on
Archived: عمر قدور: هل بدأ وداع أوباما؟
عمر قدور: المدن
لا تتضمن الوثيقة الاعتراضية التي أعدها 51 دبلوماسياً في الخارجية الأميركية نقاطاً استراتيجية هامة، فالاعتراض فيها على سياسة أوباما في سوريا لا يصيب جوهر سياسته، بقدر ما ينتقد ضعف الأساليب المتبعة لتحقيق الهدف الذي حدده أوباما بنفسه. وانطلاقاً من هذا الهدف لا تُظهر الوثيقة بوضوح ما إذا كان اتباع نهج مغاير للهدف يتم عن عمد، بما يعني أن السياسة الفعلية تذهب في غير اتجاه تلك المعلنة، أو أن الأمر عائد فقط إلى ضعف أو تخبط في السياسة الخارجية؟
الوثيقة، المكتوبة بسقف متدنٍّ من الاعتراض، لا يصعب تفنيدها من قبل أوباما وفريقه المقرّب، لأنها في الأصل مُصاغة على نحو ضعيف، أو على طريقة كتاب رأي من الدرجة الثانية بحسب وصف رئيس تحرير المدن، الزميل ساطع نور الدين. أما حدود التأثير التي يتوخاها الموقعون فقد تتدنى بدورها لتتوقف عند إرسال إشارة لوزيرتهم السابقة هيلاري كلينتون، بخاصة لأن الأخيرة ستبدأ قريباً التفكير في اختيار طاقمها الموسع الذي سيكون جاهزاً في حال فوزها في انتخابات الرئاسة. ولا يُستبعد أن يكون قسم كبير من موقعي الوثيقة من طاقم كلينتون في الوزارة أصلاً، بعد تسوية الحزب عام 2008 التي أتت بها وزيرة إثر سباق انتخابي شرس بينها وبين أوباما، وقد يكون مفيداً التذكير بأن مراكز القوى التقليدية في الحزب الديمقراطي كانت آنذاك ميالة إلى كلينتون قبل أن تنصاع لإرادة ناخبي الحزب في اختيار أوباما، على نحو أقل صخباً مما جرى في حالة الحزب الجمهوري ومرشحه ترامب في الأشهر الماضية.
لكن ليس متوقعاً أيضاً أن ترد إدارة أوباما على وثيقة موظفيها فتفنّدها بطريقة جادة، ما قد يدعو أصحابها إلى الدفاع عن موقفهم وحصول جدل غير مرغوب فيه. إذ يمكن لأي متابع، وليس فقط لدبلوماسيين محترفين، تفنيد العديد من أكاذيب مسؤولي الإدارة الكبار حول كلفة إقامة منطقة حظر طيران، أو صعوبة الضغط عسكرياً على نظام بشار، فما كان صحيحاً قبل وجود الطيران الأميركي في سوريا، وعملياته شبه اليومية ضد داعش، لا يصح بعده. بمعنى أن المستلزمات التقنية لحظر الطيران صارت موجودة تلقائياً، والقدرة على توجيه رسائل عسكرية لبشار صارت متاحة في أية لحظة من دون تحريك قوات أميركية إضافية، وهذا ما تتجاهله الوثيقة عمداً، ويصعب القول بأنه يغيب عن بال واضعيها.
بالتأكيد، الاعتبارات الأخلاقية ليست في مقدمة اهتمامات واضعي الوثيقة، وإلا كان ينبغي منذ سنوات أن ينتبه أصحابها إلى معاناة السوريين ويتخذوا موقفاً إزاء سياسة إدارتهم. إذاً التوقيت هو الأهم، فضلاً عن ذلك الجدل الأميركي الداخلي حول هيبة أمريكا، وحول أداء أوباما الذي قدم لبوتين هدايا مجانية لم يكن ليحلم بها بوجود رئيس أميركي آخر، فضلاً عن الهدايا التي قدّمها لإيران بدءاً من العراق من أجل إقناعها بالتوقيع على الاتفاق النووي. الملف السوري تفصيل صغير ضمن اللوحة الكاملة، وقد يكون من بين الملفات الأقل أهمية حقاً بالنسبة للأميركيين، لكنه أيضاً، وبسبب داعش، مدخل لنقاش في السياسة الخارجية ككل، النقاش الذي قد يحتدم في الحملة الرئاسية بين مرشحي الحزبين، ولا تريد كلينتون ومن خلفها الحزب تحمل مسؤولية سياسة أوباما بالمطلق.
الأكيد أن الأوبامية تعيش أيامها الأخيرة، سواء كان الواصل إلى البيت الأبيض جمهورياً أو ديمقراطياً، وهي لم تكن أساساً النهجَ التقليدي للحزب الديمقراطي على صعيد السياسة الخارجية. يُضاف إلى ذلك اعتماد الأوبامية على أوباما نفسه، مع عدد محدود من طاقمه ومستشاريه، من دون أن يكون لأحد منهم وزن يُعتد به في الحياة السياسية الأميركية، وهذا ما يفسّر إقصاء كلينتون من وزارة الخارجية على خلفية عدم قبولها أن تكون مجرد موظف كبير يأتمر بتعليمات الرئيس. مع أوباما يكاد المتابع أن ينسى وجود مسؤولين كبار مثل نائب الرئيس، أو مستشاره لشؤون الأمن القومي، باستثناء جون كيري الذي يبدو أنه فهم جيداً درس هيلاري كلينتون، واقتنع بمنزلة الموظف الذي لا يرى حرجاً في التراجع عن تصريحاته كلما بدل الرئيس رأيه ولم يخبره بذلك.
التخلي الصارخ عن أوباما، أو الدفاع المطلق عن سياساته، أمران ليس فيهما مصلحة للحزب ومرشحته في الانتخابات المقبلة، ولن يكون مستبعداً من الآن حتى انطلاق انتخابات الرئاسة في شهر نوفمبر تشرين الثاني ظهور انتقادات من خارج الدائرة المقربة لأوباما. هذا التوجه يحكمه اعتباران، أولهما التنصل من سلبيات سياسة أوباما الخارجية، بخاصة التقليل من هيبة أميركا الخارجية، أمام الحملة الجمهورية، وثانيهما يتعلق باسترجاع السياسة الخارجية الديمقراطية التي التزمت النشاط الدبلوماسي مع عدم استبعاد الخيار العسكري، والتي كان عهد بيل كلينتون أفضل تمثيل لها.
لذا سيتعين على أوباما في الأشهر الأربعة القادمة أخذ خيارات الحزب في الاعتبار، وفوق ذلك أخذ توجهات منافسته السابقة اللدودة في الحسبان، وسيكون من الصعب جداً استمراره في الانفراد برأيه والتعنت فيه، إلا إذا سجل سابقة في تغليب شخصه على مصلحة حزبه. ثمة عامل آخر يخص الناخب الأميركي عموماً، فقد جرب الأميركيون سياستي جورج بوش وأوباما اللتين كانتا على طرفي نقيض، وربما حان الوقت لاكتشاف الأثر المتشابه لكل منهما، حتى على صعيد التفريط بهيبة الولايات المتحدة، وهذا ما قد يجعل وداع أوباما لا يحمل من الأسف أكثر مما حمله وداع سلفه جورج بوش.
اقرأ:
عمر قدور: العجز السوري المتدحرج