on
Archived: هل كان الصراع في إيران سببا في وقف استخدام الروس قاعدة (همدان)؟
عبد اللطيف التركي :التقرير
تسبب الصراع السياسي في إيران، والانتقادات الحادة التي وجهت لقرار السماح للمقاتلات الروسية باستخدام قاعدة “نوجة” – أو “نوزة” -، العسكرية الإيرانية، في عملياتها العسكرية لدعم نظام بشار الأسد، وقصف مواقع المعارضة السورية المسلحة، في وقف استخدام الروس لقاعدة “نوجة”.
وأعلنت طهران، أن روسيا أوقفت استخدام القاعدة الجوية الإيرانية لشن ضربات في سوريا، بعد أسبوع من إعلان موسكو انطلاق قاذفاتها من القاعدة، ونقلت وكالة تسنيم الإيرانية للأنباء عن المتحدث باسم الخارجية “بهرام قاسمي”، قوله “ليس لروسيا قواعد في إيران ولا تتمركز هنا. قاموا بهذه العملية، وانتهى الأمر في الوقت الحالي”.
أزمة سياسية في الداخل
لم يصدر عن موسكو أي تعليق على هذه الخطوة، وكان المراقبون أعلنوا أن استخدام روسيا قاعدة عسكرية إيرانية، للمرة الأولى لقصف أهداف داخل سوريا انطلاقًا من إيران مؤشر على تقارب مهم في العلاقات بين موسكو وطهران، ولكن تسبب القرار في أزمة سياسية داخل إيران، وقوبل القرار بعارضة داخل البرلمان الإيراني، ووجهت انتقادات علنية لموسكو لـ”تفاخرها” بالإعلان عن هذه الخطوة.
وكانت هذه المرة الأولى التي تعلن فيها روسيا، شن غارات من قاعدة في إيران منذ بدء حملتها الجوية داخل سوريا دعمًا لنظام بشار الأسد في سبتمبر/ أيلول الماضي، وأعلنت الخارجية الإيرانية توقف هذه الغارات الروسية “حاليًا على الأقل”.
غضب وزير الدفاع الإيراني
وجّه وزير الدفاع الإيراني، حسين دهقان، انتقادات عنيفة لموسكو بشأن الإعلان على غاراتها التي انطلقت من قاعدة همدان، وقال “دهقان” في مقابلة مع القناة الثانية الإيرانية، “طبيعي أن يهتم الروس باستعراض كونهم قوة عظمى ودولة ذات نفوذ، وأنهم فاعلون في القضايا الأمنية في المنطقة والعالم”.
مضيفًا “كان هناك نوع من الاستعراض وعدم الاكتراث لدى الإعلان عن هذا النبأ”، وكانت وكالة فارس للأنباء نقلت عن “دهقان” قوله “لم نمنح أي قاعدة عسكرية للروس ولما يأتوا ليبقوا”، مضيفًا أن لم يكن هناك “اتفاق مكتوب” بين البلدين وأن “التعاون في العمليات” أمر مؤقت، ويقتصر على التزويد بالوقود، وكانت الولايات المتحدة، التي تدعم فصائل معارضة للأسد، وقالت إن استخدام روسيا للقاعدة الإيرانية “مؤسف لكنه غير مفاجئ”.
إقامة قواعد عسكرية أجنبية
وقال عضو لجنة الأمن والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، النائب حشمة الله فلاحت بيشة، إن إقامة قواعد عسكرية أجنبية داخل البلاد، مخالف للدستور حتى ولو كان لأغراض سلمية، السياسة الخارجية الروسية متقلبة، مضيفًا “كيف يمكن لإيران فتح أجوائها أمام روسيا؟، كيف لنا أن نتأكد من أنها لن تقدم معلوماتنا العسكرية؟، وصورًا من قاعدة همدان إلى واشنطن، في حال أي اتفاق مستقبلي معها على جزيرة القرم، على سبيل المثال”.
