورية والعلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة.
والجامع بين هذه الحوادث هو التصورات الخاطئة للنهج السياسي الروسي. فموسكو ترى أنها «القوة العظمى الوحيدة» القادرة على حلّ أي مشكلة من دون مساعدة الآخرين. وإذا عدنا إلى المحادثات في قطر، فالسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم تحاول روسيا دعوة آخرين وليس فحسب الدول المنتجة للنفط «التقليدية»؟ لماذا لم تدعُ كندا، أو الصين والبرازيل والهند – الشركاء الأحباء في «بريكس»؟ فالدول المجتمعة في الدوحة تستحوذ على 48.6 في المئة من الإنتاج العالمي للنفط فحسب.
وألم يكن من الأفضل تكثيف الاتصالات مع الولايات المتحدة والمعارضة السورية، وتوضيح الموقف الروسي للأسد لتكون سورية الدليل على دور روسيا المحوري، وأنّ «من دونها «لا يمكن حلّ الصراعات الدولية الكبرى»، كما يقول وزير الخارجية الألماني؟ ألا تدرك موسكو أن تسليح أذربيجان المتواصل، سيؤدي الى حرب، حالما تفقد روسيا نفوذها في الدول المجاورة، وهذا يؤثر سلباً في حليفتنا أرمينيا؟
ويبدو أن إدراك موسكو أن الوضع العالمي الاقتصادي والسياسي يقتضي العمل الجماعي، والبراعة في فن التسوية. وعلينا الإقرار بأن «الشركاء الأعزاء»، على الدوام مستعدون لطعن روسيا في الظهر.
* محلل سياسي- اقتصادي