Archived: عبداللطيف التركي :الصفقة المنتظرة بين روسيا والولايات المتحدة لرحيل (بشار الأسد)

عبداللطيف التركي : التقرير

الحديث الذي أدلى به رئيس النظام السوري، لقناة (إس.بي.إس) الأسترالية التلفزيونية، كشف عن الكثير من الأمور حول تراجع الدول الغربية عن مطالبتها برحيله، أو إسقاط نظامه كما كانت تنادي منذ خمس سنوات، رغم ما ارتكبه “الأسد” من جرائم لا تقل عن جرائم الحرب التي ارتكبها رادوفان كراديتش وقادة حرب الصرب، ولا جرائم رواندا وبورندي، “بشار الأسد” قال -في مقابلته- إن الدول الغربية في أشد الحاجة إليه وإلى نظامه، وإنها تتعاون معه “سرا”، واستفادت منه ومن نظامه، وقال إن الدول الغربية أرسلت مسؤولين أمنيين لمساعدة حكومته سرا في محاربة “المتشددين الإسلاميين” المشاركين في الحرب الدائرة في البلاد.

خدمات “بشار” للغرب

“بشار الأسد”، أكد أن الدول الغربية -التي تعارض علنا حكمه، تواجه خطر وقوع هجمات يشنها إسلاميون على أراضيها- ومن ثم هي تتعاون سرا مع حكومته في عمليات مكافحة الإرهاب، ووفقًا لوكالة الأنباء السورية الرسمية التي نقلت عن “الأسد” قوله: “إنهم يهاجموننا سياسيا ومن ثم يرسلون لنا مسؤوليهم للتعامل معنا من تحت الطاولة وخاصة مسؤوليهم الأمنيين بما في ذلك الحكومة الأسترالية”، وأضاف “جميعهم يفعل هذا فهم لا يريدون إزعاج الولايات المتحدة وفي الواقع فإن معظم المسؤولين الغربيين يكررون فقط ما تريد الولايات المتحدة منهم قوله”.

مجرم الحرب .. حر طليق

ومن ثم فإن الولايات المتحدة، والدول الغربية، التي كانت تنادي برحيل الأسد قبل 5 سنوات، في حاجة إليه وإلى نظامه، ولذلك هي خضعت للموقف الروسي الداعم بقوة لبشار الأسد، ولم يعد “بشار” مجرم حرب قتل 300 ألف من شعبه وشرد 7 ملايين سوري، وفقا لبيانات الأمم المتحدة، ولا تريد أن يقبض عليه ويحاكم كمجرم حرب أمام محكمة لاهاي مثل قادة صرب البوسنة، ولذلك لم يعد الرئيس أوباما يذكر في تصريحاته رحيل الأسد، ولا نهاية نظامه القمعي.

“أوباما”.. ومصير “القذافي”

“أوباما”، الذي أوشك أن يغادر البيت الأبيض، لا يريد أن يرحل “بشار الأسد”، كما رحل “معمر القذافي”؛ فقد انتقد في حواره مع مجلة “ذي أتلنتيك”، رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي بشأن الإطاحة بالقذافي، وقال “أوباما” -في المقابلة الصحفية- إن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون كان “شارد الذهن” في حين كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يبحث عن الظهور، عند تنفيذ التدخل العسكري الذي أطاح بنظام الراحل العقيد معمر القذافي عام 2011، وصرح أوباما أن الظروف التي نفذ فيها تحالف بقيادة فرنسا وبريطانيا، قبل أن يتولى الناتو الأمر في 2011، غارات جوية على ليبيا أدت إلى الإطاحة بنظام القذافي، وانهيار الدولة الليبية، وأشار إلى أن الدولة الليبية انهارت منذ ذلك التاريخ وأصبحت مليشيات مسلحة متنافسة تتناحر على السلطة، مضيفا أن تنظيم “داعش” استفاد من الوضع ليوسع نفوذه في البلاد، وقال الرئيس الأمريكي إن ليبيا غرقت في الفوضى، قائلا: “عندما أتساءل لماذا ساءت الأمور، أدرك أني كنت أثق بأن الأوروبيين، بفعل قربهم من ليبيا، سيكونون أكثر انخراطا في متابعة الوضع بعد التدخل”.

