on
Archived: د. عبد القادر المنلا: يكاد النظام يقول (خذوني)
د. عبد القادر المنلا: أوغاريت نيوز
خيبة أمل أنصار الأسد بفشل الانقلاب العسكري في تركيا لم تدم طويلاً، فهاهي ألمانيا بالأمس تحمل لهم بشرى بديلة من خلال حادث ميونخ، أما ما هو سر البهجة، فهو ما تكشفه أبواق النظام نفسها والذي يرقى -من حيث لا تدري- لدليل إدانة عن علاقة نظام الأسد بالعمليات الإرهابية التي تحدث في أوروبا في الفترة الأخيرة..
إن انتشار الإرهاب على أوسع نطاق في العالم حدث يثلج قلب النظام وأنصاره ويرفع من معنوياتهم ويزودهم بمادة غنية ليس فقط للشماتة والفرح، فالأهم من ذلك كله هو أن نتائج تلك العمليات الإرهابية في الغرب تحديداً كانت السبيل الأسرع لاقتناع قادة أوروبا بالكف عن مطالبة الأسد بالتنحي وجعل محاربة الإرهاب على رأس سلم أولوياتهم..
ابتداء مما بعد ارتكاب الجريمة، وفي كل مرة تقع فيها حادثة إرهابية، تشتغل ماكينة الأسد الإعلامية لتؤكد على مجموعة من العوامل التي تنفرد وحدها باستخلاصها، أولها: نظرية “طباخ السم ذائقه” وأن أوروبا تسدد فاتورة دعم الإرهاب في سورية، وثانيها: عبقرية السيد الرئيس الذي حذر أوروبا من امتداد النيران لأراضيها، وثالثها، وهو الأهم،: التلميح -إلى حدود الاتهام المباشر أحياناً- بأن مصدر الإرهاب هم خصوم الأسد الذين تحميهم أوروبا فيما هم يستهدفونها..
إن تتبع منطق الخصومة، وهوية المستفيد، سيدل مباشرة على الفاعل، فمن المريب أن تأتي معظم تلك الاعتداءات في أوروبا بالتزامن مع تكثيف النظام وحلفائه أبشع حملات القتل ضد السوريين وبكل أنواع الأسلحة وبكل همجية البرابرة، المصادفة وحدها هي ما جعلت كل تلك الحوادث التي طالت فرنسا وبلجيكا واليوم ألمانيا، تسبق أو تعقب عملية كبيرة للنظام وحلفائه في إحدى المدن السورية، أو تأتي بعد تصريحات ضد الأسد وإيران، أو بعد عقوبات ضد حزب الله، بل من الغريب تماماً أن يبدأ الإرهاب ضد أوروبا بالتزامن مع حرب النظام السوري ضد شعبه، والأغرب أن تحدث تلك الحوادث الإرهابية في الوقت الذي توجه فيه كل الإرهابيين في العالم إلى سورية كما يقول الأسد نفسه، ربما باستثناء إرهابيي الأسد الذين ذهبوا في هجرة معاكسة إلى أوروبا..
كل الحوادث الإرهابية التي سبقت حرب الأسد على السوريين، كانت صريحة ومحددة الأهداف والمطالب، وحتى حادثة تفجير برجي التجارة العالميين في أمريكا عام ٢٠٠١ -إن صحت الرواية الأمريكية- فهي محددة الخصومة معروفة الهدف، أما كل الحوادث التي تقع في أوروبا اليوم فلسوف تبدو حالة شديدة العبثية إن استبعدنا فرضية استفادة الأسد منها، إن لم يكن هو فمن المستفيد إذن؟
إن ما يحدث من اعتداءات إرهابية على أوروبا يمكن ربطه بالمصالح السياسة أكثر من المشاريع الأيديولوجية، ولو أن داعش هو من يقوم بتلك العمليات لفضّل القيام بها في روسيا وإيران كأولوية، ومن ثم يمكن أن يضرب أوروبا، أما إذا كان داعش هو فعلاً من يضرب في أوروبا فتلك أكبر نكتة في التاريخ السياسي: أن يعطي داعش المبرر للتركيز عليه واستعداء العالم ضده ليس فقط لضربه بل لإنقاذ خصمه ودعمه، هذا إذا افترضنا خصومة حقيقية بين الأسد وداعش..
