Archived: علاء الدين الخطيب: السياسة الأميركية ليست في حاجة إلى حسم الأزمة السورية

علاء الدين الخطيب: مركز حرمون للدراسات المعاصرة

لا تناقش هذه المقالة الناحية الأخلاقية أو القانونية أو الوطنية المتعلّقة بالتدخل العسكري الأميركي المباشر، أو التدخل السياسي القوي في سورية، الذي بنى عليه الكثيرون آمالًا وحسابات، هو جائز أم ضروري أم ممنوع؟ إنّ هذه النقاشات تشكّل ترفًا تجادليًّا، لا يؤثر في قرارات الدول الكبرى المسيطرة، والمتصارعة على مراكز القوة والنفوذ والمال؛ السؤال -إذن- هل تاريخ المأساة السورية، وتاريخ الصراع الدولي، وواقع التوازنات في السوق العالمي، سار -أو يسير- باتجاه تدخل عسكري، أو سياسي حاسم وثقيل، من قبل الولايات المتحدة الأميركية في سورية أم لا؟

لنتفق -بداية- على أنّ الأسباب الأخلاقية والإنسانية لم تكن يومًا محركًا حقيقيًّا للقرارات الكبرى الاستراتيجية على المستوى الدولي، لا من قبل الولايات المتحدة الأميركية، ولا من قبل أيّ دولة أخرى؛ فالمحركات الحقيقية للسياسة الدولية هي المصالح، ولا شيء غير المصالح، وإنِ استعرضنا -تاريخيًّا- تحركات الولايات المتحدة عسكريًّا، بشكل فاعل وحاسم ما بعد الحرب العالمية الثانية، لوجدنا الآتي من الأحداث الكبرى:

بغض النظر عن الاختلاف في تقييم حسابات الربح والخسارة، والمبرّرات الأخلاقية والقانونية لتلك الحروب؛ فهل الرؤية المصلحية واضحة وبسيطة في تلك الحروب؟  لقد قدمت الدعاية الأميركية أجوبة بسيطة للشارع الأميركي، مثل: “إنها حرب لنصرة الشعوب ضد الوحش الشيوعي”، أو لمواجهة “الإرهاب الإسلامي المرعب”، ثم تطورت الدعاية لتصبح حروبًا “للحفاظ على الأمن القومي الأميركي”، وهو أمن يتسع نطاقه ليشمل الكرة الأرضية برمّتها، ونقلت وسائل بث الدعاية هذا الجواب إلى الشعوب الأخرى في العالم؛ بينما قدم خصوم الولايات المتحدة إجابات -أيضًا بسيطة- لشعوبهم ومؤيديهم، من قبيل: “إنها حروب الشيطان الأميركي الإمبريالي ضد آمال وحقوق الشعوب”. لقد انتقلت هذه الإجابات التبسيطية إلى بلادنا، فصُبغت بمواقف وتحالفات حكومة كل بلد، كإضافة شعار قومي عربي ممانع إليها، أو شعار إسلامي مجاهد.

وللوصول إلى إجابة مُرضية، نسأل السؤال الثاني، المهمل في السياق التحليلي للسياسة الأميركية: لماذا لم تتدخل أميركا عسكريًّا، أو سياسيًّا، بشكل حاسم في مناطق ظاهرها يوحي بأهمية استراتيجية، مثل المناطق السابقة التي عددناها، أو التي تحمل محرّضًا أخلاقيًّا صارخًا؟

لا يمكن الإجابة عن كل سؤال مذكور -هنا- في مقال واحد، لكن الغاية من ترتيب تلك الأحداث الكبرى في تاريخ السياسة الأميركية، هي المقارنة، وصولًا إلى نتائج تساعدنا في فهم السياسة الأميركية. وقبل الانتقال إلى النتائج لابد من توضيح بدهية أساسية، وهي: إنّ الولايات المتحدة الأميركية ليست إلهًا ممسكًا بكل خيوط الحركة على الأرض، فقد ارتكبت العديد من الأخطاء، وحققت الكثير من الانتصارات، لكن ميزة عصرنا الحالي هي أن التقدم العلمي والفكري الهائل للإنسانية، أتاح للولايات المتحدة فرصة ذهبية -للمرة الأولى في التاريخ البشري- أن تراكم خبراتها، بأخطائها وهفواتها وانتصاراتها، وتتقن كيفية معالجة الهزيمة والبناء عليها للتعويض لاحقًا. كما أن قراءة سياسات الدول لا يمكن أن تتم من خلال الاجتزاء زمنيًّا، بمعنى أن الاستراتيجيات لا تتغير كل أربع سنين، كما لا يمكن الادعاء أن دولة ما تستطيع وضع خطة لثلاثين أو خمسين عامًا، لا تتنازل عنها، وتحققها بحذافيرها. إن التمييز ما بين التبسيط لدرجة التسطيح في قراءة الحركة الجيوسياسية، وفق فواصل زمنية قصيرة، وبين التهويل -في هذه القراءة- بمنح دول، أو دولة، قدرة التخطيط الكوني لمئة عام، هي عملية حساسة ودقيقة، تحتاج الكثير من الضوابط التي نحاول ضمن هذه القراءة تحقيقها.

