Archived: بلومبيرغ: الاتفاق الأمريكي الروسي بشأن سوريا ينقصه عامل أساسي.. (الثقة)

بلومبيرغ: ترجمة صحيفة التقرير

هذه المرة مختلفة، أو هكذا يريد منا وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، أن نصدق؛ فالاتفاق الأمريكي الروسي الجديد لضمان وقف الأعمال العدائية في سوريا يتخطى الجهود السابقة بالطبع، ولكن غياب الثقة المتبادلة بين الأطراف المتفاوضة له القدرة على تحويل الاتفاق إلى شيء أشبه باتفاقيات وقف الإطلاق النار في أوكرانيا.

لن يتم نشر الاتفاقات – التي تتكون من خمس وثائق مختلفة – لمنع التنظيمات الإسلامية من تعطيل الجهود الإنسانية التي ستعقب الاتفاق، وهذا في حد ذاته مؤشر جيد، حيث يعني أن كلا الطرفين سوف يحاول تطبيقه بدلاً من الجدال العلني حول من يجب إلقاء اللوم عليه في تجدد العنف، لكن هذا يعني أيضًا أن الخطوط العامة للاتفاق فقط هي التي ستكون متاحة.

ويفترض أن الولايات المتحدة قد حصلت على تعهد من المعارضة السورية الوسطية – أيًا كانت التنظيمات التي تمثلها من بين مئات التنظيمات المتحاربة – كما حصلت روسيا على وعد من بشار الأسد بوقف القتال في حلب، والانسحاب من طريق كاستيلو، الذي يعد شريان الحياة الرئيسي للمدينة؛ والسماح للقوافل الإنسانية بالوصول إلى المدينة.

وبعيدًا عن هذا، فسوف يتوقف نظام بشار الأسد عن ضرب المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، حتى وإن كانت تسيطر عليها ما كان يعرف سابقًا بجبهة النصرة الموالية لتنظيم القاعدة، (وتطلق على نفسها الآن جبهة فتح الشام، لكن كيري ولافروف يشيرون إليها بالاسم القديم)، ثم، إذا تم الالتزام بهذه البنود لمدة أسبوع، فسوف تقيم الولايات المتحدة وروسيا مركز تنفيذي مشترك ليكون بمثابة قناة لتبادل المعلومات ومركزًا لتنسيق الهجمات ضد جبهة النصرة وتنظيم الدولة.

هذا الاتفاق يعد مكسبًا للطرفين، حيث ستكسب الولايات المتحدة توقف روسيا والأسد عن ضرب مقاتلي المعارضة دون تمييز بزعم أنهم إرهابيون، وما إن يتم إنشاء المكتب التنفيذي المشترك ويبدأ العمل، فمن المفترض ألا تكون هناك هجمات دون التنسيق مع الولايات المتحدة، وتحصل روسيا على التزام من الولايات المتحدة لقتال جبهة النصرة، وهذا أمر كان ليهدم شكوك حول موافقة أمريكا على القيام به، لأنهم كما قال لافروف في المؤتمر الصحفي المشترك مع جون كيري، “كانوا يعتبرون جبهة النصرة خطة بديلة للإطاحة بالنظام”.

تستفيد الفصائل السورية من هذه الاتفاق أيضًا، ولكن يبدو أنه لا يصب في مصلحة الأسد بشكل كبير؛ فقواته وقوات المعارضة المعتدلة قد أصبحت منهكة واستنزفت، وتحتاج إلى وقت مستقطع، وكانت اليد العليا لقوات الأسد خلال الأيام السابقة، بعدما أعادوا حصار حلب بعد تراجع استمر لوقت قصير، لذلك نظريًا، فإنهم يجب أن يكونوا أقل سعادة بوقف إطلاق النار، لكن النصرة كانت الأقوى مؤخرًا حيث تمتلك أكثر القوات جاهزية للقتال في حلب، وإذا وافقت الولايات المتحدة على محاربتها، فإن الأسد سوف يوافق على التراجع وإخلاء الساحة للقوى الكبرى للتعامل مع أخطر أعدائه.

