on
Archived: محمد بسام قباني:لا ديمقراطية من غير ديمقراطيين!
محمد بسام قباني: كلنا شركاء
ما إن تكشفت محاولة الإنقلاب العسكري على الرئيس وحكومة العدالة والتنمية الحاكمين في تركيا عن فشل ذريع حتى فاضت وسائل التواصل الإجتماعي والصحف والبرامج التلفزيونية على اختلاف توجهاتها السياسية بالتحليل والتعليق والإدانة والتمجيد، الملفت للإنتباه هو الخط الذي انتهجته الوسائل التي تنتمي للمعارضة في كل من سورية ومصر، وقد قامت بإجراء مقارنات لا تعد ولا تحصى بين هذين البلدين وتركيا بطرق فجة لا تصح معها أية مقارنة ولا حتى من أي وجه، والطابع الأشمل لهذه المقارنات أنها خرجت بالمجمل بجلد الذات والنقد اللاذع واليأس من إحداث تغيير في هذين البلدين، فلا الشعب المصري أو السوري، ولا الجيش المصري أو السوري، ولا المعارضة المصرية أو السورية، ولا الشرطة المصرية أو السورية… تشابه مثيلاتها في تركيا، المشكلة أن كل هذه المقارنات تبدو للوهلة الأولى منطقية ومبررة، ولكن يغيب عنها أمر هام ألا وهو السياق الثقافي والسياسي والإقتصادي وقبل كل شيء الفهم التاريخي، فالذي يُغَيِّبُ هذه السياقات من تحليلاته لن يكون في الأغلب موفقاً في الوصول إلى فهم صحيح لما حدث، وبالتالي لاستخلاص العِبَر والإستفادة منها.
فمن الناحية الثقافية لا يمكن مقارنة جو الإنفتاح الثقافي الذي عاشته تركيا لمدة عقود بمدى الإنغلاق الذي أجبرت عليه البلدان العربية بسبب انتهاجها النظام الإشتراكي لعقود، والذي يقدس المركزية مضافاً إليها الحكم العسكري الذي يتمحور حول الطاعة العمياء، بالطبع لا يعني هذا الموافقة أو التشجيع على هذا الإنفتاح بالكلية ومن غير مراجعة، كما أن حالة الإستقطاب التي وصلت إلى ذروتها في هذين البلدين في الخمس سنوات الأخيرة لا وجود لها في تركيا، ناهيك عن نسبة الأمية في مصر، وعن القحط الثقافي بسبب الأدلجة في سوريا، وهي مما لا يساعد على وجود أي حراك ثقافي يمهد أو يساند التغيرات السياسية المأمولة.
ومن الناحية السياسية فقد عمقت السياسات المتتابعة في الدولتين الشرخ بين المواطن والوطن، إضافة للهوة الكبيرة بين الحاكم والمحكوم، بحيث وهنت وشائج الإنتماء وساد الشعور بأن ما يحدث أو يصيب هذا الوطن لا يعنيني كمواطن في كثير أو قليل، فالمستفيد دائماً هم شريحة ضيقة تعتاش على استغلال الأغلبية المقهورة، والمشاركة في الإنتخابات تحصيل حاصل، فالديمقراطية لا تتجاوز ذهاب المواطن إلى صناديق الإقتراع، وحينها تتجاوز نسب الفوز التسعين بالمئة، أماعندما تأتي هذه الإنتخابات بما لا يروق للعسكر فإنهم سيتدخلون لوضع الأمور في نصابها، من جهة أخرى فإن السياسات القهرية الإستبدادية التي مورست فيهما لم تسمح لأية معارضة سياسية حقيقية أن تتشكل وأن تمارس “المعارضة”، والتي أحد أهم معالمها أنها جزء من العملية السياسية وجزء من الوطن والأهم من ذلك أنه من حقها الطموح في تبادل الأدوار يوماً ما مع الحزب أو الأحزاب الحاكمة، فالإقصاء والتهجير والسَّجن التي استمرت لعقود حالت بين تشكل هكذا معارضة ناهيك عن تمكنها من ممارسة أي دور فاعل في الحياة السياسية، ينبغي هنا التنويه والإشادة بموقف المعارضة السياسية التركية وكذلك بوسائل إعلامها حيال الإنقلابيين، فرفضها وإدانتها للإنقلاب يدل على وعي سياسي منقطع النظير، وقد برهنت بذلك عن خوضها معركة الديمقراطية في الحقل المخصص لها، ألا وهو صناديق الإقتراع وتحت قبة البرلمان، وقد أصرت على جعل الناخب والشعب هو المرجعية وليس الدبابات ولا التدخلات الأجنبية، ولم تغتنمها فرصة بأن تؤيد الإنقلاب لجني بعض الأطماع لاحقاً.
