on
Archived: ناشيونال إنترست: السياسة الأمريكية في سوريا.. إذا تمّ تدمير نظام بشار الأسد.. ما البديل؟
جيوبوليتيكال فيوتشرز& ناشيونال إنترست: ترجمة إيوان24
في الأسبوع الماضي، قدّم نحو 51 مسؤولًا بوزارة الخارجية الأمريكية مذكرة للرئيس احتجاجًا على السياسة الأمريكية في سوريا. ودعوا إلى شنّ ضربات جوية ضد نظام بشار الأسد، الذي زعموا أنّه انتهك جميع اتفاقات وقف إطلاق النار. من الناحية الظاهرية، هذا مطلب معقول ومنطقي تمامًا. لقد استولى بشار الأسد ووالده حافظ الأسد على السلطة في سوريا منذ عام 1970 من خلال القمع ونشر والإرهاب. ومن خلال الاعتماد على دعم الأقلية العلوية في سوريا، أنشأت عائلة الأسد قوة عسكرية وأمنية انتهكت كل معايير السلوك الإنساني القويم.
في عام 1982، قمع حافظ الأسد الاحتجاجات الشعبية في حماة وقتل ما بين 10 آلاف إلى 20 ألف شخص. وقام بشار بممارسة قمع وحشي مماثل في أعقاب انتفاضة عام 2011، وبدء الحرب الأهلية المستعرة الآن.
ليس هناك شكّ في أنَّ العالم سيكون مكانًا أفضل من دون الأسد. كما أنَّ قصف دمشق حتى يتم تدمير النظام هو أمر مرغوب فيه من الناحية الأخلاقية. وإذا كان القصف سيجبر الأسد على تغيير سياسته تجاه الثوار، فهذا القصف سيكون له قيمة هائلة.
لكنَّ المشكلة لها ثلاثة أبعاد. أولًا، هل سينجح مثل هذا القصف؟ ثانيًا، كم عدد المدنيين الأبرياء الذين سيُقتلون في هذا القصف، وكيف سيكون رد فعل أنصار الانتفاضة ومَن يطالبون بالتحرك لوقف وحشية الأسد تجاه هؤلاء الضحايا المدنيين؟ وأخيرًا، والأهمّ من ذلك، إذا أجبرت حملة جوية مكثّفة الأسد على الرحيل، كيف سيكون الوضع بعد الهجوم؟
بدءًا من هذا السؤال الأخير، نجد نموذج ليبيا حاضرًا أمام أعيننا. كان معمر القذافي في تنافس مع الأسد وصدام حسين على لقب السفاح الأكثر وحشية في المنطقة. ومع ذلك، انهار نظامه وقُتل في النهاية. ما تبع ذلك لم يكن تأسيس ديمقراطية ليبرالية يعلن فيها زعيم مثل الرئيس التشيكي السابق فاتسلاف هافل أو الرئيس البولندي السابق ليخ فاليسا عن تحرير الشعب. ولكن، ما أعقب ذلك كان استمرار الحرب الأهلية مع أشخاص لا يقلون شراسة من القذافي يتنازعون على السلطة، ومعاناة ليبيا من سنوات من الحرب والفقر.
سوريا، بالطبع، حالة مختلفة؛ إذ لا يمكن القول بأنَّ الأسد فرض النظام من خلال الإرهاب في سوريا. لقد أرعب الشعب دون الحفاظ على النظام. ومع ذلك، فإنّه من المفيد النظر فيما قد يعقب الضربات الجوية. هناك ثلاثة احتمالات. الاحتمال الأول هو أن الأسد سيوقف الحرب بعد صدمته من الهجمات. الاحتمال الثاني، أنّه قد يتعامل مع هذه الغارات الجوية ويواصل الحرب. الاحتمال الثالث، قد تكون الضربات الجوية فعّالة بحيث أنها ستؤدي إلى انهيار النظام.
النتيجة الأولى غير محتملة؛ فالأسد يقاتل من أجل حياته، وحياته تعتمد على ثقة الجيش في إرادته لتحقيق الفوز. يعرف الجيش أنّه إذا ما انهارت قوته، فمن المحتمل أن يُذبح الجنود على أيدي أعدائهم. وحتى هذه المرحلة، نجا النظام والجيش عن طريق الشراسة وإرادة استثنائية من أجل الاستمرار. ولذلك، فبمجرد أن يتنازل الأسد، يبدو أن إرادته ستنهار، وهذا من شأنها أن يعقبه انهيار نظامه وزوال الأسد نفسه. إنَّ الأسد في حالة مع عدم وجود حل وسط بين الحرب التي لا ترحم والهزيمة الكارثية. قد ينهار النظام والجيش، لكنهم لا يسمحون برؤية أنفسهم في موقف ضعف.
