Archived: نيويورك تايمز: في الولايات المتحدة، لاجؤون سوريون بضيافة مسيحيين محافظين

نيويورك تايمز: ترجمة محمد غيث قعدوني- السوري الجديد

مساء الأربعاء وبعد أن أنهى عمله، وصل ” ويليام ستوكس” وهو أمريكي أبيض من ولاية “الاباما” وعضو جمهوري في كنيسة “جونسون فيري” المعمدان، إلى شقة صغيرة تقيم فيها عائلة سورية لاجئة.
كان “ستوكس” يرتدي قميصاً أخضراً مخططاً وتبدو على محياه ابتسامة لطيفة، وكان متحمساً لإعطاء درس مرتجل آخر باللغة الإنكليزية.
وكان السيد “ستوكس” قد انتقل مؤخراً من ولاية “الاباما” إلى ولاية “جورجيا” حيث إن حكام هاتين الولايتين هم من المعمدانيين الجنوبيين من أمثال “ستوكس”، كما أنهما من بين ما يزيد عن الثلاثين حاكماً جمهورياً ممن عارضوا وعلى الملأ خطة الحكومة الفيدرالية القاضية بإعادة توطين اللاجئين من سوريا التي أنهكتها سنين الحرب، معللين معارضتهم تلك بالخشية من أن هؤلاء اللاجئين قد يجلبون الإرهاب معهم.

بالنسبة للسيد “ستوكس” فإن أسئلة كهذه كانت تندرج في إطار السياسة، علماً أنه لم يأتِ في ذلك المساء لدواعٍ سياسية، وإنما جاء بصفته  واحداً من أتباع “السيد المسيح”  حيث قال: ” مهمتي هي خدمة هؤلاء الناس، لأنهم بحاجة لأن نخدمهم”.
ولكن تبقى للسياسة والمعتقدات دوماً القدرة على الصراع في مسألة إعادة توطين اللاجئين السوريين في الولايات المتحدة.
وفي الوقت الذي سعى فيه السياسيون المحافظون والذين تربط الكثير منهم علاقة بالفئات المسيحية، وبقوة لمنع الوافدين الجدد من اللاجئين السوريين من دخول ولاياتهم، فقد تحول الكثير من المسيحيين المحافظين وفي حالات كثيرة إلىالخدمة في  مؤسسات تعمل على دعم اللاجئين.
أما هنا في “ماريتا” فقد بدأ درس اللغة الإنكليزية بجلوس ” أنور” و “دالين” إلى طاولة المطبخ التي تم التبرع بها لصالحهما.

كان “أنور” و “دالين” من بين العشرة الاف لاجئ سوري الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة خلال العام “أنور” و”دالين” هما زوجان سوريان مسلمان فرّا من قصف بلدة “طفس” في درعا شهر تشرين الثاني من العام 2012 ثم عبرا الحدود إلى الأردن، قبل أن ينتهي بهما الحال في هذا الملجأ حيث استقرا شهر أيار مع طفليهما في إحدى الشقق، قبل أن يُرزقا بطفل ثالث في شهر أغسطس/آب.
وهنا ورغم الاف الأميال التي تفصلهما عن الحرب الأهلية، يخشى “أنور” و “دالين”  بشكل كبير على أفراد عائلتهم من انتقام النظام لدرجة أنهما لم طلبا عدم الكشف عن أسمائهما بصورة كاملة.
وبحضور ومساعدة أحد المترجمين، قال أنور الذي يبلغ من العمر 33 عاماً وزوجته دالين 27 عاماً أنهما كانا يدركان أن بعض السياسيين الأمريكيين يعارضون مجيء السوريين إلى الولايات المتحدة، وذكرا ” دونالد ترامب” المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية الذي كان قد تقدم بخطة حظر مؤقت على دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، في موقف كان قد غيرّه مرات عديدة.

وقال الزوجان أنهما لم يعلما بالقضايا السياسية إلا عبر التلفاز، حيث كان احتكاكهما الأقرب مع الأمريكيين من أتباع كنيسة “جون فيري”  كالسيد “ستوكس” ومعظمهم من الجمهوريين، وهم من جهز الشقة الخاصة الصغيرة الخاصة بالعائلة اللاجئة وأرشدوها لكيفية التنقل عبر البقاليات الأمريكية.
كما أرشدوا “أنور” إلى نظام الرعاية الصحية لا سيما وأنه يستعد لإجراء جراحة في القلب.
يقول أنور: ” أربع أشهر مضت على وجودي هنا لم أرَ خلالها إلا الخير”. وأضاف أنه لم يكن يخشى السياسيين قائلاً: “أنا لا أخشى إلى الله”.

وكان وصول العشرة الاف لاجئ سوري الشهر الماضي قد حقق هدف السنة المالية لعام 2016 والتي أعلن عنها الرئيس أوباما قبل نحو عام. وبالرغم من أنهم ليسوا سوى جزء بسيط من الملايين الذين فروا من سوريا، إلا أنه تبقى لدى الكثير من الناخبين المحافظين مخاوف من أن هؤلاء اللاجئين قد يُطورا أعمال إرهابية داخل الولايات المتحدة.
وكان “روبرت بينتلي” حاكم ولاية “الاباما” ونظيره “جريج أبوت” حاكم “تكساس” قد أعدوا دعاوى قضائية منفصلة تتحدى  سياسة إدارة الرئيس أوباما الخاصة باللاجئين ، بيد أن هذه الجهود تلعثمت في المحاكم الفيدرالية.
وقال القِس “فرانكلين غراهام” وهو ابن القس ” بيلي غراهام” أنه يتفق مع فكرة السيد “ترامب” حول حظر هجرة المسلمين. وفي مقابلة معه الأسبوع الماضي قال “غراهام” أنه قلق من وجود ثغرات في نظام مراقبة اللاجئين وبرأيه أنه ينبغي على الولايات المتحدة  الاعتماد على جهود مساعداتها للشرق الأوسط للتوصل إلى حل للأزمة الإنسانية في المنطقة.

