on
Archived: دايلي نيوز :إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط العثمانية
دايلي نيوز : ترجمة التقرير
تميل خريطة الشرق الأوسط العثمانية إلى إظهار كتلة ضخمة غير منفصلة من الألوان التي تغطي عمليات التمشيط الواسعة في الشرق الأوسط، وهذا أمر مضلل تمامًا، ففي الواقع، تحتوي رقعة الأرض على ترتيبات إدارية مختلفة إلى حد كبير، وبدرجات متفاوتة من السيطرة الإمبريالية، وكما هو الحال في كل الإمبراطوريات، كانت القبضة المركزية ضعيفة أو منعدمة، وكانت السيادة شكليًا في أحسن أحوالها.
وأصبح هذا أكثر وضوحًا، خلال القرن التاسع عشر، عندما سعت الإمبراطورية إلى الحداثة، وإن الدفع الدائم للحداثة تسبب في الضغط على مجموعة من الترتيبات غير العملية والتي شملت الإمبراطورية العثمانية.
وجاء المصلحون العثمانيون بالعديد من التوجهات الأيديولوجية، مثل الليبراليين والمحافظين المتدينين، لكن الجميع اتفقوا على أهمية المركزية وتعزيز السلطة في إسطنبول، وكذلك واقع أراضي الإمبراطورية المتفاوت قد تسبب لهم في إحباط مستمر.
وكان كتاب “إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط العثمانية” محاولة لرسم التحديث العثماني باستخدام تلك المخطط كنقطة انطلاق، وركز المؤرخون بشكل تقليدي على التفسيرات أحادية السبب، سواء كان ذلك بالتغريب أو الرأسمالية، أو الديناميات المحلية المرنة؛ لتتبع القرن الـ19 وأوائل القرن الـ21.
وقال الكاتب، إن إطار المسار الإقليمي، هو الأداة التحليلية الأفضل؛ لأنه يقوم على ثلاث مناطق جغرافية سياسية مميزة، وهي الساحل والداخل والحدود، وكل واحد من هؤلاء لديه اقتصادات سياسية وترتيبات اجتماعية مختلفة إلى حد كبير، وكذلك علاقات مع كل من الدولة العثمانية والعالم الخارجي، وكل منهم يمثل مسارًا واضحًا للحداثة بالشرق الأوسط.
وكانت المناطق الساحلية العثمانية ربطت بالشبكات العالمية، كما عززت التحالفات مع الطبقة المتوسطة، وبدأت أشكالًا جديدة للصراع السياسي، وكانت المدن الساحلية مثل أزمير وسالونيك عبارة عن بيئات متعددة الأعراق والأديان، والتي تتميز بمناخ عام مميز ومجموعة متنوعة من الاتصالات العالمية، كما كانت تمثل النماذج الإصلاحية والسياسات الطبقية الحديثة، والتي كانت جزءًا لا يتجزأ من التجربة الساحلية خلال القرن التاسع عشر، ونتيجة لذلك انزلق الساحل بعيدًا عن السيطرة الإمبريالية الفعالة.
وشكلت المنطقة عن طريق التجارة الحرة، وتمت السيطرة على الطريق الساحلي من قبل التجار غير المسلمين، والذين يعتمدون على الاقتصاد العالمي بشكل أكثر من الثروات الاقتصادية للدولة العثمانية.
يذكر أن المدن الساحلية جمعت ثروة اقتصادية هائلة، والتي وصلت بالبرجوازية العالمية إلى منصب قيادي، وأنجبت المجتمع المدني الناشئ، وقامت برعاية الحديث عن الاستقلال في المناطق الحضرية.
ومن ناحية أخرى، فالداخل العثماني، كان بعيدًا أكثر عن التعلق بعالم الإمبراطورية، ولم تكن الأناضول وسوريا وفلسطين تحت أي تهديد أجنبي، وكان وجود الأسواق العالمية محدود جدًا، لذلك هيمن التحول الذي تقوده الدولة والقيم المحافظة.
وتنتمي هذه المناطق الداخلية سياسيًا واجتماعيًا وماديًا للعالم العثماني، حيث كانت الإمبراطورية قادرة على تشكيلهم وفقًا لأولويات الدولة العثمانية والكتلة الإسلامية بالمناطق الحضرية.
وذكر الكاتب، أن الدولة العثمانية وضعت أساسًا للسلطة السياسية والموارد الاقتصادية والسلطة الدينية في هذه المناطق، وفي المقابل، تمتعت الكتلة الإسلامية بالاحتكار شبه الكامل على هذه الميادين.
وعلى عكس الساحل والداخل، كانت الحدود العثمانية مضطربة سياسيًا، ومتخلفة اقتصاديًا، ومتفرقة ديموجرافيًا، والمناطق مثل الأناضول والعراق وشبه الجزيرة العربية حكمت من قبل قيادات متميزة ثقافيا ومستقلة سياسيًا، وكانت تتميز بحسب الكاتب بـ”الحكم الرفيع”، وإن الإيجارات المحمية لزعماء الحدود تقيد جهود بناء الدولة العثمانية، وتعمل الدولة العثمانية بالقليل من المؤسسية والاعتماد على التعاون المتبادل والثقة العالية والدمج القسري.
وكانت غير قادرة على الاتصال مع النخبة المحلية أو تحويل المنطقة بالمؤسسات الإمبريالية، وتحول العثمانيين إلى الأجندة الأخلاقية، لكن التركيز السني الطائفي في كثير من الأحيان كان يأتي بنتائج عكسية.
وتحول شرق الأناضول إلى منطقة أكثر إثارة للجدل خلال التسعينات “عندم أصبح المصير القاتم للأرمن أكثر وضوحا”، كما أغلقت المنافسة الجيوسياسية الطريق أمام بناء دولة ناجحة في الحدود، فيما كشفت القوة المتنافسة نقطة الضعف العثمانية, وساعد هذا في نهاية المطاف في اتفاق المصالح المحلية مع الدولة المركزية من أجل الاستقلال بالحكم الذاتي.
يذكر أن الإمبراطورية العثمانية انهارت خلال الحرب العالمية الأولى، لكن النموذج الثلاثي الذي عرضه الكتاب يمكنه قراءته ما وراء العصر العثماني، وحتى خارج تركيا نفسها.
وقال الكاتب، إنه على الرغم من التدخل السياسي في إطار القومية في وقت لاحق من القرن العشرين، إلا أن الساحل حافظ على توقعاته العالمية، وبقي الداخل على هويته المحافظة، أما الحدود فاستخدم التمرد وبدع الإسلام في الإدلاء ببيانات سياسية.
وأشار إلى أن الطبقات العديدة من المسار نفسه أو المسارات المنافسة تجمعت معًا في كل دول ما بعد العثمانية، مضيفا “لعل ذلك ساهم في عجز الشرعية والذي يستشهد به كسبب لعدم الاستقرار المستمر في الشرق الأوسط”، والنموذج لديه أيضا صدى في منطقة “الحدود” من جنوب شرق تركيا ذو الأغلبية الكردية، وكما هو الحال في العهد العثماني، استمرت الدولة في الكفاح من أجل فرض سلطتها، والاستمرار في جذب أرض الملعب على أساس التضامن الديني الأخلاقي، وإذا كان التاريخ العثماني يعني شيئًا يمكن الاعتماد عليه، فمثل هذا النهج يمتلك إمكانات محدودة لتحقيق النجاح.