فكرة أنَّ الضربات الجوية ستجبر الأسد على احترام اتفاقات وقف إطلاق النار تفشل في فهم وضع الأسد. ولذلك، فإن الخيار الوحيد هو استخدام القوة الجوية لكسر النظام. ومع افتراض إمكانية حدوث ذلك، فإنَّ السؤال هو ما إذا كانت هذه فكرة جيدة أم لا.
ربما كانت هذه فكرة ممتازة في بداية الحرب الأهلية. لكن الآن هناك العديد من المتنافسين الشرسين على السلطة، وعلى رأسهم تنظيم الدولة الإسلامية. في الآونة الأخيرة، بدأ تنظيم الدولة الإسلامية التخلي عن الأراضي، وأرى أنَّ هذا يهدف إلى الحفاظ على القوات لهجوم مضاد استراتيجي قادم. وحتى لو كنت مُخطئًا، فلا يوجد أي دليل على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية حتى الآن.
في سوريا تواجه الولايات المتحدة وضعًا مشابهًا للوضع الذي واجهته في العراق. كانت هناك قوة شيعية وقوة سُنية، وكلاهما مُعادٍ للولايات المتحدة. في العراق، لم تتمكن الولايات المتحدة من محاربة كلا القوتين في وقت واحد. وكان تصاعد التوتر هو مجرد محاولة للتوصل إلى تفاهم سياسي مع زعماء السُنة واستخدام ذلك لفرض هدنة معيبة على الميليشيات الشيعية. وكانت محاولة محاربة كلا الجانبين في وقت واحد مستحيلة من الناحية الاستراتيجية نظرًا لحجم القوة التي تتطلبها هذه المعركة.
في سوريا، تواجه الولايات المتحدة نظام الأسد وتنظيم داعش، وكلاهما معادٍ للولايات المتحدة. وهناك مجموعة مختلطة من جماعات المعارضة، من مختلف المذاهب والقدرات. والروس والأتراك يلعبون لعبتهم بطريقتهم الخاصة. وذلك، فإذا تمّ تدمير نظام الأسد، مَن سيملأ الفراغ؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه المعارضون في وزارة الخارجية الأمريكية.
ما لم ترغب الولايات المتحدة في قتال داعش، وتحاول إعادة النظام لفوضى مقاتلي المعارضة وتحاول إدارة سوريا نفسها في وقت واحد، يجب على الولايات المتحدة تجنب انهيار النظام. المعارضون في وزارة الخارجية الأمريكية لا يطلبون تدمير الضربات الجوية للنظام ولكن إجباره على الموافقة على عقد هدنة. وأود أن أفترض أنهم يفهمون الفوضى المحتملة التي ستنجم عن ذلك. لكنَّ الضربات الجوية ليست الأسلحة الجراحية التي يراها البعض، ونتائج الضربات الجوية ببساطة لا يمكنها توقع ذلك بدقة.
ينبغي تقليل الحرب السورية إلى لعبة بين لاعبين. لدينا الأسد من ناحية، وتنظيم داعش من ناحية أخرى. خوض حرب مع كلاهما في نفس الوقت سيؤدي إلى عواقب وخيمة. كما ما أنَّ خوض حرب ضد أحدهما يبدو منطقيًا أكثر، طالما أنك تدمر القوة الأكثر خطورة أولًا. وبعد ذلك، يمكن أن تستسلم القوة الأخرى من تلقاء نفسها، أو، إن لم يحدث ذلك، على الأقل يمكنك التحكم في الوضع. السيطرة على وتيرة الحرب أمر ضروري، لأنها تسمح لك بنشر قواتك بحكمة. لكنَّ شنّ هجمات جوية على الأسد الآن يمكن أن يخلق وتيرة من شأنها هزيمة الولايات المتحدة
هناك مثال عظيم على القتال في حرب متتابعة؛ وهو قرار فرانكلين روزفلت للتحالف مع جوزيف ستالين. أدرك روزفلت وحشية هتلر وستالين، لكنه فهم أيضًا أنه إذا خاض حربًا ضدهما في وقت واحد فمن المرجح أن يخسر تلك الحرب. وأدرك أيضًا أن السماح لستالين بمواصلة القتال من شأنه أن يقود هتلر إلى نصر بتكلفة أقل بكثير للولايات المتحدة. ولذلك، اختار روزفلت أن يتحالف مع وحش من أجل هزيمة وحش مماثل ولكن أكثر خطورة.
