on
Archived: د. معتز محمد زين: طائرات في سماء مدينتي..
د. معتز محمد زين: كلنا شركاء
1 – على مدار اليوم لم تفارق طائرات العدو سماء المدينة الصغيرة.. صفارات الإنذار اختلطت مع أصوات الطائرات.. سنوات مرت وأصوات الطائرات لم تغب عن أسماع الأهالي فيها.. في البداية كان دوي الطائرة يزرع الرعب في قلوبهم فتتوتر أعصابهم ويتجمد الدم في عروقهم وتتحرك أطرافهم بشكل عفوي، مع الزمن بدأت حالة من التأقلم تحصل بين أجسادهم وأصوات الطائرات، لم تعد تلك الأصوات تثيرفي معظمهم أكثر من كآبة عابرة تتسلل إلى نفوسهم.. في بعض مناطق الهند والتي تكثر الأفاعي السامة فيها كان الأهالي يحقنون أطفالهم بجرعات خفيفة من سم الأفاعي ومع الزمن يزيدون الجرعة حتى تتعود أجسامهم على سم الأفاعي وتكتسب مناعة تحميهم من آثار لدغاتها المستقبلية.. الحالة تسمى في الطب إزالة الحساسية.. هذا ما حصل مع سكان المناطق المحررة.. رصاص ثم قذائف ثم صواريخ ثم براميل ثم قنابل عنقودية ثم قصف روسي همجي مزلزل.. ثم اعتياد ولا مبالاة من قبل الأهالي تجاه جميع أسلحتهم.. هل علينا أن نشكر العدو على تقوية مناعة أجسادنا تجاه أصوات الطائرات وارتطام البراميل وانفجار القذائف … يا للسخرية.
2 – على الرغم من استهداف سوق المدينة مرات عديدة، فإن معظم المحلات ما زالت تفتح أبوابها رغم أصوات الطائرات التي تنذر بالقادم المحتوم.. أصحابها يمسحون حبات الخضار والفاكهة ويرتبونها بشكل هرمي بانتظار زبون ادخر مبلغا لمناسبة مهمة في بيته.. في أعماقهم ينتظرون جميعا ساعة الصفر.. في أي لحظة يمكن أن يُطلق الصاروخ أو يُرمى البرميل، ما يعني أن الموت سيكون على موعد مع بعض أبناء المدينة اليوم، وغالبا ما يكون لرواد السوق النصيب الأكبر من الموت المتناثر، لكن أجسادهم تعودت أن تفلت من سيطرة عقولهم الباطنة.. يمسحون واجهة المحل وينادون على بضائعهم متجاهلين أصوات الطائرات، حتى أنهم يتبادلون النكات الساخرة حول الطائرات الروسية والسورية في محاولة لتجاوز التنبيه الذي يصدر من أعماقهم.. فأبو ماجد الذي فقد خزان المازوت بشظية من تفجير سابق يتمنى أن ترمي الطائرة السورية برميلا دون أن ينفجر لعله يستفيد منه كبديل عن خزان الوقود المثقوب.. وأبو خالد يرد ساخرا: كل شيء يأتي من النظام المجرم نجس، ستضطر – لو استخدمته – أ ن تغسل يديك سبع مرات، والمشكلة أنه لا يوجد ما يكفي من الماء.. ثم يستدرك: على أساس في مازوت حتى تتمنى الحصول على برميل!!! … يتدخل أبو عابد الذي يبحث عن حبات الكوسا المناسبة لطبخة المحشي والتي حددت له أم عابد طولها: شخصيا مللت من طلبات أم عابد، أتمنى أن تكون الطائرة روسية لا نسمع صوتها حتى تخلصني من أم عابد وأبحث عن أخرى أكثر شبابا وجمالا أو تخلص أم عابد مني وسأرى من يحضر لها الكوسا حينها … ياللألم الدفين..
3 – مجموعة من الشباب الرائع – ذكورا وإناثا – يصفون الكراسي وينفخون البالونات ويلصقون الزينة على الجدران تحضيرا لحفل تخرج أطفال المدارس في المدينة، أحدهم يلقن الأطفال أغنية الحفل، والثاني يستمع إلى الطفل الذي سيلقي كلمة الافتتاح ويصحح له بعض الأخطاء، والثالث يغلف الهدايا المتواضعة التي أعدت للمتفوقين.. جو من الفرح والسعادة والاحساس بالمسؤولية تحركهم جميعا كخلية نحل.. من بعيد تتسلل إلى أسماعهم أصوات الطائرات السافلة.. تتلاقى عيون الكبار خلسة وكأنهم يتساءلون: ماذا سنفعل ؟؟ يتلعثم صوت الطفل الذي يتدرب على كلمة الافتتاح وتتداخل الكلمات دون أن يصحح له أحد.. شيء من الشحوب بدأ يتسلل إلى وجوه الأطفال الذين ينشدون أغنية الحفلة المرتقبة.. أصواتهم لم تعد منسجمة، وكلماتهم متداخلة ومبعثرة.. يجتمع الكبار سريعا في زاوية الغرفة وبعد قليل من الحوار يقررون.. لن نتوقف.. لن تخمد أصوات طائراتهم أصوات أطفالنا.. لن يغلب تعطشهم لدمائنا رغبتنا في الحياة.. لن يطفئ حقدهم فرحنا.. سننتشل الحياة من بين ركام الموت، وسنطلق الضحكات وسط صرخات الألم، وسنحتفل بعلمائنا الصغار رغم أنف سفهائهم الكبار.. أخذوا الأطفال سريعا إلى القبو، وفي الغرفة الداخلية له عادت أصوات الأطفال مرتبة منتظمة ندية ، واستعاد الطفل عريف الحفل قدرته على الخطابة ، واستمر الثالث بتغليف الهدايا … نظر الكبار إلى بعضهم والبسمة تملأ وجوههم .. لقد كسبنا هذه المعركة.. ياللنصر..