وتابع “غراهام”: نحن لا نتركهم على الضفة الأخرى فحسب، بل نهتم بهذه البلاد وشعبها وعلينا أن نضع الولايات المتحدة قبل كل شيء”.
وجاء موقف “غراهام” متعارضاً مع المسيحيين المؤثرين ومن بينهم قادة ميثاق المعمدانية الجنوبية، حيث أقر في شهر حزيران قراراً  “لتشجيع الكنائس والعائلات المعمدانية على استضافة اللاجئين في الكنائس والبيوت كوسيلة للإظهار للشعوب أن “إلهنا يتوق إلى استضافة الناس من شتى الأعراق والألسن في ظل عرشه”.
بدوره، قال الدكتور “روسيل دي مور” رئيس لجنة المجموعات العرقية وحرية الأديان أنه كان هناك فرق واضح بهذه المسألة بين الكنيسة وبقية شرائح المجتمع الأمريكي”.
وأضاف ” دي مور”، أن السياسيين وخاصة من هم على علاقة قريبة من المحافظين كانوا مجرد سياسيين في أغلب الأحيان”.

وتابع ” مور” : “ليس من الغرابة أن يكون لدينا سياسيون جبناء ولكن للكنيسة مهمة مختلفة فهي مدعوة لرؤية صورة “الرب” تنعكس على جميع الناس وأن تخدم توفر المسيحيين لجميع الناس، وهذا ما تفعله الكنائس اليوم.
ويقول مسؤولون في المنظمات الغير حكومية التي تعمل على توطين اللاجئين أن أتباع كنيسة “المورمون” كان لهم دوراً مفيداً في إعادة توطين اللاجئين في ولايات مثل “أوتاه وتكساس وأريزونا”. ويميل أتباع كنيسة “المورمون” تاريخياً لصالح الجمهوريين ولكن أظهرت بعض استطلاعات الرأي أن المرشحة الديمقراطية للرئاسة “هيلاري كلينتون” متعادلة مع منافسها الجمهوري “ترامب” في ولاية “أوتاه” التي يقطنها أتباع الكنيسة” بكثافة وهي الولاية التي لم يكسبها الديمقراطيين منذ العام 1964.
وربما يكون موقف السيد “ترامب” من المسلمين عاملاً مورثاً. في كانون الأول وبُعيدَ طرح “ترامب” لفكرة الحظر على هجرة المسلمين، أصدرت الكنيسة المورمونية بياناً أكدت فيه التزامها بالحرية الدينية. ويوم الاثنين وفي معرض ردها على ما أسمته “أزمة اللاجئين العالمية”، تبرعت الكنيسة بـمليوني دولار لمجموعتين تساعدان على توطين اللاجئين وهما مؤتمر الولايات المتحدة للأساقفة الكاثوليك ولجنة الإنقاذ الدولية.

وفي “ماريتا” قام السيد “ستوكس” ببعض الخطوات خلال الأشهر الثلاثة التي أمضاها في تعليم “أنور ودالين”  بالرغم من خبرته القليلة بمجال التدريس حيث يعمل “ستوكس” مديراً لمشروع بناء . ويوم الأربعاء تعلم  الزوجين وبإرشاد “ستوكس” كتابة أشهر السنة باللغة الإنكليزية وتلوا تواريخ ميلادهم وردوا على بعض الأسئلة البسيطة حول أطفالهم. كان كل جزء من منزلهم يحوي ورقة صفراء لاصقة مكتوب عليها معناه باللغة الإنكليزية.
ولدى سؤال “أنور” حول ما أراد فعله بعد التعافي من جراحة القلب، قال “انه يريد أن يعمل”.

وقال السيد “ستوكس” :هؤلاء هم أكثر الناس مضيافية ومحبة يمكن أن تقابلهم في حياتك، وهذا ما يفسر سبب شعورك بالإحباط عندما تشاهد أموراً مختلفة على شاشات الأخبار، تلك التي تقول أن جميعهم إرهابيين، فهم لا يعرفون هؤلاء الناس شخصياً”. 
و ينتمي “ستوكس” إلى كنيسة “جونسون فيري” وهي واحدة من بين أكثر من 1055 كنيسة عملت العام الماضي مع منظمة “World Relief” وهي منظمة إعادة توطين بروتستانتية تساعد اللاجئين والمهاجرين. واعترف القس ” برايانت رايت” الراعي السابق لكنيسة “جونسون فيري” بإمكانية وجود أخطار متعلقة بالسماح للسوريين بالدخول إلى الولايات المتحدة ، وقال : لست ساذجاً وأعلم أن هذا الأمر ينطوي على مخاطر”. ولكن القس “رايت” قال أن “المسيح” أمر حوارييه في “كتاب ماثيو”  أن يجعلوا من كل الشعوب أتباعاً له.
وأضاف أنه هناك أسباب دنيوية تدعو لمساعدة اللاجئين وقال : فكروا بالأمر من وجهة نظر عملية بدقة، أليس الأفضل لهؤلاء أن يروا تواصل الأمريكيين معهم بالمحبة وإظهار جميع الفضائل التي يتمتع بها الأمريكيين ؟ أم أننا ندير ظهرنا لهم ونجعلهم أكثر تعاطفاً مع الإرهاب الإسلامي؟!.

اقرأ:

نيويورك تايمز: المفارقة السورية.. الأسباب التي تسير بسوريا من سيء إلى أسوأ