on
Archived: ابراهيم نمر: النكبة السورية ..وآه يا وطن
ابراهيم نمر: كلنا شركاء
رواية (مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة للروائي الفلسطيني ربعي المدهون) التي حازت على جائزة “بوكر” للرواية العربية 2016 والتي تتحدث عن فلسطين وما حل بأهلها تكاد تحاكي الواقع السوري في معظم فصولها هذه الرواية التي ابدع فيها ربعي المدهون في وصف مآساة شعب ضاعت وهويته ووطنه وفي محاضرة نقدية للدكتور فريد سعدون في القامشلي وفي معرض حديثه عن أهمية هذه الرواية يقول : “ومحور فكرتها سؤال جوهري: هل يمكن لمن نزح عن أرضه أن يعود إليها ؟ الرواية رغم أنها تتحدث عن نكبة فلسطين ونزوح اهلها واستيطان اليهود فيها، إلا أنها تعبر بشكل مدهش عن الواقع السوري الراهن ، التهجير والتغيير الديموغرافي والقتل على الهوية ومخيمات اللجوء وضياع وطن واستيطان الغرباء فيه ، وأيضا السؤال الجوهري : هل الذين نزحوا عن ديارهم سيعودن إليها ؟؟؟”.
أسئلة عديدة اثارها المحاضر من خلال هذه المقاربة والتشابه بين نكبة فلسطين والنكبة السورية من خلال ما كتبه ربعي المدهون في روايته فالسوريون اليوم يعيشون الحالة نفسها حالة أزمة الهوية والاغتراب سواء داخل الوطن أم خارجه فالانتماءات لم تعد على الأسس الوطنية إنما على أرضية الدين والمذهب والقومية والمناطق والجميع محكومون بهذه الاصطفافات القهرية والقسرية مع ازدياد حدة الصراع الدائر في سوريا وقد وصلت الى منحدرات خطيرة تجبر السوري على التفكير بالخلاص مهما كانت النتائج وقوارب الموت لهو مثال حي كيف أن السوري يغامر بروحه وماله لشراء الموت طواعية في هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر لكن لو سأل اي سوري عن ذلك سيكون الجواب:الداخل ليس ارحم والسوري يموت مئة موتة يومية هذا المصير الذي يترقبه السوري وهو نفسه مصائر كونشرتو الهولوكوست والنكبة وذات التغريبة لا بل عدد السوريون يفوق كثيرا أولئك المشردون من فلسطين في نكبة 1948 فلا دول الجوار قادرة على حمايتهم واستقبال المزيد ولا دول العالم المتحضر من الغرب الأوربي وأمريكا والمشكلة تتفاقم اكثر فأكثر مع ضياع أجيال ووطن.
أحرقوا بيوتنا وشردونا و وطّنوا الغرباء في ديارنا ، فماذا كان جوابنا ؟ في رواية (المصائر ) للروائي الفلسطيني ربعي المدهون، تقوم العجوز أفيفا اليهودية بإراقة الكاز على بيت جارها الفلسطيني في غيابه، وتشعل فيه النار، وبعد إخماد الحريق جاءت الشرطة للتحقيق في الموضوع، ولكن صاحب البيت المدعو محمود دهمان يتنازل عن حقه في مقاضاة جارته اليهودية التي اشعلت النار في بيته، ويقول للشرطة: غفيرت أفيفا، شئلوهيم يعمود لتسيداه ( أي السيدة أفيفا الله يكون في عونها، وحيدة وغلبانة وما حدا يعتب عليها) فقال الشرطي اليهودي: لو كل العرب مثل هذا الرجل لكنا حرقنا كل بيوت العرب وهم مبسوطين !!!.
ما جرى في سوريا من قتل وتنكيل لم يكن في بال أكثر المتشائمين هذه الكوميديا السوداء كانت غائبة عن ذهن معظم النخب والسوريون عموما فمشهد الدمار في جميع الحروب قد يكون متوقعا بأبشع الصور أما القتل على الهوية فهو انحطاط كامل لمنظومة القيم والتعايش حيث تتبادل أطراف الصراع جميع أشكال القتال والصفقات والاعتقال ودفع الدية والجزية في بلد تشظى مناطقيا وديمغرافيا يحكمها أمراء الحرب المحليون بإشراف دولي أي مجرموا الحرب الباردة والتي لم تكن باردة يوما فالسيدة التي صرخت وهي تبكي في مدينة رأس العين اختزلت المشهد المرعب في هذه الحرب القذرة وهي تقول: ” حين دخل المقنعون منزلنا وهم يحملون السلاح والسيوف وخاطبتهم متوسلة ان لا يذبحوا ابنائي وخاطبت الرجل المقنع بالاسم وعرفته جيدا من خلف القناع لكنه لم يسمع.. أرجوك ان لا تقتلهم.. لكنه تابع المذبحة.. والرجل المقنع هو جارنا الذي تقاسمنا معه الخبز لعشرات السنيين”.
في معظم الحروب الأهلية تظهر تباشير الحل بعد جولات قتال تدوم لسنوات وتعب المتقاتلين وقد تستغرق وقتا كما هو الحال في سوريا لكن ما يجري في سوريا لا ينبأ بأي تباشير كذلك المتعارف عليها بتلك الحروب الأهلية و لوقف هذا النزيف الدامي والمحرقة يزداد المتقاتلون شراسة وعنفا وذخيرتهم لم تنفذ بعد بل تزداد وقد لا تنتهي هذه الحرب ابدا وكما استمرت نكبة فلسطين قد تستمر النكبة السورية وهذه التغريبة لعقود طويلة.. وآه يا وطن.
اقرأ:
ابراهيم نمر: سوريا ساحة حرب وتصفية حسابات دولية