يمكن قراءة تاريخ السياسة الأميركية، منذ القرن الماضي، في إطار النظرة العامة لسياساتها الخارجية بعد الحرب العالمية الأولى، وفق ثلاث مراحل:

لقد عقدت الولايات المتحدة الأميركية، منذ 1945، حلفًا استراتيجيًّا مع السعودية، ولاحقًا مع دول الخليج، وحاولت -كذلك- عقد حلف مماثل مع مصر والعراق وسورية وبقية البلاد العربية، لكنها، لتحقيق هذا الهدف، دخلت في صراع طويل، امتد حتى تسعينيات القرن العشرين، مع مدّ اليد السوفياتية في المنطقة؛ أما إسرائيل، أهم قاعدة متقدمة في الشرق الأوسط، ورثتها الولايات المتحدة عن بريطانيا؛ فقد بقيت الحليف الأهم، والأكثر ثقة ومصداقية مع الأميركيين إلى يومنا هذا.

ترافقت المرحلة -أيضًا- مع تغييرات ضخمة، تقنية عالمية، سُميت “ثورة الاتصالات”، وانطلاق عهد الإنترنت، والتحول الحتمي للعالم إلى قرية صغيرة. وبعد انتهاء الحرب الباردة، وصراع المضاربات الاقتصادية، كان لا بد للرساميل العالمية من أن تتحرر من قيود الحدود الدولية؛ هذه التحولات كانت تتم بتأثير وتأثر الولايات المتحدة الأميركية، وتضعها على رأس مسار نظام العولمة الجديد؛ لتحقيق الهدف الأهم، وهو أن يكون القرن الـ 21 قرنًا أميركيا، بمعنى أن تقود الولايات المتحدة السوق العالمي الجديد من خلال السيطرة على اتفاقيات تحرير التجارة، وفتح الحدود أمام الرأسمال عالميًّا.

لقد انتقل الصراع الدولي من مرحلة الحروب المباشرة العسكرية والأيديولوجية، بين الدول الكبرى، أو المضاربات والمقاطعات الاقتصادية، إلى مرحلة الصراع على وضع القواعد والقوانين الحاكمة للسوق العالمي، وحركة الاستثمارات والأموال عبر الحدود؛ بحيث باتت قوة العدو تُقاس بقوته الاقتصادية والتقنية قبل قوته العسكرية. ضمن هذه التغيرات الكبرى كانت الصين ودول جنوب شرق آسيا تعمل بصمت؛ لتحقق انطلاقتها الاقتصادية والتقنية السريعة، ولتتموضع الصين على مقعد القطب العالمي الثاني اقتصاديًّا؛ لذلك نشأ سلاح ردع غير السلاح النووي الذي كان بين الغرب والسوفيات، إنه سلاح الردع الاقتصادي؛ فعلى الرغم من التنافس الكبير، في السوق، بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، إلا أن الاقتصادين كليهما محكومان بعافية وبقاء الآخر. لكنّ تفاقم أهمية الميزان الاقتصادي في العلاقات الدولية لم يلغ أهمية القوة العسكرية؛ إذ ما زالت إحدى أهم أسس الصراع وأدواته، وهو ما يفسر عودة روسيا، القوة العسكرية الثانية عالميًّا، للعب في المشهد الدولي مع بدايات القرن 21، إلا أنها لم تكن قادرة، بسبب سوء أحوالها الاقتصادية والسياسية، على التحرّك بحرية مثلما تفعل الولايات المتحدة الأميركية التي استغلت الفرصة في حربي أفغانستان والعراق.

