on
Archived: عمر قدور: الطائفة السورية في لبنان!
عمر قدور: المدن
إذا افترضنا ثبات الوضع السوري الحالي عشر سنوات أخرى، وإذا افترضنا وجود بيئة حقوقية لبنانية معاصرة تمنح اللاجئين السوريين حق اللجوء قانونياً وتمنحهم حق طلب الجنسية، خلال خمس سنوات مثلاً على غرار العديد من دول العالم، فلنا أن نتخيل حجم الطائفة السورية في بلد يعتمد منذ تكوينه الحديث على المحاصصة الطائفية. بالطبع ستكون الطائفة السورية هي الأكبر عدداً، وإذا تحالفت مع نظيرتها الفلسطينية فتشكلان ما لا يقل عن ثلث السكان، وربما حينها تُطرح صيغة المثالثة بصيغة مختلفة تماماً عما يُلوح به اليوم.
سيبدو هذا الافتراض ضرباً من اللامعقول، ودونه على الأقل حرب دموية تنخرط فيها كافة الأطراف المتضررة مباشرة من الطائفة السورية المتخيلة، بينما ستكون الأخيرة الأقل جاهزية لاستهلال تشكيلها بحرب من هذا النوع، مع أن ظروف تهميشها ستوفر بيئة مثالية للحرب على الطوائف “الشقيقة”. هنا سيتوقف الأمر على وجود قوة دولية أو إقليمية راغبة في تبني الطائفة السورية، لأسباب مذهبية أو جيوسياسية، وفي حال وجودها لن تنقضي الحرب قبل إقرار ميثاق لبناني جديد تنال فيه التمثيل الكافي، أو التمثيل المقبول مرحلياً في انتظار تعديله من خلال حرب أهلية قادمة.
نتفق جميعاً على أن ذلك لن يحصل، وسنجد لبنانيين متحمسين للحيلولة دونه أو دون أية مقدمات له، تارة تحت زعم وطنية لبنانية غير موجودة، وتارة تحت لافتة عدم تغيير الواقع الديمغرافي “المقدس”، ذلك الواقع الذي يصعب ابتلاع تغيره ولو طبيعياً من خلال تفاوت نسب الإنجاب. لكن الحماس اللفظي وحده غير كافٍ، ولا حتى الاستفادة الاستباقية من التجربة الفلسطينية في لبنان كافية للتخلص نهائياً مما تم تخيله في الاستهلال، ولا يُستبعد أن يؤرق نسبة عريضة من اللبنانيين الذين يسهرون على حماية لبنان من مشاريع التوطين، حقيقيةً كانت أو متخيلة.
لكننا إذ نتفق على عدم حصوله، حتى مع أولئك الذين يستخدمون مختلف أنواع العنف لمنعه، لا ننطلق من موقع واحد، ولا نملك الأفضلية على أولئك العنصريين، باستثناء الأفضلية الأخلاقية التي تكون دائماً أسهل ما يُلقى به من قبل الفاعلين الميدانيين. مثلاً، حجتنا في رفض السوريين التوطين وإصرارهم على حق العودة هي حجة نظرية تفقد قيمتها ومعناها مع مرور الزمن، وتفقد حتى قيمتها الراهنة من عدم توفر شروطها في المدى المنظور. أيضاً، الحجة القائلة بحماية لبنان من الزلزال السوري لا تبدو صالحة إلى ما لا نهاية، ولا ضمانة مستدامة في ما يخص السياسات الدولية إزاء المشرق العربي ككل، وإذا استُخدم لبنان في ما مضى كساحة لحروب أبنائه وحروب الآخرين فلا يُستبعد استخدامه ثانية وثالثة للمساهمة في دفع كلفة حروب مجاورة، بخاصة مع فقدانه باضطراد خصوصيته المذهبية التي كانت في أصل تكوينه.
