Archived: د. معتز محمد زين:إدمان

د. معتز محمد زين: كلنا شركاء

أعرفه جيداً .. طبيب طموح .. أحب الجراحة وأعطاها الكثير من وقته وعمره .. منذ بداية الثورة السورية اتخذ القرار الصعب .. سأبقى .. وسأكرس نفسي ومهنتي وخبرتي لخدمة المستضعفين من أبناء بلدي .. أمامه – كما معظم الأطباء – العديد من الخيارات والفرص ، كأن يهاجر أو يغادر إلى تركيا أو ينتقل للعمل في مناطق سيطرة النظام المجرم .. لكن أخلاقه ومخزونه الديني والثقافي وندرة الخدمات الطبية في مناطق سيطرة الثوار كانت حاجزا أمام إقدامه نحو أي من تلك  الخيارات .. ليس من السهل في سوريا أن تتخذ مثل هذا القرار .. إنه قرار بمواجهة الموت .. وربما تحديه ..

سنوات مرت والمشفى الميداني يستهلك معظم أوقاته .. ليله ونهاره ، صلاته وطعامه ورسائله ونومه وعلاقاته ، عملياته ومناوباته ، دموعه وضحكاته .. كلها تتحرك في المكان ذاته .. هو سجن اختياري أحب قضبانه واعتاد رائحته .. على جدرانه يكتب سيرته الذاتية في هذه الحياة .. قال لي يوما : أشعر أنني أدمنت الحروب والجهاد ..

خرج في إجازة قصيرة لزيارة أهله في تركيا ، وبسبب مشاكل المعابر الحدودية الطارئة مُنع من العودة .. همس البعض في أذنه .. لا بأس تخلصت من سجنك هناك .. أنت اليوم حر .. .. أنا حر ؟؟؟ كيف يمكن لعاشق أبعد عن محبوبته التي اختلط حبها بدمه وسكن شغاف قلبه أن يشعر بطعم الحرية .. إنه أول الطريق نحو الجنون .. بدأ يشعر بضيق في صدره ، وكسمكة أخرجت من الماء ووضعت على حافة البحيرة بدأ يتحرك باضطراب .. طرق جميع الأبواب .. يريد العودة إلى سجنه .. لقد باتت السلامة عنده أن يعمل تحت القصف ، والحرية أن يقفل عليه باب سجنه ، والراحة أن يقضي ليله واقفا على قدميه في خدمة طفل مزقه برميل حاقد .. تتغير المفاهيم فتتغير معها ألوان الصورة ذاتها ..

بالأمس أرسلت إليه أسأل عن حاله .. فأرسل لي : ” الحمد لله ..أنا بحلب بين إخوتي الأحبة .. حيث أشعر أنني إنسان “

في حلب .. التي اجتمع عليها أراذل الأرض .. في حلب .. التي يأتيها القصف من كل جانب .. في حلب .. التي اختلطت ” كببها ” بطعم الدماء .. في حلب ..التي نزعت رداء الإنسانية الرقيق عن جسد البهائم – من سياسيين ومعممين وفنانين ومثقفين – فكشفت حقيقتهم التي لا تمت للإنسانية بصلة .. هناك فقط .. يشعر صديقي أنه إنسان ..

لا أريد من خلال المقالة أن أسرد سيرة ذاتية .. لكنني أريد أن أصف حالة ، وأن أنفذ من خلالها إلى فكرة تضيء زاوية من زوايا المشهد المعقد في سوريا اليوم .. لم يكن بإمكان الثورة أن تستمر – مع ضراوة العدو وتخاذل الصديق – لولا أناس يحملون بين ضلوعهم عقيدة راسخة ، ونفوسا أبية ، وعزيمة صلبة ، وصبرا عجيبا .. لقد وضع أعداء الثورة – وما أكثرهم – كل ثقلهم ، واستخدموا كل إمكاناتهم – العسكرية والسياسية والإعلامية والاستخباراتية – من أجل إخماد الثورة وتهجير قاعدتها وزرع اليأس في نفوس المؤمنين بضرورتها … لكنهم اصطدموا بأطهار زرعوا أقدامهم في أرضهم وأقسموا أن لا ينزعوها حتى يطردوا المحتل ويستعيدوا الحقوق ويغيروا المشهد .. في يد أحدهم بارودة ، وبيد الثاني مبضع ، وقلم ، وآلة تصوير ، ومعول بناء ومحراث … تهدم الصواريخ مبنى بمن فيه ، فيمسحون دموع أم ، ويضمدون جراح طفل ، وينتشلون من تحت الأنقاض بقايا جسد … يحرق المجرمون غابة ، فيلقون في تربتها بضع بذور ومن عرق أجسادهم تروى ، هم يدركون أن الأعداء إنما يستهدفون إرادتهم قبل مبانيهم ، وعقيدتهم قبل أراضيهم .. هم يعرفون أن مغريات الهجرة لم تكن حبا فيهم بمقدار ما هي فخ لهم .. ولو قرروا المغادرة لأُعذروا .. لكنهم آثروا البقاء .. ربما لأنهم مدمنون على حب الأرض ..

في بداية الثورة قام النظام ” الممانع ” بحملة إعلامية سخيفة بهدف تشويه صورة الثوار كان من ضمنها اتهامهم بتعاطي حبوب هلوسة ومخدرات تذهب بعقولهم وتسهل انقيادهم لمشغليهم .. يبدو أن آثار تلك الحبوب بدأت تظهر الآن بعد خمس سنوات من تعاطيها .. هناك اليوم حالة من الإدمان بين صفوف الثوار …

إدمان على الصمود .. إدمان على الجهاد .. إدمان على التحدي .. إدمان على البذل .. إدمان على التضحية .. إدمان على الصبر .. نعم .. تحت القصف الروسي والأسدي وفي الوقت الذي يحاول المجرمون فيه دفع أهالي حلب وكوادرها للمغادرة والرحيل عن البلد وفي الوقت الذي يستهدف به مغول العصر مشافي حلب القليلة عاد صديقي إلى مشفاه لأنه لم يتحمل أعراض الانسحاب من حبوب الكرامة والإيمان التي اعتاد على تناولها لسنوات ..