إنّ إحدى صعوبات التحكم بالصراع الاقتصادي ضمن السوق، هي صعوبة التحكم بالرأي العام، والشعور الشعبي، في القرن الـ 21؛ فهذا الصراع لا يشعر الإنسان العادي سريعًا بنتائجه؛ وإقناع الشارع بمنحى الصراع، وما تفرضه السوق، عملية صعبة، لا يتقبلها المواطن العادي الذي لن يكون -بأي حال- أكبر الرابحين، وبحكم الطبيعة البشرية؛ فإنّ وجود عدو خارجي مخيف ضرورة، حتى في الدول الديمقراطية؛ وذلك للتحكم بمزاج الشارع؛ كي لا يُصدم بالسياسات الاستراتيجية الكبرى، المرتهنة لآليات عمل السوق، وليس لأخلاقيات ومشاعر الشارع. لذا بُنيت نظرية هنتنغتون حول الصراع بين الغرب والإسلام، هذا الصراع المزعوم، على مخزون تاريخي -عند الطرفين- من العلاقات المتوترة والعدائية في مراحل كثيرة، وعلى استعداد نفسي عام لتقبل المطروح من الشارعين: الغربي والإسلامي، على الرغم من أنّ الدول الإسلامية كافّة لا تشكل خطرًا حقيقيًّا، في السوق العالمية، على الأقطاب الكبرى، ولا تشكل خطرًا عسكريًّا كذلك. لقد أصبحت منطقة الشرق الأوسط، ووسط آسيا، أهم ساحات الصراع، والحروب بالوكالة، بين أقطاب السوق، وبما أن للدين وجود قويّ في هذه المنطقة؛ فلا أنسب من تصعيد صراع أيديولوجي موجود أصلًا بين “الإسلامية” والحداثة، واستخدامه -بحسب الحالة والموازين- كلاعب احتياط؛ فكانت كلمة “الجهاد”، في الثمانينيات والتسعينيات، كلمة جذابة في الخطاب السياسي الأمريكي؛ لمحاربتها الشيوعية، ثم صارت مرادفة للإرهاب والرعب منذ بداية القرن الـ 21، ومبررًا لاختراق أميركا ساحة وسط آسيا التي تشكل نقطة ضعف خصميها الأساسيين: الصين وروسيا.

بإعادة ربط ما سبق من أحداث تاريخية كبرى، مع كل تشابكاتها، يمكن الخروج بنتائج عدّة، والتدليل عليها من خلال الحالة العراقية كمثال، بوصف العراق شهد أكبر تحرك عسكري أميركي منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين.

من الواضح أنها نجحت في تدمير العراق، بوصفه قوة إقليمية منافسة، وحولته إلى بؤرة توتر مستمرة، تستنزف الدول المحيطة به، وخاصة إيران ، وفي الوقت نفسه ثبتت نفسها كقوة عسكرية وحيدة، وقادرة على حماية أمن الخليج العربي، وهو أغنى منطقة بالنفط والغاز الطبيعي؛ كذلك فإنّ وجود تهديد دائم في العراق المتوتر سيؤدي -حكمًا- إلى تصاعد العداء والخوف بين إيران ودول الخليج العربية. أما ما يُقال عن مصاريف الحرب، فلا ننسَ أن الجيش الأميركي، بموارده البشرية وأسلحته، كان زبونًا احتكاريًّا لدى الشركات الأميركية، بدءًا من عبوة ماء الشرب وانتهاء بصواريخ التوماهوك، فالمواطن الأميركي دفع التكلفة، لكن السوق الأميركية هي التي جنت الأرباح.

