Archived: حسن فيروز آبادي رئيس الأركان الذي راح ضحية تمرد الأقليات

التاريخ الطويل والتصريحات النارية كلها لم تشفع لرئيس الأركان الإيراني لدى خامنئي فما يحدث غرب وشرق البلاد بدأ يؤرّق صناع القرار الإيراني.

تبدو إيران من الخارج أشبه بالرمّانة المغلقة التي لا يعرف ما في داخلها. فالجمهورية التي يحكمها مرشد الثورة وحرسه الثوري بقبضة حديدية، قلّما انتشرت أخبارها الداخلية خارجياً، إلا أن تلك القشرة الخارجية التي تحيط بها آخذة بالتآكل شيئاً فشيئاً مع أحداث كبيرة بدأت تقع بين حين وآخر، وتترك آثارها على المشهد الإيراني.

يزاح أشخاص من مناصبهم ويؤتى بأشخاص من عالم الظلّ أحياناً ليتصدروا المشهد ثم لن يلبثوا أن يختفوا فجأة بعد فترة، يحدث هذا بشكل متكرر في جمهورية المرشد التي لا يكف القابضون على السلطة فيها عن الحديث عن استقرارهم الداخلي بل والذهاب أبعد من ذلك للحديث عن دولتهم الديمقراطية التي يتساوى فيها الجميع.

وقد دفعتهم أكاذيبهم المتكررة تلك لتصديق أنفسهم مرات كثيرة، فأبدى الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني في أكثر من مرة استعداد بلاده لمساعدة الدول الأخرى في تطبيق الديمقراطية على الطريقة الإيرانية، تماماً كما تقوم إيران بتصدير”التسامح الإسلامي” بصور متعددة عبر ميليشياتها الطائفية المنتشرة في عدد من البلدان، والتي ترتكب أبشع الجرائم حيثما حلت.

إزاحة الرجل القوي

تصدر خلال الأيام الماضية خبر الإطاحة برئيس الأركان الإيراني حسن فيروز آبادي العناوين الرئيسة ليطغى على التفاصيل، فقد عيّن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي الجنرال محمد باقري، مساعد شؤون الاستخبارات في هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية، رئيساً للأركان بدلا من اللواء حسن فيروز آبادي، الذي أقيل عقب تصاعد الاضطرابات والمواجهات المسلحة بين الحرس الثوري وتنظيمات قومية مسلحة في كل من إقليمي كردستان وبلوشستان غرب وشرق البلاد.

فيروز آبادي الذي اعتبر، ولسنوات، رجل خامنئي القويّ هو من مواليد فبراير في العام 1951 في مشهد، بدأ حياته التعليمية في مدينة مشهد مسقط رأسه. ثم تخرج في جامعتها في العلوم الطبية باختصاص الطب البيطري.

وبعد ثورة الخميني انضم إلى الحرس الثوري، وشارك في الحرب العراقية-الإيرانية. وقد شغل منصب رئيس الأركان على مدى 27 عاما منذ عام 1989، و نال وسام الاستقلال من الدرجة الرفيعة من رئيس الجمهورية عام 2008.

يعتبر فيروز آبادي من أكبر الداعمين للتدخل العسكري الإيراني في سوريا، فهو ينظر إلى ما يحدث في سوريا على أنه بداية للحرب مع “الصهاينة”، كما يقول، بل إنه وفي أعقاب الهجوم الذي نفذته قوات النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيميائية صيف العام 2013 في غوطة دمشق، انبرى ليدافع عن النظام بقوة ويبرّئه من تلك الجريمة. معتبراً أنها ليست سوى ذريعة أميركية واهية لاستهداف محور الممانعة ومقاومة الصهيونية.

حلب والفلوجة

بعد سلسلة الهزائم التي تعرضت لها قوات النظام السوري والميليشيات المقاتلة إلى جانبها في عدد من المناطق، قالت وسائل الإعلام إن فيروز آبادي توجه شخصياً إلى سوريا للإشراف على المعارك وإعادة ترتيب الأمور هناك. خاصة بعد أن فقدت إيران عدداً من أهم جنرالاتها خلال المعارك مع قوات المعارضة السورية وتحديداً حول مدينة حلب، كما أنه يعتبر من أكثر المؤيدين للتدخل الإيراني المتواصل في العراق، وينظر إليه بوصفه انتصاراً لمبادئ الثورة الإيرانية، حسب تعبيره.