ستكون الإشارة واجبة إلى رفض أي تعميم، باستثناء ذلك التعميم الجائز على فاعلين سياسيين يُظهرون توجهاتهم لفظاً أو سلوكاً، لأن الفئات الصامتة تماماً تكون خارج القياس والمقايسة، ولذلك كثيراً ما كان سلوكها وقت الأزمات مفاجئاً للتوقعات. بهذا المعنى، لا يجوز وصم اللبنانيين جميعاً نسبةً إلى شخصيات وتيارات سياسية لها أجنداتها ومصالحها، مثلما لا يجوز تجاهل ذلك التواطؤ بين معظم أفرقاء الطبقة السياسية عندما يتعلق الأمر بأي طارئ أو دخيل يهدد توازناتهم المحسوبة بدقة ديمغرافية. فقط بناء على تلك التوازنات، والخوف من مغبة فقدانها، يجوز التعميم ويصبح بلا معنى التعجب من توزع الطبقة السياسية بين عنصرية فاعلة إزاء السوريين وأخرى صامتة ومتواطئة.
ثمة خوف يُراد تعميمه، هو بالضبط الخوف من “الطائفة السورية” في لبنان، وأكثر الخائفين ضراوة إزاء السوريين هم أولئك الذين يخوضون الحرب ضدهم في سوريا أيضاً. حسن النية فقط يدفع إلى اعتبار الأمر مفارقة يمكن حلها بانسحاب أولئك من سوريا، أو بأنهم يستكملون بالاعتداء على السوريين في لبنان ما بدأوه في مختلف المناطق السورية. أما الواقع فمن المرجح أن يقول شيئاً آخر عن استكمال العدوان على السوريين، وهو استكمال يهدف في المقام الأول إلى ترحيلهم من لبنان، ومن ثم إبعادهم جغرافياً وسياسياً عن المنطقة بلا أفق يضمن عودتهم.
استقرار السوريين في لبنان يعني نجاح المخطط في سوريا وفشله في لبنان على المدى البعيد، هذا ما يجعل التضييق على اللاجئين السوريين ممنهجاً، وإن اتجهت الأنظار إلى أعمال العنف والاعتقالات الجماعية التي باتت أشبه بالتقليد المتكرر. بل إن إدانة تلك الممارسات الموسمية قد تكون موسماً آخر لجهة التطهر من عدم إدانة مستمرة للتضييق الممنهج، أو لجهة رميه على جهات تجاهر بعنصريتها دون تلك التي لها حصة رسمية في التضييق. لذا يقدم تنظيم داعش عنواناً مخادعاً، حتى في ذاك الجدل حول إلصاقه بالسوريين أو فصلهم عنه، لأن العنوان هو في مكان مختلف تماماً، وفي العواصم التي تقود مخططاً أودى بهم إلى لبنان “مؤقتاً”.
الرد على تلك العنصرية في الصميم من المرجح أن يكون قاصراً ما لم يلامس أو يخترق جوهر القضية، وهذا ما لا يتوافق مع سياسة النأي بالنفس المتبعة من مختلف الأطراف اللبنانية باستثناء حلفاء النظام. ثم إن العنصرية اللبنانية البينية لا تُقارَن إطلاقاً بالعنصرية إزاء السوريين، والفلسطينيين من قبل، فالمتضرر في هذه الحالة فئة مجردة تماماً من كافة الحقوق التي يتمتع بها اللبناني إزاء نظيره. يبقى الفارق بين الحالتين الفلسطينية والسورية، عدم وجود مساهمة لبنانية في صنع الكارثة الأولى، أما في الثانية فثمة مساهمة تتراوح بين قتل وتهجير السوريين وبين النأي بالنفس والتواطؤ على محاولة تهجيرهم من لبنان.
سيكون مؤسفاً القول بأن المسؤولية اللبنانية على كل ذلك تقتضي الإصرار على بقاء السوريين وتحصينهم حقوقياً في لبنان، وحتى تقبّلهم كطائفة مؤقتة، إذ من يدري ربما يكون تحقيق هذا الاحتمال على صعوبته أقرب من طريق حزب الله إلى القدس.
اقرأ:
عمر قدور: التخلص من (عبء) الوطن والحرية والتحرر معاً