تُعدّ الولايات المتحدة الأميركية أقل الدول الصناعية الكبرى حاجة، أو اعتمادًا على نفط الخليج العربي؛ فلم تتجاوز حصة النفط المستورد من الخليج العربي نسبة إلى  كلّ النفط المستورد في الولايات المتحدة الأميركية 25 في المئة منذ العام 2000، بينما لم تهبط هذه النسبة خلال الفترة نفسها في شرق وجنوب شرق آسيا عن 50 في المئة، في حين أن نسبة اليابان كانت دائمًا أعلى من 70 في المئة، وفي الصين ارتفعت إلى 50 في المئة¹؛ فأمن الإمداد النفطي من الخليج العربي ليس أولوية أمن قومي مباشر للولايات المتحدة الأميركية، وفق حسابات أمن الطاقة الوطني؛ وإذا كان النفط يمسك الاقتصاد الصيني والياباني من رقبته، وبدرجة أقل الاقتصاد الأوروبي؛² فمن المصلحة الأميركية -استراتيجيًّا-أن تكون هي المتحكم بأمن الإمداد النفطي لأهم أقطاب السوق العالمية. من ناحية ثانية فإن آليات عمل السوق العالمية بحاجة دائمة إلى بؤر توتر ساخنة، فالشرق الأوسط، والعراق على وجه الخصوص، سيمثل نقطة التوتر المثلى التي من خلالها تستطيع الولايات المتحدة التحكم بسير سياسات الدول العربية الخليجية وإيران، والتأثير على روسيا والصين.

يوجد العديد من الإجابات لكل حادثة تاريخية، مما ورد سابقا، إجابات تغرق في التفاصيل، وفي الجدل حول “حيثيات اللحظة”؛ ففي نقاش طويل مع سفير أميركي سابق، كانت خلاصة رؤيته لتاريخ الصراع الدولي، بما يخصّ الولايات المتحدة، تقوم على أن قرارات الإدارة الأميركية كانت دائمًا ردّات فعلٍ لأفعالٍ خطرة قام بها الآخرون؛ فمثلًا: الضربة النووية لليابان وقعت لمنع قتل مليون إنسان إن استمرت اليابان في الحرب، وحربا كوريا وفيتنام كانتا لحماية المصالح الأميركية، ومساعدة الشعوب أمام تغوّل التوسع الشيوعي؛ و دعم إسرائيل لمنع العرب من إبادة اليهود، وحرب العراق لنشر الديمقراطية، ومنع صدام من تصدير السلاح الكيماوي.

الاستراتيجية الأميركية في القرن 21

الواضح من أرقام السوق العالمية أن المنافس الحقيقي للولايات المتحدة الأميركية هو الصين، كثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، ثم روسيا كثاني أكبر قوة عسكرية، فالولايات المتحدة أعلنت رسميًّا -منذ 2011- استراتيجيتها في شرق، وجنوب، آسيا التي سمتها المحور الباسيفيكي Pacific Pivot، والتي تضمنت إعلان البنتاغون عن خطة لنقل 60 في المئة من القوة البحرية الأميركية إلى المحيط الهادئ، كذلك الاهتمام المتزايد للإدارة الأميركية بزيادة نفوذها في وسط آسيا بما يوازي الجهد الصينيّ الكبير لاحتواء تلك المنطقة، والتوجه الرّوسي الواضح، والحثيث أيضًا، نحوها.

وفي المقابل شهدت السنوات العشر الأخيرة إنشاء العديد من التحالفات العالمية الاقتصادية خارج المظلة الأميركية، قادتها بشكل أساسي الصين وروسيا، كاتحاد دول البريكس (الصين، روسيا، الهند، البرازيل، جنوب أفريقيا)، ومنظمة شنغهاي للتعاون، بالإضافة إلى تزايد التعاون العسكري والأمني بين روسيا والصين، وقد أتى إعلان الصين الأخير، في 2015، عن إنشاء بنك آسيا؛ للاستثمار في البنية التحتية AIIB ، كآخر التحديات لسيطرة الولايات المتحدة الأميركية على البنك وصندوق النقد الدوليين؛ فالبنك العملاق الجديد يضم، في عضويته، أغلب دول العالم عدا الولايات المتحدة الأميركية.

إنّ القرن الواحد والعشرين، بما هو عليه من تقدم علمي وتقني هائل، وبالقوى العسكرية المرعبة للدول الكبرى، وتحول العالم إلى قرية صغيرة، فرض على الأقطاب العالمية قانونًا جديدًا للصراع، إنّه الصراع الناعم عبر السوق، وتجنب أي مواجهة عسكرية مباشرة؛ فالاستراتيجية الأميركية لم تكن وليدة أفكار أوباما وفريقه فحسب، وإنما ضرورة فرضها الواقع؛ ففي العام 2003 لم يكن الروس، ولا الصينيون جاهزين لمواجهة القرار الأميركي، القاضي بالتدخل العسكري الحاسم في العراق، كما أن مصالح الصين الحيوية لم تكن مهددة،  مادامت الولايات المتحدة لا تتلاعب بإمدادات الطاقة من الخليج العربي، وروسيا كانت في مرحلة الخروج من القمقم الذي وضعها فيه انهيار الاتحاد السوفياتي؛ لذا كانت حرب العراق آخر الحروب الأميركية الكبرى.

