Archived: ناشيونال إنترست: كيف جعل هتلر من روسيا قوة عظمى؟

ناشيونال إنترست: ترجمة إيوان24

بعد خسارة أكثر من عشرين مليون حالة وفاة عسكرية ومدنية في الحرب العالمية الثانية، روسيا لديها أسباب قليلة لكي تشكر هتلر.

يوافق اليوم الأربعاء، 22 يونيو، الذكرى الخامسة والسبعين لعملية بارباروسا، أو الغزو النازي للاتحاد السوفياتي، ولذا فقد حان الوقت لنذكر واحدة من أعظم المفارقات في التاريخ. كان هاجس أدولف هتلر هو تحويل روسيا إلى مستعمرة ألمانية واسعة والشعب الروسي إلى عبيد. وبدلًا من ذلك، احتل الجيش الأحمر نصف ألمانيا، وأصبح الألمان رعايا الإمبراطورية الروسية. عندما عبر أربعة ملايين من الجنود النازيين الحدود السوفياتية في الساعات الأولى من 22 يونيو 1941، كان حلمهم رؤية أبراج الكرملين، ولكنهم أطلقوا العنان لسلسلة من العواقب التي لا تزال تشكّل العالم اليوم.

من الحماقة الادّعاء بأنَّ روسيا لم تكن قوة عظمى قبل هتلر. الوفرة في الأراضي والموارد والسكّان، كانت روسيا قوة عظمى منذ القرن الثامن عشر على الأقل، قوة عملاقة بما يكفي لتدمير جيش نابليون (الذي اعتقد أيضًا أنَّ روسيا ستكون فريسة سهلة). ولكن بعد مرور أكثر من نصف قرن، فإنّه من الصعب أن نُقدّر تمامًا مدى اختلاف ميزان القوى العالمي آنذاك.

في أواخر الثلاثينات، كان الولايات المتحدة تمتلك جيشًا أصغر من جيش رومانيا. وكانت بريطانيا،التي لا تستطيع سفنها الحربية الإبحار في المياه الدافئة اليوم، تمتلك رُبع سطح الأرض، وكانت تُعدّ أقوى قوة بحرية في العالم. وكانت فرنسا، التي تشتهر بنكات الاستسلام في الحروب الآن، تمتلك أوقى جيش بري في أوروبا الغربية. وكانت ألمانيا، التي نادرًا ما يعمل جيشها اليوم، تروّع جيرانها منذ عام 1870.

ثمّ هناك روسيا، العملاق الشيوعي الغامض الذي يرزخ تحت وطأة عمليات التطهير الستالينية، العملاق ذو أقدام من الطين الذي قهر فنلندا (1939-1940). ليس فقط هتلر وجنرالاته هم الذين اعتقدوا أنَّ روسيا ستنهار مثل بيت من ورق، حتى الخبراء البريطانيين والأمريكيين لم يتوقعوا أن تصمد موسكو في الحرب الخاطفة التي شنّها هتلر. بعد مايو 1945، أفلست بريطانيا، ودُمرت فرنسا، والألمان شاهدوا الدبابات الروسية وهي تقعقع على أنقاض برلين. مثل ملاكم ينزف ولكن لا يزال منتصرًا، كانت روسيا هي الدولة التي ظلّلت واقفة على قدميها وأصبحت واحدة من القوتين العظمتين في العالم لأكثر من أربعين عامًا.

كيف كان سيكون شكل روسيا اليوم إذا لم تندلع حرب العالمية الثانية؟ ماذا لو ظلّ هتلر رسامًا فاشلًا في فيينا، أو مات إثر تفجير بواسطة قنبلة في إحدى حانات مدينة ميونيخ؟

دون بدء هتلر الحرب، لما أسس الاتحاد السوفيتي إمبراطوريته الأوروبية. لقد كانت بريطانيا وفرنسا من الدول المناهضة للشيوعية التي قصفت حقول النفط في روسيا في عام 1940 بعد أن وقّع ستالين على اتفاق مع هتلر، كما أرسل كلا البلدين قوات لدعم فنلندا. لم يكن من الممكن أن تظل بريطانيا فرنسا بلا حراك لولا تحرك الاتحاد السوفيتي إلى ألمانيا (والذي كان من الممكن أن يحدث في حال هزم السوفييت بولندا في الحرب الروسية البولندية لعام 1920).