وأضاف النائب الإيراني، أن عددًا من نواب البرلمان، يكتبون عريضة، للموافقة على عقد اجتماع مغلق للبرلمان لمناقشة هذا الأمر، وأثار عدد من النواب مخالفة السماح للمقاتلات الروسية باستخدام قاعدة عسكرية للدستور الإيراني، فيما اثيرت معلومات بشأن نصب منظومات “إس 400” روسية في قاعدة همدان الجوية، وتموضع قوات روسية في الأراضي الإيرانية.
عدم وجود اتفاقية
وطبقًا لوكالة الأنباء الإيرانية “إرنا”، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجیة الإیرانیة “بهرام قاسمی”، أن روسیا لیس لدیها قاعدة عسکریة في إیران، وهو الأمر الذي تم القیام به وإنهائه بسرعة، وأكد “استخدام روسیا لقاعدة همدان العسکریة انتهی”.
وأضاف أن إیران لیس لدیها أي اتفاقیة بشأن استخدام الطائرات الروسیة لقاعدة “نوجه” العسکریة في همدان، غیر أنه وصف بعض المجالات في العلاقات الإیرانیة الروسیة بالاستراتیجیة، وقال إن هذه العلاقات شهدت “نموًا کبیرًا خلال السنوات الأخیرة”.
تفاهمات وخطوات مشترکة
ونوّه قاسمي، في أول مؤتمر صحفي عقده في طهران بعد تولیه لمهامه، بأنه یمکن لطهران أن تشترك مع بعض الدول في وجهات نظر واحدة، ومن بینها مکافحة الإرهاب و”داعش”، وخاصة أن علاقات إیران وروسیا قریبة للغایة، مشيرًا إلی أن البلدین توصلا إلی بعض التفاهمات للقیام بخطوات مشترکة، ومن بینها السماح للروس باستخدام الأجواء الإیرانیة وبعض التسهیلات، من أجل القیام بعملیات مکافحة الإرهاب في سوریا، والذي یحظی بأهمیة لدی إیران، ولكن أن یجری ذلك عبر تقدیم طلب وإبلاغ سابق.
مقاتلات توبوليف وسوخوي
واستخدمت قاذفات روسية طويلة المدى من طراز “توبوليف – 22 إم.3” ومقاتلات “سوخوي-34” قاعدة “نوجه” قرب مدينة همدان في شمال غرب إيران لشن ضربات جوية الأسبوع الماضي، في خطوة أكدت التقارب المتزايد في العلاقات بين موسكو وطهران، وهي المرة الأولى التي تستخدم فيها روسيا قواعد عسكرية خارج سوريا لتنفيذ مهمات وطلعات جوية، الأمر الذي يفهمه محللون على أنه تطور استراتيجي كبير لموسكو ويوطد قدمها في منطقة الشرق الأوسط، حيث شكلت المسافة إحدى الميزات التي يضيفها استخدام المقاتلات والقاذفات الروسية للقواعد الإيرانية، وخصوصا قاعدة “نوجة” التي انطلقت منها القاذفات، باعتبار أن القاذفات كانت تستغرق رحلة مدتها ساعتان، للوصول من قواعدها في روسيا إلى الأهداف في سوريا، لكن من إيران تستغرق الرحلة 30 دقيقة فقط، ومن ثم فإن قصر المسافة ومدة التحليق يعني وقودًا أقل، وبالتالي إتاحة المجال لتحميل القاذفات بقنابل وأسلحة أكثر، وما يعكسه ذلك من توفير قدرات أكبر على تنفيذ عمليات جوية أكثر كثافة.
تطور تاريخي
واعتبر “مهدي خلجي”، المحلل السياسي في معهد واشنطن، استخدام روسيا قاعدة جوية إيرانية، لشن عمليات عسكرية تستهدف أراض أجنبية، للمرة الأولى، منذ الحرب العالمية الثانية تطور تاريخي، وقال في 16 – 17 آب / أغسطس، أعلن إقلاع الطائرات الروسية من قاعدة “نوجة” الجوية في غرب محافظة همدان؛ لاستهداف مواقع في سوريا، واعتبر “خلجي” ذلك مخالفة للدستور الإيراني.