أنظمة حكم مستبدة

هذا التحول في الموقف الغربي من “بشار الأسد”، يؤكد بجلاء أن الدول الغربية تبحث عن مصالحها، كما تفعل روسيا، وأن مصالح أوروبا والولايات المتحدة في وجود أنظمة حكم مستبدة، تحكم دول الشرق الأوسط، وهو ما تريده “إسرائيل”، التي تتباهى بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة وسط غابة من الأنظمة الديكتاتورية، وكان فرضا لازما أن تساند الأنظمة المستبدة ودعم غربي-إسرائيلي، الانقلابات العسكرية، ووأد المسار الديمقراطي في مصر، وإعادة استنساخ نظام “بن علي” في تونس، وإدخال ليبيا واليمن في دوامة الصراعات والحرب الأهلية، والإبقاء على نظام بشار الأسد في سوريا.

مقاتلات ومستشارون وقواعد عسكرية

روسيا مستمرة وبقوة في دعم نظام بشار، وأنشأت قواعد عسكرية في المناطق التي ما زالت تحت سيطرة قوات بشار، ومقاتلاتها تضرب بقوة المعارضة السورية المسلحة أكثر مما تستهدف “تنظيم الدولة”، والمستشارون العسكريون الروس هم الذين يقودون المعارك مع الإيرانيين وحزب الله اللبناني والحرس السوري، وتؤكد موسكو أنها لن تسمح بسقوط نظام بشار لأنه لا يوجد البديل، وهو الكلام نفسه الذي قاله “أوباما” في حواره لمجلة “ذي أتلنتك” عن الخطأ في سقوط نظام القذافي، ولكن هل فعلا سيصمد بشار الأسد؟ وهل يستمر حتى في ظل تراجع موقف الولايات المتحدة منه والدعم الروسي؟

 في أروقة الكرملين

مصادر مطلعة على اتجاهات التفكير في أروقة الكرملين تقول إن روسيا ستؤيد ترك الرئيس السوري بشار الأسد لمنصبه، لكن هذا لن يحدث إلا عندما تصبح على ثقة أن تغيير القيادة لن يؤدي إلى انهيار الحكومة السورية، وأضافت المصادر أن ذلك قد يستغرق سنوات قبل أن يتحقق وأن روسيا مستعدة خلال تلك الفترة لمواصلة دعمها للأسد بغض النظر عن الضغوط الدولية لإبعاده عن مقعد القيادة في سوريا.

فوبيا الإسلاميين

السير توني برنتون، السفير البريطاني السابق لدى روسيا، قال لوكالة “رويترز”: “روسيا لن تقطع صلتها بالأسد إلى أن يحدث أمران؛ أولا حتى تصبح على ثقة أنه لن يتم إبداله بشكل ما من أشكال سيطرة الإسلاميين، وثانيا حتى تضمن أن قدرة وضعها في سوريا وحلفها وقاعدتها العسكرية على الاستمرار”، وتقول مصادر متعددة في مجال السياسة الخارجية الروسية إن الكرملين الذي تدخل العام الماضي في سوريا لدعم الأسد يخشى حدوث اضطرابات في غيابه، ويعتقد أن النظام أضعف من أن يتحمل تغييرا كبيرا كما يعتقد أن من الضروري خوض قدر كبير من العمليات القتالية قبل أي فترة انتقالية.

ما الداعي لتغييره؟

“إيلينا سوبونينا”، محللة شؤون الشرق الأوسط في المعهد الروسي للدراسات الإستراتيجية في موسكو والذي يقدم المشورة للكرملين، تقول: “لا أرى أية تغييرات الآن” في موقف روسيا بشأن الأسد “فالموقف هو نفسه، وما الداعي لتغييره؟”، وعلى النقيض تشير وسائل الإعلام الرسمية التي تسير على نهج الكرملين إلى أن روسيا تضاعف بدلا من ذلك رهانها على الأسد وتحاول سد المنافذ أمام أية محاولات أمريكية لبحث مستقبله.

