on
Archived: د. صالح دويش: جبروت التخلف
د. صالح دويش: كلنا شركاء
التخلف ضعف. هو، وهن وانكفاء على النفس نحو الخلف، يصيب مجتمعا ما على درب التقدم والازدهار. هناك أسباب لمجتمع ما سبق وتخلف لن نخوض هنا حولها. وهناك أيضا “ضريبة التخلف” التي على مجتمع ما أن يسددها عندما يتأخر عن ركب الحضارة، فيبذل الجهد والعناء لردم هوة تخلفه.
لكن كيف أن يكون للتخلف من جبروت أيضا؟
نعم . يحدث ذلك عندما يحاول شعب مسكين أو مجتمع مستضعف الانفلات من حلقة التخلف الشيطانية، فيعيقه في ذلك نظام متخلف، أو دولة متخلفة، يرأسها مستبد، يقتل، ويدمر، ويظلم، لكي لا يتجاوز الشعب سن رشده، مدافعا عن كرامته، ليحقق ذاته بنيله لحريته. يكون الحاكم جبارا أو يصبح جبارا حتى في الدول الأكثر تقدما. نابوليون وهتلر كانا من الجبابرة. حاولا استعباد شعوب أخرى. ظلما، وقتلا، ودمرا أوابد من تجرأ على الوقوف في طريقهما، موهمين شعبيهما بأنهما في منزلة “شعب الله المختار”. كذلك، فعل ستالين وماوتستنغ، عندما أرسلا بالملايين من البشر إلى معسكرات الاعتقال، وكوقود للحرب الأهلية، بهدف اللحاق بركب الحضارة. غابت بعدها الستالينية والماوية في بطن التاريخ. لكن روسيا والصين الشعبية أصبحتا عضويتين في منتدى الدول العالمية، وإن استمرت شعوبهما حتى غايته نصف متخلفة.
أما جبروت التخلف في الوطن العربي بشكل عام، وفي سوريا بشكل خاص، فيكمن في نظام مستبد ومتخلف يقوم بترسيخ التخلف في وطنه، عندما يقوم بتدمير كل ما سبق وبناه أبناء هذا الوطن للتغلب على تخلفهم. يحدث ذلك في ظل، وتحت قيادة رئيس يظلم، ويقتل، ويدمر، حتى الثمالة. يريد أن يحكم إلى الأبد، حتى ولو لم يبق نافخ نار واحد في البلد، وحجر فوق حجر. ليس دفاعا أمام عدو خارجي، أو من أجل تحقيق فكرة مفيدة، أو خدمة لقضية، أو حتى لرغبة، يعتقد هو على الأقل بصوابها. بل، لينتهي إلى الدوران في حلقة مفرغة من العدمية المطلقة. ربما سعيا وراء نشوة، أو لتحقيق نزوة ما، في صحراء التيه:
بعد عقد ونيف من الحكم، يشعر رأس النظام بأنه لم يعد قادرا بعد الذي حدث، على تحقيق أي اختراق في جبهة التطور السياسي، والاجتماعي، للبلد. سوى، أن يسعى جاهدا للاحتفاظ بآخر مظاهر حكم ورثه عن الآباء، كما يعتقد. ألا، وهو التشبث بالمظاهر الخارجية على الأقل، لسلطة التسلط التي تحولت في نظره إلى هدف يتيم يبرر ما يقوم به جاهدا من أعمال، وحتى للموت من أجله. هو، عندما يستجدي الدعم، والعطف، فمن الغريب عن البلد أولا، وليس انطلاقا من أقرب المقربين له، بدءا من عائلته، أو طائفته، مرورا بأركان دولته، وباقي مكونات شعبه الذين يشك في ولائهم كلهم له. هو مستعد أن يتجاوز كل غضب، وألم، وثورة هذا الشعب، بأمل أن يتمكن في يوم من الأيام من احتوائه، وإعادته إلى بيت طاعته. بل هو في نهاية الأمر، ليس بحاجة لهذا الشعب المتمرد الذي يضم بين صفوفه “…عشرات الآلاف من الإرهابيين السوريين، خلفهم حاضنة شعبية بالملايين…”. قال ذلك، في خطاب له بتاريخ 29 نيسان عام 2014. بل، ذهب عام 2015 للقول من خلال لقائه مع رؤساء وأعضاء المنظمات الشعبية، من أنه ليس هناك من حلول وسط، ومن أن “سوريا لمن يدافع عنها أيا كانت جنسيته”.