السياسة الأميركية حول سورية

لقد حافظ بشار الأسد على إرث أبيه في العلاقات الدولية، وحاول صيانة التوازن الدقيق في علاقة النظام السوري مع الغرب والروس، مع الخليج العربي ومع إيران وتركيا، والأهم في علاقته مع إسرائيل، لكنه ارتكب خطأً كبيرًا في لبنان، بتحديه النفوذ السعودي عبر تصفيته الراحل رفيق الحريري، لكنه استطاع تدريجيًّا، وبإشراف إيراني، استعادة بعض الدفء في علاقته مع السعودية، وطور علاقاته مع أردوغان لدرجة متقدمة جدًا، توازت مع تحسن علاقات إيران بتركيا؛ بالمحصلة كانت سياسة النظام السوري تسير – حتى منتصف العام 2011- بشكل متوازن دوليًّا؛ فلا يغضب أيًّا من الدول الإقليمية أو الدول الكبرى، لكن هذا التوازن الديبلوماسي لم ينعكس ليؤسس توازنا داخل سورية نفسها، على صعيد العدالة الاجتماعية والحرية والمواطنة، فكرّس بشار الأسد الجدران الحديدية؛ لتَحول دون أي معارضة سياسية داخلية حقيقية، ولم يحرك العالم ساكنًا منذ وأده ربيع دمشق في 2002، حتى أن ألد أعدائه (الإخوان المسلمون) قدموا له،  في 2009، ما يشبه الاعتذار الرسمي مقابل السماح لهم بالعودة إلى سورية.

وفي صيف 2011 تبين لكثيرين أن النظام السوري، على الرغم من نجاحه النسبي على الصعيد الديبلوماسي الخارجي، إلا أنه ما زال النظام الحاكم نفسه الذي أباد واعتقل عشرات الآلاف من السوريين في الثمانينيات، العقلية الأمنية العسكرية القمعية نفسها، والتي يستحيل أن تقبل أي مشاركة في السيطرة على سورية.  فيئست بعض حكومات الإقليم من التأثير في سياسة النظام السوري تجاه المطالب الشعبية المحقة، وكان لزاما عليها اتخاذ المواقف الملائمة لمصالحها؛ فكان قرار الحكومة الإيرانية بتقديم الدعم المطلق للنظام السوري؛ ما أقلق بقية الدول المحيطة بسورية؛ لأن ذلك يعني انتقال العلاقة السورية الإيرانية، من علاقة تحالف إلى تسلط إيراني كامل على سورية؛ فكان قرار بقية الدول الإقليمية قلب العلاقة مع النظام السوري، ودعم معارضيه، بشرط السيطرة على هذه المعارضة، خاصة المسلحة منها؛ لضمان مصالح تلك الدول في سورية. كذلك كان القرار الروسي، ومعه الصيني، بدعم الموقف الإيراني، خاصة أن الروس والصينيين لا يتقنان لعبة تغيير الأنظمة الحليفة لهما إتقان الولايات المتحدة الأميركية.

كانت الولايات المتحدة تراقب -بهدوء ورضى- سياسات حلفائها في المنطقة (دول الخليج العربي وتركيا وإسرائيل) حتى منتصف 2012، بعدئذٍ وجدت أن الأداء السياسي لحلفائها من خلال المعارضة، وخاصة المجلس الوطني منها، لم يكن كافيًا؛ فقررت التدخل لدفع وتشجيع السعودية على الانخراط أكثر سياسيًّا في لعبة الصراع مع الإيرانيين والروس، وترافق الموقف الأميركي مع تصريحات سياسية متفاوتة الشدة حول “شرعية النظام السوري”، لكنّ كل تلك التصريحات لم تكن -في واقع الحال- لتقول: إنّ الإدارة الأميركية بصدد التدخل الحاسم عسكريًّا، أو سياسيًّا، في سورية؛ فتصريحاتها السياسية حيال كوريا الشمالية وكوبا، خلال العقود الطويلة الماضية، كانت أشد، ولم يقع ما يغيّر الأوضاع -هناك- كتدخل أميركي حاسم.