الانفصال عن الواقع

“بشار الأسد”، انتقد الساسة البريطانيين بسبب سماحهم بالتصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي قائلا: إن “المشرعين الذين انتقدوا تعامله مع الحرب الأهلية أظهروا أنهم “منفصلون عن الواقع”، وقال: “هؤلاء المسؤولون الذين كانوا يقدمون لي النصيحة بشأن كيفية التعامل مع الأزمة في سوريا ويقولون “على الأسد أن يرحل وإنه منفصل عن الواقع”، أثبتوا أنهم هم المنفصلون عن الواقع”، وتابع قوله -في مقابلة مع قناة (إس.بي.إس) الأسترالية التلفزيونية-: “وإلا ما كانوا دعوا لهذا الاستفتاء. أسميهم في بعض الأحيان ساسة من الدرجة الثانية”، وعندما سئل عن التأثيرات المحتملة لهذا القرار على سوريا قال الأسد إن حكومة بريطانيا الجديدة ربما تكون لديها “سياسة جديدة قد تؤثر علينا إيجابيا لكن لا يحدوني الكثير من الأمل في هذا الصدد”.

قاتل شعبه

بريطانيا وحكومات غربية، اتهموا “الأسد” وأنصاره بارتكاب فظائع خلال الحرب الأهلية التي قتل خلالها 300 ألف شخص على الأقل بينما تشرد أكثر من 7 ملايين داخل البلاد واضطر 4.8 مليون شخص للهرب وسعى كثيرون منهم للهجرة إلى أوروبا، وكان القلق من عدد المهاجرين الذين يدخلون بريطانيا من العوامل الرئيسية التي استغلها مؤيدو حملة الخروج من الاتحاد خلال حملتهم.

لا .. ضغوط دولية

لكن، مصادر مطلعة على اتجاهات التفكير في أروقة الكرملين، قالت إن روسيا ستؤيد ترك الرئيس السوري بشار الأسد لمنصبه، لكن هذا لن يحدث إلا عندما تصبح على ثقة أن تغيير القيادة لن يؤدي إلى انهيار الحكومة السورية، وأضافت المصادر أن ذلك قد يستغرق سنوات قبل أن يتحقق وأن روسيا مستعدة خلال تلك الفترة لمواصلة دعمها للأسد بغض النظر عن الضغوط الدولية لإبعاده عن مقعد القيادة في سوريا، ومن المرجح أن يؤدي مثل هذا التأييد الجازم إلى مزيد من التعقيد في مباحثات السلام المتعثرة مع خصوم الأسد ويفسد العلاقات مع واشنطن التي تريد رحيل الزعيم السوري.

محادثات السلام الفاشلة

وتشترك روسيا والولايات المتحدة في رعاية محادثات السلام بين الأطراف المتحاربة في الحرب السورية. وقد تحاشت تلك المحادثات المتوقفة حاليا التطرق إلى مسألة ما إذا كان اتفاق السلام سيتطلب رحيل الأسد حتى يمكن أن تبدأ المفاوضات من الناحية النظرية رغم التباين في مواقف موسكو وواشنطن.

آمال الغرب

وكانت موسكو قد أشارت إلى أن تأييدها للأسد له حدود. وقال دبلوماسيون روس إن الكرملين يؤيد الدولة السورية وليس الأسد بصفة شخصية، كما قال الرئيس فلاديمير بوتين إن النظر في الأسلوب الذي يمكن به إشراك المعارضة في هياكل الحكومة السورية أمر يستحق العناء، وغذت هذه الآراء آمال الغرب في مساعدة روسيا في الوساطة لخروج الأسد عاجلا لا آجلا، غير أن مصادر وثيقة الصلة بالكرملين تقول إنه لا توجد بوادر قوية على أن روسيا مستعدة لإبعاده قريبا.