لا مبالغة عند ذلك من القول، من إن المنطلقات النظرية والعملية الحالية لرأس النظام، لا تعكس فقط جبروت التخلف لدى صاحبها. بل، بلغت قمة التوحش، تجاه شعب أصبح من يحكمه يضن عليه حتى في العيش على أرض سكنها منذ الأزل، أو حتى على مجرد البقاء على قيد الحياة. هذا التصهين في الفكر، أصبح يتخطى مثيله في فلسطين المحتلة بل يفوقه تطرفا. إذ هو لم يأت مع المستعمرين من الخارج، بل ينادي به أحد أبناء البلد نفسها، في دعوة صريحة لاستقدام الاستيطان الخارجي إلى سوريا، إذا وفر ذلك فرصة ما لإنقاذ سلطة الحاكم، واستمرار بقائه على عرش السلطنة، ولو على كومة من الأشلاء والأنقاض.
يبرر رأس النظام قمعه الوحشي للثورة الحاصلة في سوريا، بأنه يفعل ذلك من أجل المصلحة العامة التي تتطلب محاربة “الإرهابيين”، وليس لأن في ذلك ترجمة صريحة لرغباته الخاصة، ورغبات من يقف معه، ورؤيته المتخلفة في كيف يجب أن تدار شؤون الدولة للخروج من الأزمة. هو يغرق في قراءة تفاصيل ما حدث ويحدث في تقارير أجهزة مخابراته، ليخلص إلى تقدير خاطئ لتوقعات ما سيحدث. فقد فاته، من أن عجلة الزمان بالنسبة له سبق ودارت دورة كاملة، ولن تعود إلى الوراء.
ذكر بهذا الشأن مؤخرا، من أنه قتل خلال الثلاثين شهرا الأولى من الحرب الأهلية ما لا يقل عن 11420 طفلا في سوريا. منهم 70% قتلوا بفعل القصف الجوي والبري. و25% منهم، قضوا بنيران الأسلحة الفردية. أما ال 5% الباقون فجرت تصفيتهم، إما إعداما، أو قنصا، في الأزقة والحارات، كما يفعلون مع القطط والكلاب الشاردة. ناهيك، عن أن عدد الجرحى والمعاقين من الأطفال، يفوق عددهم أضعاف أضعاف ذلك. إضافة إلى عشرات الآلاف من اليتامى، ومن الذين ولدوا في الشتات بدون هوية. كما ذكرت دوائر الأمم المتحدة المختصة، من أن أكثر من نصف مليون إنسان يحاصرهم النظام ويتركهم يموتون جوعا ومرضا بدون دواء. ومن أن ما لا يقل عن ستين ألف معتقل قضوا داخل أجهزة النظام الأمنية، إما نتيجة التعذيب الجسدي المباشر، أو نتيجة حرمانهم من الطعام والدواء.
كيف يمكن لبشر أن يمعنوا في وحشيتهم إلى هذا الحد؟ بل، كيف يمكن لرأس النظام ولجلاوزته، أن ينظروا في أعين أطفالهم، بعد أن أطفأوا النور في باقي أعين أطفال سوريا؟ ربما، يكمن الجواب على هذا التساؤل، من أن من يقوم بذلك، لا بد أنه هبط إلى الحضيض، بل تجاوزه في تغييب لمشاعره الإنسانية تجاه الآخرين. هؤلاء، اختزلوا إنسانية البشر الذين يقاومونهم إلى مرتبة الأضاحي من الأنعام الذين يضحى بهم في الأعياد. حتى أصبح من الطبيعي عندهم، بل ومن المنطقي، والمعقول لديهم، أن يغتالوا، ويعذبوا ثم يقتلوا ببرود مرضي، ووحشي، ليس فقط خصومهم. بل، أيضا أولاد، وفروع، وأصول هؤلاء. حتى الرضع منهم، دون أن يرف لهم جفن.