إنّ عدم التدخل الأميركي -مباشرة وبحسم- في سورية لا يعني أن سورية مجرد قرار هامشي في الحسبان الأميركي، بل العكس؛ فسورية كانت -ومازالت- قرارًا استراتيجيًّا أميركيًّا؛ لأهميتها الجيوسياسية، سواء في منطقة الشرق الأوسط، شمالَ إسرائيل وقرب منابع الطاقة في الخليج، أم كحليف حيويّ   لنظام إيراني، يملك أوراقًا كثيرة في وسط آسيا، وحلفًا استراتيجيًّا مع الصين وروسيا. والسؤال البدهي المطروح عند قراءة السياسة الأميركية من منظور أميركي: هل هناك أخطاء أو ضعف من حلفائنا الأساسيين في المنطقة في إدارة الأزمة السورية؟ وهل يشكل استمرار الأزمة السورية خطرًا حقيقيًّا على مصالحنا الاستراتيجية، أو مصالح حلفائنا؟

الإجابة عن هذين السؤالين، تستدعي الإجابة عن السؤال الأساسي الآتي قبلهما: هل من مصلحة الولايات المتحدة الأميركية زوال النظام السوري أم بقاؤه؟ تتلخص الإجابة في نقاط عدة:

من الثابت استراتيجيًّا أن الإدارة الأميركية لن تنتصر -بالمحصلة النهائية- للأكراد، لكنها تمارس -أيضًا- لعبة شد وجذب الملف الكردي مع الحكومة التركية منذ سنين، ولاسيّما في ظل الوضع الراهن الذي تعيشه سورية؛ فالورقة الكردية ورقة أساسية فيما تمت تسميته بـ”الحرب على الإرهاب القاعدي” في سورية. كما أن الولايات المتحدة الأميركية انسحبت من ملف اللاجئين المتدفقين نحو أوروبا عبر تركيا، وتركتها مشكلة معلقة بين حلفائها الأوروبيين وبين الحكومة التركية، هذا الملف الذي سيكون له تداعياته القريبة في تعديل بعض أوجه اللعبة في سورية، لكنه لن يقدم انتصارًا حقيقيًّا للأهداف التركية الطامحة إلى دخول الاتحاد الأوروبي.

لم يظهر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بين ليلة وضحاها في سورية؛ فقد بدأ بالتكون والتوسع أمام أعين ورقابة الجميع، داخل سورية وخارجها، فالتحرك الأميركي الذي ظهر إعلاميًّا، كنفير عام مفاجئ لمحاربة القاعدة، لم يكن سوى لعب ورقة إضافية على الساحة السورية، وهو في الوقت عينه مبررٌ أخلاقيّ مهم، يقنع الشارع الأميركي والغربي بأن التدخل لإسقاط النظام السوري، سيفضي إلى ظهور “الدولة الإسلامية القاعدية”، ذات الصورة السيئة في مخيلة الإنسان الغربي. إن التلاعب بالرؤية الشعبية الغربية، على هذا النحو، سيمنح الإدارة الأميركية الهدوء اللازم لمتابعة الملف السوري وفق مصالحها، دون إزعاجات من الرأي العام “المصدوم” بكمية الضحايا، والمعاناة الإنسانية في سورية، كما لا يمكننا إهمال فكرة أن خلق مساحة مغناطيسية، تجذب المجاهدين القاعديين من أنحاء العالم، يمثل مصلحة لحكومات كثير من الدول؛ للتخلص من عبء عشرات ألوف الشباب المتطرفين، وحصرهم في بقعة جغرافية متوترة؛ فإن لم يقتلوا بعضهم بعضًا؛ فإنّ التدخل العسكري الحاسم، في اللحظة التاريخية الملائمة، سيكون تخلّصًا نهائيًّا منهم.

إذًا، إنّ ما تشيعه الإدارة الأميركية عن الحاجة إلى معارضة مسلحة معتدلة، لا يمكن أن يعدو عن كونه دعاية إعلامية، تتعامل بمنطق “اللحظة”؛ فتراجع “المعارضة المسلحة المعتدلة” لم يكن مفاجئًا -بالتأكيد- لخبرات صانع قرار أقوى دولة في العالم، والاستعاضة عن الفصائل المعتدلة بالفصائل الكردية، في الرؤية الأميركية ليس سوى احتفاظ بالورقة “الملك” لحين الحاجة؛ للعب بها مع الحلفاء الأتراك، ومع الخصوم الروس، عند التوصل إلى ضرورة البدء بتهدئة الأزمة السورية، وكما يبدو أنها تحتاج لسنوات.