وفي آخر ظهور إعلامي له قبل أن تتم إقالته من منصبه اعتبر فيروز آبادي دخول القوات العراقية المدعومة بميليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران مدينة الفلوجة مدخلاً لإنقاذ البشرية من شر تنظيم داعش. بل إنه ذهب أبعد من ذلك ليقول إن تحرير الفلوجة يعد انتصارا معجزة لأبناء الإسلام في العراق وانتصاراً من انتصارات الأمة الإسلامية، ليهنئ بعدها المرجعية الشيعية في العراق بهذا “الانتصار”.

ولا يخفي فيروز آبادي شأنه شأن باقي القادة الإيرانيين عداءه الشديد لدول الخليج العربي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، التي ينظر إليها بوصفها تعيش في الماضي وهي دولة رجعية، وخاصة في ما يتعلق بمطالبتها برحيل الرئيس السوري المنتخب عبر صناديق الاقتراع، وأن أيّ مطالبة برحيله هي مطلب “صهيوني”، ومطلب غير ديمقراطي ورفض لسيادة الشعب الذي انتخبه. فيروز آبادي يرى من جانبه أن الخليج العربي كله “ملك لإيران” ولا بد من استعادته كاملاً.

ولكن ذلك التاريخ الطويل والتصريحات النارية كلها لم تشفع لفيروز آبادي لدى المرشد فما يحدث غرب وشرق البلاد بدأ يؤرّق صناع القرار الإيراني ولا يجب الفشل أو التهاون فيه، فما الذي يحدث هناك في جمهورية المرشد؟

بعد تكتم استمر طويلاً، اعترفت وسائل إعلامية إيرانية منتصف شهر يونيو الماضي بمقتل ضابط من قوى الأمن الداخلي وخمسة مسلحين، خلال اشتباكات دامية وقعت بين الأمن الإيراني ومجموعة بلوشية مسلحة بمدينة خاش، التابعة لإقليم سيستان وبلوشستان شرق البلاد، إضافة إلى مقتل خمسة أعضاء من منظمة بيجاك الكردية خلال اشتباكات مماثلة مع الحرس الثوري غرب إيران.

التفكك القومي يقلق المرشد

لكن مصادر إعلامية مطلعة أكدت سقوط وإصابة ما لا يقل عن 155 عنصرا من الحرس الثوري بينهم 60 قتيلا في مواجهات مع بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني غرب البلاد، فضلا عن سقوط قتلى من قوات الأمن والحرس الثوري في الاشتباكات الأخيرة مع مجموعات بلوشية مسلحة.

وقد اعتبر قائد القوة البرية في الحرس الثوري الإيراني، كما نقل موقع “العربية”، أن حوالي 60 بالمئة من الحدود الإيرانية مهددة من قبل المجموعات المعارضة المسلحة، في إشارة إلى تصاعد مطالب القوميات غير الفارسية المضطهدة ضد الحكومة المركزية في إيران بين المظاهرات والاحتجاجات السلمية في كل من أذربيجان والأهواز، وبين عمليات مسلحة في كلّ من بلوشستان وكردستان، والتي تقابل دائماً بالحلول الأمنية والقمع بالقوة المفرطة التي وصلت في الكثير من الأحيان إلى حد القصف بالمدفعية بدل الاستجابة للمطالب الشعبية بمنح هذه القوميات حقوقها الأساسية. كل ذلك جعل خامنئي يبدي قلقه من” التفكك القومي”، ويتهم “الأعداء” بالعمل على مخططات لخلق الانشقاقات الداخلية في إيران. فما هي القنبلة التي يخشى خامنئي انفجارها؟

العنصرية الفارسية الحاكمة

تضم إيران عدة قوميات أهمها الفرس والترك والكرد والعرب والتركمان واللور والجيلان. ولا تتعدى نسبة الفرس 40 بالمئة تقريباً من جملة السكان في إيران.

ويقول نشطاء القوميات غير الفارسية إن السلطات المركزية الفارسية تقوم بممارسة سياسة التفريس حيالهم منذ ثمانية عقود بهدف إلغاء هويتهم. بينما تؤكد السلطات الإيرانية أنها لا تفرق بين مواطنيها على أساس القومية أو اللغة أو اللون أو المذهب، مبررة تعطيل بعض مواد الدستور الخاصة بضمان حريات وحقوق تلك الأقليات، باعتبارات الأمن القومي وظروف عدم الاستقرار الإقليمي التي لا تسمح بذلك في الوقت الحاضر، وهو الأمر المستمر منذ عقود طويلة، علماً أن الدستور الإيراني ينص في البندين 15 و19 على حق الأقليات في استعمال لغاتها في المجالات التعليمية والثقافية.