فهو يعلم أنه في النهاية سوف يضطر إلى التفاوض مع المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة؛ حيث أنه لن يستطيع القضاء عليها بشكل كامل، وسوف تدفعهم الولايات المتحدة إلى الجلوس على طاولة المفاوضات، إذ أن النصرة وتنظيم الدولة هما ما يقلق الأسد بشأنه، فهما عنيدان ولن يتوقفا عن القتال حتى يهزما.

الولايات المتحدة موقفها ضعيف في سوريا لأن القوات التي تدعمها أحيانًا ما تتقاتل فيما بينها، وعندما أرسلت تركيا قواتها إلى داخل الحدود السورية لقتال مسلحي تنظيم الدولة، فإنها قد قامت أيضًا بمواجهة القوات الديموقراطية السورية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، والتي اعتبرت الهجوم بمثابة “احتلال”، كما تتقاتل مجموعات أخرى مدعومة من الولايات المتحدة فيما بينها على طول الحدود التركية.

وبعيدًا عن تدعيم موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المفاوضات، فإن هذا الضعف الأمريكي يمثل أيضًا تهديدًا للاتفاق؛ فهناك مساحة واسعة للاختلاف بشأن من يجب اعتباره تنظيم متطرف خطير ومحاربته، والفوارق بين التنظيمات والانتماءات طفيفة جدًا في الغالب، كما أن مصالح تركيا لا تتماشى بشكل كامل مع مصالح الولايات المتحدة، ومن حقها أن تكون طرفًا في المحادثات.

وقال كيري خلال المؤتمر الصحفي: “لا أحد يبنى على الثقة”، وهذه أيضًا مشكلة؛ فعندما لا تكون هناك ثقة، يجب أن تكون الاتفاقات محددة ومعقدة، ويجب أن يتم تحديد المناطق التي ستقاتل فيها الولايات المتحدة إلى جانب روسيا والمناطق الأخرى الواقعة خارج حدودهم وحدود حلفائهم بدقة، وهذا أصعب من رسم مثل هذه الخطوط في شرق أوكرانيا؛ فغالبًا يكون من الصعب تحديد أي تنظيم يسيطر على منطقة ما، ومكان تواجد القوات الموالية للتنظيم في سوريا التي تتغير معالمها بشكل مستمر منذ بدء الحرب قبل خمس سنوات.

وفي أسوأ السيناريوهات، فإن الهدنة لن تستمر في حال قرر أحد التنظيمات المجهولة السيطرة على قرية ما، وأرادت قوات بشار الأسد الانتقام، وادعت روسيا أن الولايات التحدة تدعم الإرهابيين مرة أخرى، ولكن حتى وإن التزمت جميع الأطراف بوقف إطلاق النار كما تم الاتفاق، فإن هناك شراك عديدة، فمثلاً، قد يفشل التنسيق الأمريكي الروسي بسبب الخلافات التي لا يمكن حلها، كما قد يستمر الأسد في القتال بدعم روسي، بينما يتجاهل لافروف الأمر، ويدعي بأن ليس له تأثير رادع على النظام السوري.

لكن المشكلة الأكبر هي عدم وجود أدنى فكرة عن كيفية معالجة الأمور السياسية بعد الانتصار الأمريكي الروسي المتصور على جبهة النصرة وتنظيم الدولة، وإذا لم يتوافق اللاعبان الكبار على حل مشترك، فسوف يكون هناك قلق بين اللاعبين المحليين والعديد من الأسباب لاستمرار القتال، لقد تضمنت اتفاقية مينسك بالفعل اتفاقًا سياسيًا، لكنه لم يناسب أيًا من الطرفين فاختارا تجاهله، ونشأ عن ذلك شبه تجميد للصراع.

ويبدو أن الولايات المتحدة وروسيا تصممان على اتخاذ خطوات صغيرة لبناء الثقة اللازمة لحل دائم، وعلى كل حال يجب الحث على التفاؤل.

اقرا:

بلومبيرغ: عقوبات مالية قاسية تهدد وجود حزب الله