وهذا قد يسبب بعض النتائج العكسية، ولكن أيًا كان الرئيس السوري بشار الاسد، فهو ليس ستالين. ليست هناك حاجة للتحالف مع الأسد، ومع ذلك، فإنَّ تدمير الأسد في هذا التوقيت سيكون سابقًا لأوانه. عند هذه النقطة، فإنَّ مرحلة ما بعد الأسد في سوريا ستؤدي إلى نتائج أسوأ من بقاءه على قيد الحياة. وإذا كنت تشك في ذلك، انظر إلى سقوط القذافي وصدام. بالتأكيد سيأتي الوقت الذي سنتعامل فيه مع الأسد، ولكن ليس الآن.
إنَّ الأشخاص الذين لا يأخذون في اعتبارهم الوضع الاستراتيجي الشامل قد يروا الضربات الجوية على نظام الأسد كدوافع أخلاقية. ولكن عند النظر إلى الوضع الاستراتيجي، هناك العديد من الضرورات الأخلاقية وجميعها يمكن التعامل معها في وقت واحد. يجب أن نأخذ نهج روزفلت تجاه ستالين بعين الاعتبار. ويجب ترتيب أولوياتنا، ومن ثمّ فإنَّ تنظيم داعش أكثر خطورة من الأسد الآن.
لقد حان الوقت للاعتراف بما هو واضح، والتخطيط وفقًا لذلك:
تواصل روسيا دمج كل جماعات المعارضة تحت مسمّى الحركات الإسلامية المتطرفة. وعلى الرغم من مناشدات واشنطن، أسقطت الطائرات الروسية في مناسبات لا تعد ولا تحصى القنابل علىوحدات الثوار الذين تمّ تدريبهم وتسليحهم، وتمويلهم من وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع الأمريكية. إذا كانت حكومة الولايات المتحدة قد تعلّمت أي شيء من الأشهر العشرة الماضية، فهو أنَّ موسكو لا تبحث عن سلام عادل في سوريا يتماشى مع إعلانات المجموعة الدولية لدعم سوريا. إنها، بدلًا من ذلك، تبحث عن سلام يناسب مصالحها ويضعها فوق مصالح الشعب السوري. وكلما ازداد ضعف حلفاء أمريكا من العرب السُنة على الأرض، أصبح موقف روسيا والأسد أفضل وأقوى.
لقد فشلت اتفاقيات وقف الأعمال العدائية، ولم يعد هناك وقف إطلاق النار في البلاد. في الواقع، لقد اتضح أنّه من الصعب تنفيذ أي نوع من الهدنة، حتى الهدنة المحلية. لقد انتهكت الحكومة السورية اتفاق وقف إطلاق النار في حلب بعد بضع ساعات فقط، وهو ما يعني أحد أمرين: 1) أنَّ موسكو لا تهتم باتفاق وقف إطلاق النار بالأساس، أو 2) يعتقد الأسد أنّه يمكنه قصف المناطق المدنية التي يسيطر عليها الثوار في حلب بغض النظر عما يقوله الروس. تعليقات وزارة الخارجية أنَّ الولايات المتحدة وروسيا تعملان على تعزيز اتفاق وقف إطلاق النار ليست سوى تعليقات.
يعتقد الأسد أنه ينتصر على أرض المعركة. كما أظهر الأسبوع الماضي خلال كلمته أمام البرلمان الجديد، أنّه لا يوجد لديه نية للتنازل عن سلطته للشعب الذي يصفهم بالإرهابيين والمتآمرين الأجانب. لقد منحته الأشهر العشرة من القصف الروسي نيابة عن جيشه الثقة في مواصلة سيطرته على الأراضي. وطالما أنَّ موسكو لا تأخذ المجموعة الدولية لدعم سوريا على محمل الجد، فإنَّ عميلهم السوري ليس لديهم أي سبب للتفاوض، وخاصة عندما يكون في أقوى مرحلة له منذ الصيف الماضي.
في النهاية، فشلت السياسة الامريكية في الضغط على الأسد للتخلي عن السلطة. إذا كان هدف إدارة أوباما في سوريا هو نفسه كما كان منذ بدء الحرب (إزالة الأسد وتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية)، فإنَّ البيت الأبيض بحاجة لتفكير طويل وجاد حول ما إذا كانت هناك حاجة إلى المزيد من القوة العسكرية الأمريكية لتحقيق هذا الهدف. وإذا كان الرئيس أوباما غير مستعدة لتكريس تلك الموارد العسكرية، لا بُدّ له من استغلال المكاسب الصغيرة بدلًا من السعي وراء أهداف بعيدة المنال
اقرأ:
ناشيونال إنترست: سياسات النفط والحرب على الإرهاب.. قراءة في أسباب الخلاف السعودي الروسي