معاذ الله أن نتهم الأسد بتلك العمليات أو أنه على علاقة بها، فبحكم المصادفة وحدها تأتي تلك الحوادث الإرهابية في توقيت يخدمه وحده دون سواه ويجعله يستثمرها إلى أبعد مدى، تماماً كما كانت تهديدات مفتي الأسد بضرب أوروبا درساً في الوطنية لا أكثر، وكما كان تهديد وليد المعلم بمحو أوروبا عن الخارطة مجرد حالة دبلوماسية صرفة!!
يكفي دليلاً على تورط الأسد، أنه يتهم كل فئات الشعب السوري ممن لا يباركون إجرامه بالإرهاب، ولعله يسعى، بل هو يسعى بالفعل إلى دفع الغرب للضغط على اللاجئين وصولاً إلى كراهيتهم والمطالبة بطردهم، وهكذا يستطيع التخلص منهم، حيث لا مكان لهم إلاّ بترحيلهم وتسليمهم له، خاصة بعد إغلاق تركيا أبوابها في وجه السوريين كملاذ أخير، وبالتالي يستطيع أن يستفرد بالمعارضة المسلحة وبالشعب السوري في الداخل دون أي تعاطف من العالم، وخنق الخصوم المدنيين الذين يطالبون بدولة مدنية تعددية، والذين يعدهم الأسد العدو الأخطر، أو ذبحهم بلا مساءلة إن تم طردهم من بلدان اللجوء..
يريد الأسد من الغرب أن يضرب الإرهاب بيد من حديد كما يفعل هو اليوم، وبالتالي لا يبقى أحد في الغرب المتحضر إلاّ وهو يحارب الإرهاب كما يفعل هو، وهنا تتماهى الصورة ويتحد الموقف بين دول مستهدفة من الإرهاب وحكومات تحارب الإرهاب، متناسياً أن الإرهاب لم يبدأ بحوادث إرهابية في سورية وإنما جاء -إن سلمنا بأن ثمة إرهاباً في سورية- بعد ستة أشهر من ثورة سلمية كان عدد ضحاياها في اليوم الواحد يفوق عدد ضحايا أية عملية إرهابية حدثت في أوروبا حتى الآن، لا يحق للأسد أن يساوي نفسه بالدول التي تتعرض للإرهاب لأن تلك الدول لم تشهد ثورات كالتي حدثت في سورية ولم تشهد قمعاً كقمعه، قمع يبرر لأي إنسان متحضر أن يحمل السلاح ويحارب به ذلك الذي يستهدف أرضه وعرضه وأولاده..
منطقياً، لا أحد يحتاج إلى إشعال العالم أكثر من الأسد، لا مصلحة لأحد بتلك الأحداث الإرهابية التي تحصل في أوروبا وغيرها من دول العالم وفي هذا التوقيت بالذات إلاّ للأسد، بالطبع سنجعل من الأسد شخصية فذة وعقلية سياسية استثنائية تتناقض مع توصيفنا لها بالشخصية المعتوهة إن جعلناه المدبر، غير أن الأسد لا يعمل وحده، فمعه أعتى قوة إقليمية ذات خبرة واسعة بأصول الإرهاب وهي إيران والتي تتخذ من الإرهاب وسيلتها الأسهل لحل مشاكلها مع العالم، ومنها استماتتها اليوم في حماية رجلها في دمشق.
لن يطلق أنصار الأسد النار في الهواء علانية ابتهاجاً بمأساة ميونخ، ولكنهم بالتأكيد سيطلقونها على السوريين لتكون البهجة مزدوجة، بهجة الشماتة بألمانيا، والفرحة بقتل المزيد من السوريين في غفلة عن العالم المشغول بالبحث عن المعتدين على ميونخ ونيس وباريس وبروكسل، فيما أنصار الأسد ينتظرون إلصاق التهمة بأي سوري.
لم يحدث أن وجهت إحدى الدول الأوروبية أصابع الاتهام للأسد بعد وقوع العمليات الإرهابية رغم أن الأسد اتهم الغرب مباشرة برعاية الإرهاب، فهل الغرب بتلك البلاهة حتى يستبعد الأسد؟ الموقف في منتهى الغموض، لكن فليجرب الغرب اتهام الأسد مرة واحدة ويهدد بالإطاحة به بالقوة لو تكررت العمليات الإرهابية، وحينها ،بالتأكيد، ستنعم أوروبا بالأمان..