هل بعد كل ما حدث، من أمل في حل سياسي؟
كلنا يتوق إلى وقف إهراق الأرواح والدماء. لكن، هل لِ مختزلي الأنسنة، أن يتخلوا عن جبروت تخلفهم؟ يمكن القول دون هامش واسع من الخطأ في التحليل، إلى أن رأس النظام مستعد للمناورة التكتيكية في مجال الحل السياسي إلى حد ليس بالقليل. لكن، تمنعه تركيبته النفسية، من أن يسمح بتجاوز خط أحمر سبق وحدده لنفسه. هنا، يخطئ كل من يعتقد بأن رأس النظام سيتراجع في هذا الأمر، تحت ضغط من صديق، بعيد أو قريب، أو لتأنيب في الضمير، فيضحي بالكرسي الذي يتربع عليه.
كيف إذن لأي عملية سياسية أن تتم؟ وهل يمكن أن تتم بشكل آمن مع الحفاظ على تماسك مؤسستي الجيش والأمن القمعيتين، كما يتمنى ما يدعى بأصدقاء سوريا من عرب وعجم، وإن لأسباب مختلفة؟
كان ضباط وعناصر هاتين المؤسستين سادة في تقرير حياة أو موت أبناء بلدهم التعساء. ليس فقط بسبب التزامهم بقواعد الانضباط العسكري، أو عدمه، أو لأن بعضهم التزم بحتمية مجتمعية ما، كانتمائهم إلى طائفة معينة، بل لأنهم ألزموا أنفسهم بمحض اختيارهم، وتبنوا طواعية، حرب رأس النظام ضد شرائح واسعة من الشعب السوري، لكي لا نقول ضد الشعب كله. لكن، هناك من يعتقد بإمكانية ما يدعى بحل توافقي، يمر عبر إزاحة رأس النظام بالتدريج إثر فترة انتقالية، أي بدون مساءلة، أو من خلال إزاحته منذ بدء العملية الانتقالية، مع إمكانية الاحتفاظ عندها، بنواة على الأقل من المؤسستين تكفل لاحقا عدم انهيار الدولة كلية، حسب اعتقادهم. يبررون ذلك، بما جرى في العراق، عندما ألغى المحتل الأميركي هاتين المؤسستين هناك، وما نتج عن ذلك من فوضى عارمة ما زالت مستمرة حتى الآن.
لكن، هناك فارق جوهري بين الحالتين: في العراق، جرى تحت شعار “اجتثاث البعث”، اقتلاع سيطرة “الأقلية” السنية على المؤسستين، والاستعاضة عن ذلك بترسيخ هيمنة المكون الشيعي عليهما، أي هيمنة “الأكثرية” الطائفية في البلد. هذا ما يخاف منه النظام في سوريا، ومعه “الأقليات” الأخرى. يخافون من أن ينتج عن الحل السياسي، محاصصة ما على أساس طائفي تنتهي بسيطرة أبناء “الأكثرية”، وإمكانية المساءلة لاحقا عن الجرائم التي ارتكبها النظام قبل غيره من الأطراف الأخرى إبان الحرب الأهلية. لذلك، يريد النظام “ضمانات” بأن لا يحدث هذا. من أجل ذلك، يبتز النظام الشعب عن طريق استمرار الضغط عليه بمزيد من التوحش، والقتل والتدمير إلى ما شاء الله، طالما بقي في امكانه الاعتماد على استمرار الدعم الإيراني والروسي له.
خلاصة القول، من أنه في الحالة العراقية، عمل تدخل الدول الأجنبية، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، على تقويض الدولة العراقية، وأعادت أمريكا تشكيل أجهزتها من جديد. أما في الحالة السورية، فيعمل الأجنبي وفي المقدمة روسيا وإيران، على استمرار دولة النظام وأجهزتها في قمع الشعب السوري التي حكمته بالحديد والنار منذ نصف قرن وحتى الآن. والحالة كذلك، فلا حل سياسي في سوريا، في مرحلة أولى، دون تدخل مباشر من قوات دولية تحمي المدنيين، وتحجز بين المتقاتلين، ولا تشترك في تدمير ما بقي من سوريا كما تفعل روسيا حاليا. أما الحل الأمثل، فكما سبق ورآه ابن خلدون قبل سبعة من القرون، عندما قال، إنه لا تغير جذري في العمران، أي في دولة ونظامها، إلا بتبدل الأحوال جملة وتفصيلا دفعة واحدة، وبأن تحل نخبة سياسية جديدة بدل القديمة، وتسيطر على مؤسسات الدولة، لتؤسس لدولة بوجه جديد كلية.
رحم الله ابن خلدون، ورحمنا معه.
د. صالح درويش
سوريا