رسالة إلى واشنطن

“ديمتري كيسليوف”، مقدم برنامج إخباري تلفزيوني أسبوعي رئيسي، قال إن الزيارة المفاجئة التي قام بها وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويجو، لسوريا كانت رسالة إلى واشنطن للتوقف عن محاولة الضغط على موسكو بسبب الأسد، وقال كيسليوف المعروف أنه من الصحفيين المفضلين لدى بوتين: إن “زيارة شويجو ولقاءه مع الأسد رسالة مؤكدة من روسيا”، وأضاف “فمن يا ترى يريد الأمريكيون أن يرونه محل الأسد؟ لم يفسر أحد في واشنطن بمن فيهم أوباما هذا الأمر”.

فترة طويلة للخروج ببديل

فيودور لوكيانوف، خبير السياسة الخارجية المقرب من الكرملين، والذي يتولى تحرير المواد الخاصة بروسيا في نشرة جلوبال أفيرز، قال إن حديثا دار داخل الحكومة الروسية عن مستقبل الأسد وإنه يعتقد أنه تم التوصل إلى ترتيبات لوضعها موضع التنفيذ في يوم من الأيام، لكنه قال إن موقف روسيا في الوقت الحالي هو التريث لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور، وإن الكرملين يريد أن يعرف أولا من سيصبح الرئيس التالي للولايات المتحدة، وإن الأمر سيتطلب فترة طويلة للخروج ببديل مقبول للأسد، وأضاف لوكيانوف “كيف لنا أن نعرف أن النظام كله لن ينهار إذا أبعدناه، هذا الخطر قائم”.

تنظيم الدولة الإسلامية

روسيا، تقول إن آلاف الروس ومواطني الاتحاد السوفيتي السابق يقاتلون في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية وإن من الضروري هزيمتهم في سوريا والعراق للحيلولة دون عودتهم إلى البلاد لشن هجمات، ويصف الكرملين الأسد الذي كان والده الرئيس السابق حافظ الأسد حليفا لموسكو في العهد السوفيتي بأنه شريك رئيسي في تلك المعركة، وقال أندريه كورتنوف، المدير العام للمجلس الروسي للشؤون الدولية، وهو مركز في موسكو لأبحاث السياسة الخارجية تربطه صلات وثيقة بوزارة الخارجية الروسية: إنه لا يوجد تعاطف كبير مع الأسد شخصيا داخل دوائر السياسة الخارجية الروسية، غير أنه قال إن موسكو عليها أن تهيئ نفسها كطرف مهم منتصر وإن الأسد جزء من تلك المعادلة في الوقت الحالي، وأضاف “عليك أن تتذكر الوجه الآخر للعملة؛ فروسيا مهمة لأن لها علاقات مع النظام السوري ولذلك إذا تمت التضحية بتلك العلاقة فربما لا تصبح طرفا بعد ذلك”.

الصفقة المنتظرة

“تارجا كرونبرج”، الخبيرة في الشؤون الروسية، والتي كانت من قبل وزيرة في الحكومة الفنلندية، قالت إن روسيا قد توافق على صفقة بشأن خروج الأسد يتم فيها الاحتفاظ بأجزاء رئيسية من هيكل الدولة والنخبة السياسية وفي الوقت نفسه دمج ساسة المعارضة، غير أن التوصل إلى ترتيبات تجمع بين هذين العنصرين لن يتأتي بسهولة أو بسرعة، وأضافت “السؤال في الواقع هو كيفية خلق الاستقرار والتغيير في الوقت ذاته”.

“توني برنتون”، السفير البريطاني السابق، يقول إن دور الأسد في مواجهة التطرف الإسلامي يطغى على كل شيء آخر، وأضاف “بالنسبة لهم فالأسد رغم كل مساوئه وكل دمويته وكراهته أفضل من سقوط بلد آخر في أيدي الإسلاميين”.