Archived: أحمد العربي: منمنمات تاريخية

  أحمد العربي: كلنا شركاء

في مثل هذه الوقت من السنة تقريباً، وقبل عشرين عاماً بالضبط، غيب المولى عز وجل الكاتب العربي سعد الله ونوس. كنت طالباً جامعياً وقتها. أحد الأصدقاء أعطاني بطاقة دعوة لحضور مسرحية “منمنمات تاريخية” التي أعدت على عجل لاحتفالية أربعين يوماً على رحيل الكاتب الكبير. قدمت المسرحية في قلعة دمشق، المكان التاريخي والأثري شبه المهمل.

المسرحية تدور حول أحداث سقوط دمشق أمام جحافل تيمورلنك في مستهل القرن الخامس عشر. في المسرحية شخصيتان محوريتان: ابن خلدون المعني بالتاريخ أكثر من أي شيء والمبهور، كما التاريخ، بالفاتح العظيم؛ وأمير القلعة الذي يريد أن يدافع عن المدينة حتى الرمق الأخير ولكنه ينتهي بتسليم نفسه لجيش العدو بعد أن ييأس من إيمان الناس حوله بجدوى الصمود ومعنى الصمود.  

بعد ربيع دمشق  القصير في العام 2002 والذي كان أهم من نظّر للانقضاض الأرعن عليه نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام (الذي يتحفنا منذ سنوات بين حين وآخر بتصريحاته المعارضة الفارغة والغبية)، طلع الرئيس بخطاب مجلجل يهاجم من يمسون “بالرموز الوطنية” ويقصد بذلك حافظ الأسد. قلت في نفسي، لماذا يربط الرئيس الجديد نفسه بذلك العهد المأفون بكل معنى الفساد؟ يحق له بداية جديدة فلماذا يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟

بعد سنوات طويلة، جاء الربيع العربي الكبير، وعندها فهمت أن من هم في أعلى هرم السلطة يفهمون ما لانفهم ويعرفون ما لا نعرف. عرف الرئيس أنه سيحاسب عاجلاً أم آجلاً على ما فعل أبيه (وما لم يفعله، وهو ما قد يكون الأدهى!). نعم، ألم يقل المثل العربي، الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون.

في رمضان الماضي، أي منذ عام هجري كامل، كتب أخونا الفاضل الدكتور محمد حبش مقالة في موقع كلنا شركاء يقول أن من يستطيع أن يحل المشكلة السورية كلها بساعات هو الرئيس القابع في قصر الروضة. مقالة ممتازة مثل كل كلام ومواقف شيخنا الكبير. للحظات قلنا نعم، نعم. ولكن الذاكرة أبت إلا الانتقام منا. ألم تأتي الحركة التصحيحية بالضبط بناء على رغبة شامية لكي تعود القيادة للحكم بما يريد “الشعب” وليس بما تقرره الأنتلجنسيا الملحدة غالباً؟ في زمن عربي غابر كان الراعي النميري ليشنق نفسه من وراء هكذا كلمة. أما من يحملون السلاح اليوم باسم الثورة فعلى الأغلب لن يتوقفوا ليسمعوا ما قاله الشاعر! البعض قد يتذكر كيف أجبرونا مراراً وتكراراً على حفظ ذلك في المدارس: “الله مع الشعب، والرئيس يحكم بما يريد الشعب، إذن الله مع الرئيس!” الله أكبر كبيرا، وليذهب البعث اليساري ومعه المثالي الأبله صلاح جديد إلى الجحيم الأسدي، عفواً الأبدي.

يا أخي الدكتور محمد حبش، من يستطيع أن يحل المشكلة بدقائق وليس ساعات هم الذين جاؤونا بآل الأسد وسلموهم رقابنا وهم إخوانك الشوام من رجالات العائلات الكبرى.

قلتها وأكررها دائماً، موقف الرئيس في دمشق لا يزال سليم لسببين: أنه يخلص لمن جاء به إلى  السلطة وللمبدأ الذي قامت عليه هذه السلطة (الحركة التسطيحية، عفواً التصحيحية)، ولكن مع الوعي الكامل بأنه لا يملك مشروع نهضة أو حل وأن سلفه كان بالدرجة الأولى مخرب كبير عن قصد أو غير قصد. نعم، أميل بقوة للاعتقاد بأن سيد قصر الروضة الحالي ليس عنده أوهام كبيرة حول الرصيد الحقيقي لسلفه الكبير.

إذن هاكم مقترح يا أهل الشام (على طريقة سعد الله ونوس وأمير قلعته سيء الحظ) : تنظيم مظاهرة كربوجة في دمشق من 250 شخص فقط، يحملون تسعة أعلام حمراء (علم جمهورية الأسد) مقابل كل علم أخضر (علم القوتلي) ويرفعون راية تقول بكل أدب: لاقيلها حل يا قبضاي، يا مسلم، يا معدل، يا أبو حافظ؛ زكاتك.

وأنا أقول لكم يا أهل الشام إذا ما بتنحل وقتها المشكلة بدقائق، اقطعوا رأسي انتقاماً، أنتم وأهل دوما وداريا ودارة عزة. فداكم.