مخالف للدستور
المادة رقم 146 من الدستور الإيراني، تحرّم إقامة أي نوع من القواعد العسكرية الأجنبية على الأراضي الإيرانية، حتى لأغراض سلمية، وقال “خلجي” لكن الظاهر، إن هذا الأمر لا ينطبق على مسألة السماح للأجانب باستخدام قاعدة إيرانية، مشيرًا إلى تصريحات علاء الدين بروجردي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، الذي قال فيها إن “قاعدة همدان الجوية لن تصبح قاعدة روسية، ولن يتم نشر طائرات مقاتلة أجنبية في القاعدة الجوية “نوجة”؛ فالنشاط الوحيد المسموح به يقتصر على تزويد الطائرات المقاتلة الروسية بالوقود في القاعدة.
وقال “خلجي”، حتى لو توافرت بعض القيود القانونية، سيجيز الدستور للمرشد الأعلى علي خامنئي، أن ينقضه بما فيه خير لـ”مصلحة النظام”.
الاستقلالية والأمن
وقال الأمين العام لـ”المجلس الأعلى للأمن القومي”، وممثل خامنئي، علي شمخاني، إن التعاون الإيراني الروسي لمكافحة الإرهاب في سوريا هو تعاون استراتيجي، ونحن نتبادل القدرات والإمكانات مع بعضنا البعض.
وشدّد على أن عقيدة مقاومة الشعب، هي السبيل الوحيد لمواجهة “التهديدات الإرهابية” و”حماية الإستقلالية والأمن في البلدان الإسلامية.. فالتعاون البنّاء والواسع النطاق بين كل من إيران وروسيا وسوريا وجبهة المقاومة جعل الوضع صعبًا على الإرهابيين، على حد قوله.
تعاون رفيع المستوى
وأوضح المتحدث باسم المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، كيوان خسروي، أن التعاون مع نظام الأسد وروسيا ضد ما وصفه بـ”التيار التكفيري الحالي في سوريا”، بدأ منذ فترة، وأنه ينتشر على نطاق أوسع، مشيرًا إلى أنه منذ بداية هذا التعاون، يتبادل مسؤولون سياسيون وأمنيون رفيعو المستوى وكذلك قادة عسكريون العديد من الزيارات من كل بلد إلى البلدين الآخرين، للاجتماع وتبادل الأفكار من أجل تركيز جهودهم بصورة صحيحة ودقيقة على خدمة المصالح المشتركة لهذه الدول الثلاث.
تعزيز التحالف بين طهران وموسكو
وفسر خبراء وسياسيون إيرانيّون، تعزيز التحالف بين طهران وموسكو وتكثيف عملياتهما العسكرية في سوريا على نحوين مختلفين، منها أن إيران نقلت المزيد من الصلاحيات التي كانت منحتها إلى “المجلس الأعلى للأمن القومي” بشأن الشؤون السورية إلى وزارة الخارجية، على غرار ما حصل في السياسة النووية في بداية ولاية الرئيس حسن روحاني، لكن بعض الخبراء الآخرين يؤيدون فكرة أن التكلفة السياسية لتعزيز التعاون العسكري مع روسيا لن يخدم أجندة روحاني المركزية، المتمثلة بجعل إيران منفتحة اقتصاديًا عبر تطبيق الاتفاق النووي بسلاسة وبناء الثقة مع المجتمع الدولي.
وكما يقول “مهدي خلجي”، لن يؤدي توطيد العلاقات العسكرية مع موسكو إلا إلى تعميق عدم الثقة في الغرب، ولاسيما في الولايات المتحدة، وبدوره قد يؤدي هذا الأمر إلى زرع المزيد من الأشواك على الطريق التي تسلكها إيران نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي وزيادة حدة العزلة التي تعاني منها البلاد.
تدهور العلاقات السعودية – الإيرانية
ويرى خلجي، أن تعزيز التعاون العسكري والإقليمي مع روسيا يتماشى مع سياسات طهران العدوانية المناهضة للسعودية، لاسيما في اليمن؛ ومن المرجح أن يؤدي هذا الأمر إلى تدهور العلاقات السعودية – الإيرانية وتقويض احتمالية تخفيف حدة التوترات بين هاتين القوتين الإقليميتين الرئيسيتين.