جاءت نسبة كبيرة من الجيوش الألمانية في عملية بارباروسا من حلفاء المحور الذين انضموا بحماقة إلى “حملة هتلر الصليبية ضد البلشفية”، بما في ذلك رومانيا والمجر وبلغاريا وفنلندا (مجدر تخيّل القوات الإيطالية وهي تأكل المعكرونة في الثلج على مقربة من ستالينغراد لا تزال فكرة سريالية). غزو رومانيا والمجر وبلغاريا سمح للجيش الأحمر بتثبيت الأنظمة الشيوعية في تلك الدول، كما فعل تحرير (نعم، كان التحرّر من ويلات الحكم النازي) بولندا وتشيكوسلوفاكيا. وبعبارة أخرى، لا لهتلر ولا لحلف وارسو.

إنَّ حدود روسيا اليوم تبدو مختلفة. لقد نحت هتلر وستالين حدود بولندا في عام 1939، وبعد الحربضمّ الاتحاد السوفياتي معظم الأراضي البولندية التي استولى عليها في عام 1939، مع تعويض بولندا بمنحها بعض الأراضي الألمانية. لم تكن تلك الأراضي لتتغيّر لولا قيام الحرب، ولكانت بروسيا الشرقية جزءًا من ألمانيا اليوم بدلًا من روسيا.

صحيح أنَّ عملية بارباروسا دمّرت الصناعة والموارد الطبيعية لروسيا وأوكرانيا، وهو عجز أصبح جزئيًا فقط من خلال الإقراض والتأجير والنهب السوفياتي لألمانيا بعد الحرب. ضغط ستالين بلا هوادة للتصنيع في فترة الثلاثينات أدى إلى نمو الاقتصاد السوفياتي بمعدل كبير، وحوّل الاتحاد السوفييتي من دولة الفلاحين القيصرية إلى قوة صناعية كبرى قادرة على إنتاج ما يكفي من الأسلحة لهزيمة مدرعات هتلر. حتى مع وجود التناقضات الاقتصادية الشيوعية، كان من المثير للاهتمام أن نرى كيف كان من الممكن أن يُقارن الاقتصاد السوفياتي بالاقتصادات الأخرى على المدى الطويل إن لم يكن بسبب الحرب.

ومع ذلك، لم يكن هناك العديد من الاقتصادات الأخرى. باستثناء الولايات المتحدة، قضى جنون هتلر على منافسة الاتحاد السوفييتي. كان العالم في عام 1939 متعدد الأقطاب، مع العديد من الدول المتنافسة على السلطة. وبحلول عام 1945، كان هناك اثنان فقط من القوى العظمى: أمريكا والاتحاد السوفيتي. وتمّ تحطيم واحتلال أو استنزاف المتنافسين الآخرين.

وهذا هو أعظم إرث تركه هتلر لروسيا. إنَّ روسيا بوتين ما هي إلّا ظل للقوة العسكرية والنفوذ العالمي للاتحاد السوفياتي. لكنَّ المقارنة بين القوة العسكرية والنفوذ لبريطانيا وفرنسا وألمانيا اليوم بما كانت تتمتع به تلك الدول في عام 1939، سنجد أنَّ روسيا لا تبدو في حالة سيئة. لقد حافظت موسكو على قوة التدخل السريع لشهور في سوريا، في حين أنَّ حلف الناتو حشد بالكاد ما يكفي من الموارد للتعامل مع قوة من الدرجة الخامسة مثل ليبيا القذافي في عام 2011.

لقد ترك هتلر فراغًا في السلطة في أوروبا لتأتي روسيا وتملأ هذا الفراغ. ما إذا كان هذا كان يستحق عشرين مليون قتيل، فهذه مسألة أخرى.

اقرأ:

ناشيونال إنترست: السياسة الأمريكية في سوريا.. إذا تمّ تدمير نظام بشار الأسد.. ما البديل؟