on
Archived: ابراهيم سارة:الأخوة
ابراهيم سارة: كلنا شركاء
يستحضر اقتتال فصيلي “فيلق الرحمن” و “جيش الإسلام” في الغوطة الشرقية هذه الأيّام المحضر الخطير لاجتماعات مجلس الوزراء البريطاني الثلاثة يوم 1914/11/25 التي استمرّت لمدّة احد عشر ساعةً ونصف.
كان التخوّف من الدور التركي المحتمل في الحرب العالمية الأولى يسيطر على الجميع، وخصوصاً وزير الأسطول البريطاني الذي حذّر المجتمعين من أنّ دخول تركيا في الحرب سيعني إعلان الخليفة العثماني للجهاد: “وأنا رأيت الجهاد الإسلامي“.
/تشرشل/ كان يتكلّم عن تجربته الشخصيّة يوم رافق جيش بلاده لغزو السودان عام /1897/ بصفة مراسل صحفي، وخصوصاً معركة “أم درمان” التي وثّقها الزعيم البريطاني في كتابه “حرب النهر”: “رأيت حماسهم بالزي وبقوّة الدين والعقيدة“.
توقّع البريطانيون أنّ استخدامهم لنوع جديد من المدافع الرشّاشة سيفرض نفسه على الخصوم ويجبرهم على الفرار سريعاً، ولكن المشهد كان مختلفاً: “بدأت المعركة مع أول ضوء للنهار وانتهت قبل الظهر. كان /الدراويش/ يقتحمون الصفوف دون خوف أو رهبة من مشهد المجزرة، وبعد حوالي خمس ساعات هي مدّة المعركة، بلغ عدد قتلى /الدراويش/ حوالي /70/ ألفاً.. الجهاد الإسلامي قضيّة فظيعةٌ جدّاً“.
بعد ذلك السرد التاريخي، عاد /تشرشل/ في جلسة بعد الظهر ليعرض على زملاءه رؤيته لمواجهة العثمانيين واستراتيجيته لـ ‘توظيف الإسلام’: “لماذا لا نستخدم فكر الدراويش لنلتفّ على الأتراك من خلفهم؟“.
يعتقد بعض المحلّلين أن ذلك الاجتماع وفكرة تشرشل الخبيثة، كانت البذرة التي أنبتت التواصل مع الشريف حسين، والثورة العربية الكبرى التي تبنّت ‘الجهاد’ ضدّ دولة الخلافة العثمانيّة!!.
كيف يتم استخدام فكر /الدراويش/ اليوم للالتفاف على تطلعات شعوب الربيع العربي؟.
لقد كانت إحدى القضايا الأساسية في منتصف التسعينات، البدائل المُحتملة للأنظمة العربية ‘المصنوعة’ التي: “رغم محافظتها على نفسها لفترات طويلة، إلا انّ احتمال سقوطها كبير في العالم الحديث” وفق /كليمنت هنري مور/ الذي يصف هذه الأنظمة بأنّها: “متحجّرة، قمعيّة، فاسدة، معزولة تماماّ عن احتياجات وتطلّعات مجتمعاتها“.
كان التوقّع الذي اثبت صحّته انّ الخلف الأكثر احتمالاً هو: ‘نظام متأسلم’، فكلّ تجربة ديمقراطيّة او شبه ديمقراطيّة، اكتسحها الإسلاميّون، وكل عداء أو حصار للفكر الإسلامي، قابله المسلمون بتوجّه أكثر أصوليّة!.
في تلك الفترة من تسعينيات القرن الماضي، ظهر كتاب ‘صدام الحضارات’ لصاحبه /صامويل هنتنغتون/ المخطّط الاستراتيجي المعروف، الذي بشّر برؤية جديدة ‘للالتفاف’ تحاكي ما فعله تشرشل في بداية القرن.
يقول /هنتنغتون/ تحت عنوان: ‘الإسلام والغرب’: “المشكلة المهمّة بالنسبة للغرب ليست الأصوليّة الإسلاميّة، بل الإسلام: فهو حضارة مختلفة، شعبها مقتنع بتفوّق ثقافته“. إذاً فالطريق للسيطرة على هذه الشعوب، إفقادهم الثقة بثقافتهم.