من الواضح أن الأزمة السورية، المتواصلة منذ خمس سنوات، قد تم احتواؤها ضمن حدود سورية، بما لا يشكّل تهديدًا مباشرًا للدول المجاورة، باستثناء لبنان، الذي ما زال مطروحًا على طاولة الصراع، كورقة ضغط بين الفرقاء المتصارعين. وما زالت الأزمة السورية فاعلة في المشكلة الكردية في تركيا، وتشكل -أيضًا- ورقة ضغط ما بين تركيا وروسيا، وكذلك السياسة الغربية.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن، ما الضير من أن تتسلح الولايات المتحدة الأميركية بشعارات إنسانية وحقوقية، وتمارس قوتها للضغط وإسقاط النظام السوري، ووضع حل مستدام، يضمن مصلحة حلفائها، على الأقل، ويشكل ضربة لروسيا وإيران ومن خلفهما الصين؟ الإجابة عن هذا السؤال تتمحور حول نقطتين أساسيتين:

إذًا؛ القرار الأميركي في سورية كان قرًار استراتيجيًّا واضحًا، منذ العام 2012، منخرطًا في الصراع الدولي الأوسع على السوق العالمية، بين الغرب واحتمال صعود حلف صيني روسي مقابل، مدعوم بإيران، في وسط آسيا، وبسورية في الشرق الأوسط؛ فالولايات المتحدة الأميركية لا يمكنها امتلاك كل أوراق اللعبة، لكنها تمتلك وتتحكم بأكثرها، بشكل مباشر وغير مباشر عبر حلفائها. لقد كان القرار الأميركي، في بدايات العام 2012، هو أن سورية لا يجوز أن تعود بقوة إلى الحلف الروسي الصيني الإيراني، وهذا سيتكفل بمنعه دول الخليج العربي وتركيا، كما أن الولايات المتحدة الأميركية لا تجد ثمنًا كافيًا مقابلًا، يدفعها للضغط -بقوة- على روسيا وإيران، وتقديم غطاء حاسم سياسي وعسكري لحلفائها لانتزاع سورية من الأيدي الروسية الإيرانية بضربة واحدة؛ لذلك ترى أن استمرار الصراع على سورية، والتحكم فيه، دون بذل الكثير من المال والعسكر هو الخيار الأمثل للمصالح الأميركية. إن استمرار الصراع على سورية، بالإضافة إلى ما شكله من بؤرة استنزاف لروسيا وإيران ودول المنطقة، أضاف عامل ضغط على حلفاء الولايات المتحدة الأميركية؛ ليعيدوا تشكيل علاقاتهم، ويخرجوا من صداماتهم التي شكلت عبئًا على السياسة الأميركية، فالخلافات السعودية القطرية، والسعودية التركية، ما كانت لتنتهي لولا تصاعد الصراع مع إيران وروسيا على سورية، والاتفاقية النووية الأميركية الإيرانية، فامتداد الأزمة السورية زمنيًّا لا يزعج -كما يبدو- السياسة الأميركية في المستقبل القريب، وتركها كبيضة القبان قد يكون مفيدًا أكثر للمصالح الأميركية في السنين القادمة، حتى على مستوى علاقاتها مع أوروبا التي بدأت تشتكي أكثر وأكثر بسبب مشكلة اللجوء.

إنّ عدم رؤية القرار الأميركي من وجهة نظر المصالح الأميركية، والإصرار على تناوله أخلاقيًّا وجدليًّا، ومن زاوية القانون والحقوق، من طرف المعارضة السورية، وربما بعض حكومات المنطقة، ووعي هذا القرار من قبل روسيا وإيران والنظام السوري، كان من أهم أسباب عطالة عمل المعارضة، وتشتيت الحراك الشعبي السوري، وتحوله إلى حرب مليشيات طائفية مستمرة في إكمال حرق ما تبقى من سورية، كما أعلن النظام منذ بداية الثورة السورية الشعبية في 2011، هذه الضبابية في رؤية المعارضة السورية، والقيادات الكردية، للاستراتيجية الأميركية، ساعدت بشكل كبير -من الناحية المعنوية على الأقل- في الإساءة إلى المصلحة السورية الوطنية، ومن ضمنها أساءت للقضية الكردية.