on
Archived: باسل الحاج جاسم : المنطقة الآمنة لا توقف الحرب لكنها ستجبر بشار الأسد على تفاوض جدي
باسل الحاج جاسم :الحياة
رفض الرئيس الأميركي باراك أوباما إقامة منطقة آمنة في سورية منذ بداية المطالبة بها قبل سنوات، وما زال يتفادى ذلك خلال عامه الأخير في منصب الرئاسة ويعتبر أن أخطاراً تتضمنها، وتتطلب وجود قوات على الأرض وحماية من الجو.
وبحسب مراقبين، فإنه حتى لو وفّرت تركيا غالبية القوات البرية لهذه المنطقة فإنها ستطالب بمشاركة أميركية، على الأقل بغطاء جوي، وأن ذلك قد يزيد من احتمالات اشتباك بين المقاتلات الروسية والأميركية.
أعادت المستشارة الألمانية، أنغيلا مركل، إلى الأضواء موضوع المنطقة الآمنة، خلال زيارتها قبل أيام مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا، وهي المرة الثانية خلال أقل من شهرين، تؤيد فيها مركل إقامة منطقة آمنة في سورية، بعد أن أعربت في شباط (فبراير) الماضي، عن تأييدها إقامة منطقة حظر طيران في سورية، حيث يمكن توفير مكان آمن لاحتضان اللاجئين، وقالت: «إن الغارات الروسية حول حلب تتسبب في تعقيد كل شيء أكثر وأكثر»، متفهمة موقف الحكومة التركية، وتابعت أنه «في وسعي أن أتفهم تماماً انتقاد السياسيين الأتراك لنا، لعدم قدرتنا على توضيح سبب عدم استقبال لاجئين في أوروبا، بينما نحضهم، في الوقت نفسه، على إبقاء الحدود التركية مفتوحةً أمام مزيد من اللاجئين السوريين».
لم تكن مطالبة أنقرة بإقامة منطقة آمنة منذ وقت مبكر من عمر الثورة السورية مبادرة تركية ذاتية، فقد طالب بها الثوار السوريون في «جمعة الحظر الجوي»، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2011، وفي كانون الثاني (يناير) 2012 في «جمعة المنطقة العازلة»، وتحول موضوع المنطقة الآمنة إلى موضوع إقليمي في الشمال من الجانب التركي، وفي الجنوب من الجانب الأردني، بعد تدفق مئات الآلاف من اللاجئين السوريين الفارين من قصف طيران الأسد إلى حدود الدولتين الجارتين.
وضعت أنقرة موضوع المنطقة الآمنة عام 2014 ضمن شروطها للمشاركة في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وهدفها توفير مكان آمن للاجئين السوريين الهاربين من القصف الهمجي، وبراميل الأسد المتفجرة، حتى عودتهم إلى أراضيهم، الأمر الذي من شأنه أن يخفف من تدفق المزيد من اللاجئين إلى تركيا، ويقلص من ثقلهم عن كاهل دول الجوار التي باتت عاجزةً عن استيعاب مئات آلاف اللاجئين.
واللافت أن واشنطن، وليس موسكو من أعاق إنشاء المنطقة الآمنة، وتحت حجج عدة، ولفت الناطق باسم الخارجية الأميركية، مارك تونر، آنذاك، إلى تحديات لوجستية تتعلق بإقامة مثل هذه المنطقة على الحدود التركية أو الأردنية، مثل طريقة حمايتها عسكرياً، فضلاً عن الكلفة المادية ومستويات المشاركة التي قد توفرها دول التحالف، حال الشروع في إقامتها.
وبعد التداول الإعلامي الذي خلط بين منطقتين، عازلة وآمنة، أوضح رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، الموقف التركي قائلاً: «مطالبة أنقرة بإقامة منطقة آمنة في سورية هي ليست لحماية تركيا، بل لحماية المدنيين السوريين الفارين من قصف الطائرات، وصواريخ سكود، والبراميل المتفجرة، والأسلحة الكيماوية، داعياً إلى عدم الخلط بين المنطقة الآمنة التي تدعو إليها تركيا، والمنطقة العازلة العسكرية التي لم تطالب بها تركيا أبداً». وأشار أوغلو إلى أن بلاده عرضت هذا الأمر عام 2011، ولو أنه تم تطبيق هذه المنطقة وقتها لما تحول هذا العدد من السوريين إلى لاجئين».
وفي السياق نفسه، سبق وأرسلت وزارة الخارجية التركية رسائل إلى النظام السوري، عبر إيران وروسيا، تخبره فيها أن تشكيل المنطقة الآمنة يمنع تقسيم سورية. والمنطقة الآمنة تُفرض لحماية مجموعةٍ، لا تستطيع حماية نفسها، ويتم فرضها بمقتضى قرار من مجلس الأمن، كما يتم تكليف دولة أو اثنتين بتنفيذ هذا القرار بالقوة، ويمنع تحليق أي طائرات عسكرية حول هذا المكان، لعدم تعرّض السكان في هذا المكان للخطر.
وتحاول تركيا التي تستضيف أكثر من 2.6 مليون لاجئ سوري، إبقاء أحدث موجة للاجئين على الجانب السوري من الحدود، لأسباب عدة، منها الضغط على روسيا، لوقف دعمها قوات الأسد قرب مدينة حلب، وهو ما ينذر بتدفق مئات آلاف اللاجئين إلى حدودها.
وعدم إدخال تركيا السوريين الفارين من قصف الروس ونظام الأسد، يظهرها، للوهلة الأولى، متعارضة بشكل فج مع مصلحة الهاربين إلى الحدود، ويعيشون أوضاعاً غاية في البؤس ولكن، على المدى البعيد في مصلحة سورية دولة واحدة، وفي مصلحة مكونها الأساسي.
واستمرار دخول اللاجئين إلى تركيا بطاقة خضراء لإفراغ المناطق المعارضة من سكانها، وتهجير مزيد من السوريين المعارضين، وإعطاء الأسد الفرصة لمتابعة التغيير الديموغرافي الذي يسهم القصف الروسي بتنفيذه، ليس فقط في تهجير المكون الأساسي في سورية، وإنما كذلك عندما لجأت روسيا إلى دعم حزب صالح مسلم، الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني، المصنف إرهابياً في تركيا وحلف الـ «ناتو»، وذلك لإضعاف الدور التركي في سورية، وجعل الحزب يسيطر على الشريط الحدودي مع تركيا، استكمالاً لمشروعها ومشروعه، ولإثارة الاضطرابات داخل تركيا كنوع من أنواع الانتقام، بسبب إسقاط تركيا طائرتها أواخر تشرين الثاني الماضي.
ويقول مسؤول تركي: «حتى لا يكرّر الشعب السوري ما حصل مع شقيقه الفلسطيني، يجب ألا تصبح العودة حلماً، وعلى دول العالم أن تجبر القاتل على التوقف عن قتل السوريين، بذلك فقط تنتهي المعاناة، بدل المطالبة بفتح دول الجوار السوري حدودها».
يبقى القول، إن إقامة المنطقة الآمنة، قد لا توقف الحرب في سورية، لكنها ستبعد تنظيم الدولة الإسلامية، والميليشيات الانفصالية الإرهابية عن المناطق الحدودية مع تركيا، وستجبر نظام الأسد في دمشق على الدخول في محادثات سلام جادة.