“عندما يفشل الإسلام كحل لمشكلات الظلم والقمع والتخلّف، فإنّ ذلك سيولّد “خيبة أمل واسعة في الإسلام السياسي، وربّما ولّد ردّ فعل ضدّه، ومحاولة للبحث عن ‘حلول’ أخرى“.
بعد خمس سنوات من ثورة كانت شعاراتها الأوّلى: “الله أكبر” و “هي لله، لا للسلطة ولا للجاه”. تشتعل الجبهات بين اخوة السلاح في الغوطة الشرقيّة فيذهب ضحيّتها مئات المقاتلين!!.
الفصائل التي حرصت على تسميات إسلاميّة مهيبة ‘جيش الإسلام’، ‘فيلق الرحمن’، ‘جيش الفسطاط’، تفشل في تحقيق أساسيّات الثورة، وتتحوّل إلى إمارات تمارس نفس أدوار النظام الذي قامت الثورة السورية ضدّه: اعتقالات تعسّفيّة، فرق اغتيالات، تكميم للأفواه، مؤسسات للسجون، سرقات ونزاعات وأثرياء أزمة، وشرعيّون مهنتهم تكفير الآخر والدعوة لاستئصاله…
هل كان هنتنغتون يحلم بأكثر من ذلك؟!!
تتجاوز هجرة السوريين من هذا الواقع الرديء فكرة الهروب للأمان، إلى الانعتاق الثقافي، وإعلان البراءة من التاريخ والجغرافيا معاً.
تعبّر إحدى السوريات المهاجرات عن ذلك حين تضع صورتها في المهجر دون حجاب، وتعلّق: “من كان يحبّ حجاب -فلانة- فإنّ حجابها قد طاااار“. في اقتباس محمّلٍ بالدلالات كان يمكن ان يحتل مراتب متقدمة في مشاركات صفحات التواصل الاجتماعي لولا أن مظهر تلك السيّدة دون حجاب لم يكن -للأسف- أفضل حالاً من مظهرها معه.
يا ترى هل ما يجري هو من طبائع الأمور، أم انّه أمر دُبّر بليل؟. يرى أصحاب نظريّة المؤامرة أن كل الدلائل تشير إلى إجرائيات تنفيذية فهم مخططوها اشارات /هنتنغتون/، ودهاء /تشرشل/.
هل يعي المقاتلون في الغوطة الشرقيّة ما يفعلونه؟ أم ان إسلامهم ملاذ يُشرّعون به سفك دماء الأخوة!!.
شهر من الاقتتال بين ‘الأخوة’ قضى به مئات المجاهدين، ودخل بنتيجته ‘النظام’ إلى قرى في الغوطة، لم يكن يحلم بدخولها دون قتال ولا مقاتلين!!. و ‘الأخوة’ منشغلون بقتل بعضهم، وإصدار البيانات والتصريحات، وإجراء اللقاءات التي اتهموا بعضهم فيها بكل شيء: خيانة، استبداد، سرقات، اغتيالات، اعتقالات، ظلم . . . شيء واحد لم ينساه أي متحدّث منهم، ولم تتجاهله اي من بياناتهم… انهم: “أخوه“.
يروي السوريون طرفة عن أيام النزاع بين النظام السوري والإخوان المسلمين: فقد اعتقل ‘النظام’ بعض ‘الاخونجية’ ووضعهم في ‘النظارة’ مع بعض المعتقلين بتهم أخرى، وفي أحد جلسات التحقيق، يخطئ الشرطي ويجلب متهم بالسرقة مع ‘الاخونجيّة’ ظانّاُ انه منهم، وبعدما استجوب الضابط بعض ‘الاخونجية’ وصل إلى ذلك المسكين الذي كان يراقب ما عاناه الذين سبقوه، فبادر الضابط قائلاً: “يا سيدي الله وكيلك أنا حرامي، ومستعد احكيلك عن كل سرقاتي من وقت فتت بهالكار“.
يا ترى لو وقع أحد مقاتلي الفصائل بقبضة محقّقي الفصيل المنافس وسألوه إن كان من ‘الأخوة’ ماذا سيكون جوابه؟، أعتقد أنّه سيقسم -متمنّياً-: “الله وكيلكون انا من الأعداء!!“…