الدستور نفسه يحمل تناقضاً في الكثير من مواده. إذ تنص المادة 12 على أن المذهب الجعفري الإثني عشري هو المذهب الرسمي للدولة. كما تلزم المادة 121 رئيس البلاد بحماية هذا المذهب بكافة الوسائل. ويشترط الدستور أيضاً على من يتولى رئاسة الدولة أن يكون من أصل إيراني ويحمل الجنسية الإيرانية، ويكون مؤمناً ومعتقداً بمبادئ جمهورية إيران الإسلامية والمذهب الرسمي للبلاد، وهو ما يصادر حق المسلمين السنة من أكراد وتركمان وعرب وغيرهم في هذا المضمار.

السلطات الإيرانية تمنع عن أبناء القوميات غير الفارسية استخدام لغاتهم، وهم محرومون كلياً من أيّ نشاط سياسي أو ثقافي يعبّر عنهم، كما تمنع بناء أيّ مسجد للسنة بالعاصمة طهران رغم وجود كنائس ومعابد يهودية وحتى أماكن عبادة لأتباع الديانات الوثنية كالزرادشتية. علماً أن نسبة السنة في إيران تبلغ ما بين 15 و20 بالمئة من السكان وهم مقسمون إلى العرقيات الرئيسة الثلاث الأكراد والبلوش والتركمان، إضافة إلى العرب بإقليم خوزستان الأحواز العربي الذي كان يسمى عربستان قبل أن تحتله إيران عام 1925.

كما يشكل الكرد القومية الثالثة في البلاد بعد الفرس والأذريين، ويتركز وجودهم في جبال زاغروس على امتداد الحدود مع تركيا والعراق. وهم موزعون على أربع محافظات هي أذربيجان الغربية، كردستان، كرمنشاه و إيلام.

تخضع الأقليات في إيران لقوانين وممارسات تمييزية، بما في ذلك تقييد الوصول إلى المرافق الأساسية مثل الأراضي، والسكن والمياه والصرف الصحي ومصادرة الممتلكات، والحرمان من الخدمات العامة والحق في العمل في القطاع العام وشبه العام، ويعتبر استخدام لغات الأقليات في المكاتب الحكومية وفي التعليم في المدارس جريمة قد يعاقب مرتكبها بالحبس.

حانت ساعة الانفجار

وقد أكّد مقرر الأمم المتحدة لحرية العقيدة والأديان هاينر بيلفيدت، مؤخراً، أن جميع الأقليات الدينية في إيران تتعرض للاضطهاد، ولانتهاك حقوق الإنسان.

وقال بيلفيدت خلال ندوة عقدتها الأقليات الإيرانية على هامش الدورة الـ31 لمجلس حقوق الإنسان بجنيف في مارس الماضي، إن بعض الأقليات في إيران تعيش في الجحور، وإلا تعرضت لمختلف أنواع المضايقات والأخطار، بما في ذلك المسلمون السنة والمسيحيون. وأضاف بيلفيدت، أن الأقليات الأخرى تتعرض للقتل والسجن والمحاكمات الصورية الملفقة، وأن السلطات الإيرانية تقوم بحملات اعتقال جماعية ضدهم.

وتشير خارطة توزع الأقليات في إيران إلى أن جمهورية المرشد محاطة جغرافيا بأبناء الأقليات، فهم هامشيون في الحقوق وكذا هامشيون في الجغرافيا. بعيدون عن المركز، لكن ذلك قد يشكل تحدياً إضافياً لدولة الملالي في حال استمر القمع والتنكيل والتهميش. ما سيؤدي إلى انفجار بركان الأقليات والذي سيجعل إيران محاطة بالحرائق التي صنعتها بأيدي سياسييها المتطرفين على مدى عقود طويلة. وساعتها لن يكون كافياً عزل جنرال كان يشغل منصب رئيس أركان من منصبه والمجيء بجنرال آخر، بل ستكون إيران مفتوحة على كل الاحتمالات.