4 – أبو أحمد.. قائد ميداني ومقاتل صلب شجاع، شارك مع مجموعته في معظم معارك المنطقة.. شظية حمقاء من قذيفة حاقدة أطلقتها طائرة روسية غاصبة استقرت منذ أشهر في نخاعه الشوكي وأجلسته منذ ذلك الحين في فراشه دون قدرة على تحريك طرفيه السفليين.. ضحكته لا تكاد تفارق وجهه.. لسان حاله يقول: فقدت القدرة على تحريك قدمي لكنني ما زلت أملك يدا تحمل السلاح وأصابع تكتب ضد الظلم ولسان ينطق بالحق وقلب ينبض بالإيمان ووجدان يؤمن بعدالة قضيتنا …كان يتبادل مع أخيه أبو محمد الذي يلازمه كظله أطراف الحديث وأخبار الجبهات وأحوال الضعفاء والفقراء في المدينة.. قاطعهم صوت على القبضات ينبه أهل المدينة باقتراب الطائرات من سمائها.. صفارات الانذار تخبر الناس بضرورة النزول إلى الملاجئ أو الغرف الداخلية.. ظهرت علامات الغضب على وجه أبي أحمد.. توسعت فتحات عيونه، وتسارعت نبضات قلبه وتشنجت عضلات وجنتيه وأغلق يديه على شكل قبضة وكأنه يعصر الكرة الأرضية بداخلها.. وكادت الدمعة تخرج من عينه أمام أبي محمد لولا أن هيبته كقائد ميداني حبستها.. لم تكن هذه الانعكاسات في جسده تعبيرا عن خوفه من صواريخ الطائرات الروسية، فهو قد خبرها واعتاد عليها منذ فترة طويلة، ولا حتى نوع من الثأر الشخصي لما أصابه منها، ولكنها كانت تعبيرا عن حسرته وغضبه أن يكون لصيق الفراش في اللحظة التي يقف فيها أخوته وأفراد مجموعته في الخطوط الأمامية على الجبهة أمام أنجاس الأرض الذين اجتمعوا لاحتلال البلد ونهب ثرواتها وتغيير ملامحها … نظر إلى أبي محمد من زاوية عينه وطلب منه أن يأخذ الأطفال إلى مكان آمن.. وبعد أن غادر أبا محمد بلحظات فاضت من عينيه دمعة بين يدي خالقه ورفع رأسه راجيا ومعاتبا: يا رب.. خرجت من أجلك ورضيت بحكمك وقضائك.. لكنني أتضرع إليك أن تعيدني إلى المكان الذي أجد فيه نفسي.. إلى الجبهات.. أريد أن ألقاك مقبلا نازفا وسلاحي على صدري.. ياللعشق.
5 – اتفق مع الشمس على خروجه للعمل بالتزامن مع أول إشعاع تداعب به وجه المدينة.. يعرفه كل من حوله.. يحمل باليد الواحدة عدة بطيخات دون أن تسقط منها واحدة على الأغلب.. يتحرك بين المدارس والمعاهد ومجلس المدينة.. له نشاطات تعليمية وإغاثية وسياسية وثقافية.. يتواصل مع العديد المنظمات الداعمة.. يحضر الكثير من الاجتماعات.. ينظم الكثير من الفعاليات.. يومه حافل بكل ما يخدم مجتمعه وأهل مدينته.. لا يكاد يجد وقتا لطعامه وشرابه، يرجع إلى بيته منتصف الليل وقد تشابكت في رأسه الحسابات والخطط والأهداف، يفتح الرسائل التي تراكمت على جهازه ويرد على ما يستطيع منها، ثم يعيد ترتيب الأمور ويفك العقد والخيوط المتشابكة من جديد ويرسم ملامح خطة العمل لليوم القادم ثم يغلق عينيه استعدادا لإشراقة شمس جديدة بعد ساعات.. أثناء انتقاله من المدرسة إلى مجلس المدينة دوى صوت الطائرات كعادتها، نظر إليها ساخرا دون أن تتباطأ خطواته وقال: عذرا فليس لدي من الوقت ما يكفي لأصرفه بالتفكير فيك.. وأكمل طريقه نحو مجلس المدينة.. ياللنشاط.
رغم القصف الهمجي اليومي الروسي الأسدي على المدن السورية المحررة والذي يهدف بشكل رئيسي إلى إجبار الناس على الهجرة وترك منازلهم وأراضيهم فإن هذه النماذج الواقعية العاشقة لأرضها والمدركة لما يدبر لها أصرت على البقاء وإعادة إعمار ما تهدم من بيوتهم ومنشآتهم وثقافتهم وأحلامهم.. يحاولون انتشال الحياة من بين أنياب الموت الذي يلاحقهم، ويحاولون رسم الضحكات بين ركام الألم الذي يلازمهم..
في الميدان يقاومون بأسلحتهم.. وفي المدينة يقاومون بثباتهم وعزيمتهم وإيمانهم وضحكاتهم ونكاتهم وحفلاتهم ودراستهم وتجارتهم..
في الخطوط الأمامية يد تحمي.. وفي الخطوط الخلفية يد تبني..
بعيونهم يقاومون مخارز العالم.. والعين قد تقاوم المخرز.. ياللعجب.
اقرأ:
د. معتز محمد زين:إدمان