أما من الناحية الإقتصادية فمعروف أن الفرق بين اقتصاد العصابات المافيوية المسيطرة على كلا البلدين بغض النظر عن حجمهما مقارنة بحجم الإقتصاد التركي مع مراعاة النسبة السكانية خاصة في حالة سورية تجعل أية مقارنة عملية سوريالية، خاصة إذا أُخذت القفزات الهائلة التي حققها الإقتصاد التركي كماً ونوعاً منذ استلام حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم بعين الإعتبار، يضاف إلى ذلك نوعية الإقتصادات في هذه البلدان، فشتان بين اقصاد ريعي يقوم على قطاعات محددة وبين اقتصاد شامل بالمعنى الحديث.
أما لفهم ما حصل ليلة الإنقلاب وما تبعه في سياقه التاريخي فلا يمكن أن يتم بتجاهل الإنقلابات السابقة ونتائجها، كما أنه لا يمكن فهم هذا الإندفاع منقطع النظير لجميع فئات الشعب التركي للدفاع عن مدنية دولته وعدم سماحه بالرجوع إلى حكم العسكر إذا لم يؤخذ تمتعهم بطعم الحكم المدني ونفورهم من حكم العسكر بالحسبان، في حين مازال كثير من السوريين يتغنون بفترة ما قبل حرب بشار على شعبه، ويتخوف كثير من المصريين، بل ويُخَوَّفون من هذا النموذج فيؤثرون السلامة والخضوع للأمر الواقع لأنهم يعرفون استعداد هذه الأنظمة لحرق الأخضر واليابس في سبيل البقاء في السلطة لاستكمال وظائفهم في إيقاف عجلة أي حراك أو تقدم على جميع الأصعدة.
في الختام، قد يبدو هذا الكلام كمن يجسد حالة اليأس من وجود أفق للخروج من هذا المأزق، ولكن الأصح هو أن يقال إن المشوار طويل، وإن الإستعصاء الثقافي والسياسي والفقر الإقتصادي والحالة التي تعانيها الكثير من البلدان العربية منذ تفجر الربيع العربي الذي أبت أنظمة الحكم فيها إلا أن تحوله شتاءاً قارساً لا يمكن تجاوزها بالأماني ولا بزيادة مقدار التأزم الذي تعانيه هذه المجتمعات، إذ لن يجدي المريض أية تطمينات من الطبيب المعالج بينما حالته الصحية متأزمة وفي تدهور مستمر، إن لم يعرف حالته ولم يتناول العلاج مع مرارته! وأن مدى الأمر هو وجود أناس يتبنون فكرة ويخرجونها من حيز الفكر إلى التطبيق، ومن ثم وجود أناس يدافعون عن هذه الفكرة بالغالي والرخيص! هذه الفكرة هنا هي الدولة المدنية والديمقراطية ومكاسبها! والمطلوب هو وجود من يتبنى هذا النهج ويدافع عنه مستميتاً، وعدم استدعاء التخويفات والتهاويم من العملية الإنتقالية!