on
Archived: محمد أمير ناشر النعم: الخطوة التي يحتاجها التشيع؟
محمد أمير ناشر النعم: الأوان
كان نيقولاس كزنتزاكس يفكّر دائماً في وجوب تطور المسيحيَّة، وكان يطرح الأسئلة حول ذلك في العديد من رواياته، وكان يرى أنَّ المسيحيَّة ستحقّق قفزة نوعيَّة يوم تقيم المصالحة بين الرُّوح والجسد. فـ “عندما يتقدَّم دين المسيح خطوة أخرى على الأرض، سيشمل الإنسان كلّه، وليس نصفه، كما هو باحتوائه للرّوح فقط، ستتسع رحمة المسيح. سيحتوي الجسد ويطهِّره مثلما يفعل للرّوح، وسيرى وسيعظ بأنَّهما ليسا عدوين، بل زميلا عمل”. (تقرير إلى غريكو. تر: ممدوح عدوان، دمشق: دار الجندي. ط 1، 2004).
وقياساً على هذا القول كنت وما زلت أتساءل: هل التَّشيُّع أيضاً سيتقدم خطوة أخرى على الأرض؟ وهل هو فعلاً بحاجة لإصلاح ينهض به ويدفعه للأمام؟ وما العقبة الَّتي يجب عليه أن يجتازها ليحقق هذا التَّقدّم؟
وإذا كانت المسيحيَّة، بحسب كزنتزاكس، يجب أن تتسع رحمتها لاحتواء الجسد وتطهيره، وعندها ستخطو خطوة التَّقدم، فما الَّذي يجب أن يتَّسع ويرتقي في التَّشيّع حتَّى يخطو خطوة مماثلة؟
لقد قام التَّشيّع على ركنين: مكابدة المظلوميَّة، وطلب العدالة، لكنَّهما مع مرور الأيَّام تعمّقا تعمقاً موغلاً، وتعملقا تعملقاً مشوهاً، فتحوَّلا من مأثرة إلى كارثة، ومن ميزة إلى عبء ثقيل باهظ:
ــ تحوّلت تلك المكابدة إلى حزن وتفجع يخترقان الزَّمان والمكان، فصارت معهما كلّ أرض كربلاء، وكلّ زمن عاشوراء، وغدا جوهر وجود المؤمن نفسه محض جثوٍّ عند حياض الثّكل، ومجرّد استذكار واستحضار ومعايشة للمأساة وللفجيعة، واستُمرئت هذه الحالة، بل واستُعذبت، حتَّى رأينا أحد كبار رجال المذهب يصرّح أنَّهم حتَّى في الجنَّة لن يخلعوا لباس الحزن والحداد على الحسين عليه السَّلام.
ــ وتحوّل طلب العدالة إلى عاطفة جيّاشة، غدتْ من بعدُ هوىً جامحاً يتطلب الثأر والانتقام. يُحلم بهما، ويُلتذ بتخيّل تحقيقهما وتنفيذهما، وتحوّل كل ذلك إلى عقائد تُلقّن وتُورّث وتُنقل جيلاً بعد جيل، فانفرد الشّيعة من بين المسلمين بعقيدة (الرّجعة) الَّتي يقع مطلب تحقيق مبدأ (العدالة) في أسّها وعصبها، (ليس منّا من لم يؤمن برجعتنا). فبعد ظهور الإمام الغائب الثَّاني عشر سيعيد الله إلى الحياة الأئمَّة المظلومين (الإمام علي وأبناؤه والمقربون من شيعتهم)، وسيحيي الله كذلك أعداءهم الظَّالمين، لغاية واحدة هي إنصاف الأئمة المظلومين، وإيقاع سيف العدالة في الظَّالمين. ولكن ما نُسج حول هذه العقيدة من روايات ومأثورات أحالها عن جهتها من مطلب لتحقيق العدالة إلى مطبٍّ لإيقاع الانتقام، وامتلخها من مبدأ للإنصاف إلى مباءة للاعتساف، فغدا الثأر هو (التيّمة) الأساسيَّة، ترافقها (تنويعات) عدَّة مناسبة ملائمة تتجلَّى في كلّ مفردات المذهب، وفي جميع أفعاله وطقوسه.
فأمَّا عائشة فسوف يتمّ جلدها، لأنَّها افترت على مارية القبطيّة، واتّهمتها بالفاحشة، وقد ثبت عليها حدّ القذف منذ ذلك الحين، لكنّ الله أخّره إلى حين ظهور القائم (المهدي)، وعندها سترجع عائشة إلى الحياة، وتلقى عقابها جلداً وتنكيلاً.
وأمَّا أبو بكر وعمر فسيرجعان كذلك حتَّى يُقتلا ويُصلبا ويحرقا، جزاءً بما حاربا الله ورسوله ووصيه، وهكذا دواليك: معاوية ويزيد وقادة جندهما إلخ، وسوف أغضّ النَّظر عن ذكر الرّوايات الموجودة في المصادر الشيعيّة الَّتي تفصّل في ذكر أنواع العذاب الَّتي ستصبّ على رؤوس كلّ هؤلاء، بحيث يقف دانتي فاغراً فاه من شدَّة هولها وتفنّنها، وخيالها وإبداعها.
وحقيقةً فإنَّ (العدالة) و(الإنصاف) الَّتي يتطلَّع إليهما جميع أصناف البشر تحوَّلتا ههنا إلى (تشفٍّ) لا نظير له، وإلى (انتقام) يفوق حدود كلّ تصوّر، وإلى (كراهية) جُنِّدت لها كلُّ أنواع الحجج والذَّرائع والبيّنات.
وهذا ما يضعنا أمام معضلتين لا بدّ من حلٍ لهما:
الأولى: أنَّنا نرى في جميع هذه الوقائع المستقبليَّة الَّتي ذكرناها آنفاً، والَّتي يدين بها التَّشيّع، وينتظرها في حالة عبادة وشغف تعطيلاً لكلّ المفردات الدّينيَّة الَّتي تعطي الدّين معناه، وتمنحه ألقه، وتضفي عليه سموّه، فلئن كانت مفردات (العدالة)، و(الإنصاف)، و(الجزاء) سامية فإنّ مفردات (العفو)، و(الصَّفح)، و(المغفرة) و(الإحسان) أسمى وأعلى، وهي الَّتي تتربَّع على عرش القيم والأخلاق!! وهي الَّتي تنسجم مع شخصيات الأئمَّة إذا ما فهمناها في عمقها الدّيني وتجليها الإنساني الرّحموي، ولطالما جرت مقارنة شخصيتي الإمامين علي والحسين بالسَّيّد المسيح، ولطالما تمَّت مقاربتهم، ثلاثتهم، بعضهم مع بعض، وهذا ما يدفع تصوّر أن يكون هذان الإمامان متعطشين متلهفين لمثل هذا القصاص الفظيع المريع، والَّذي أمسكنا عن ذكر تفصيلاته وأنواعه كما ألمحنا، والَّذي تخرج به فظاعته عن كونه قصاصاً إلى كونه تفنناً في الانتقام!!! أين هذا من شخصيَّة المسيح! ومن شخصيَّة علي! ومن شخصيَّة الحسين! وأين هذا من شخصيَّة الحسن؟ ومن شخصيَّة الكاظم؟ أم أنَّه لن يظلّ كاظماً في ساعة القوَّة والتَّمكين؟ كلا وحاشا!! وأين هذا من دعوة القرآن الَّتي تقرّر أن العفو والصَّفح أقرب للتَّقوى! وفي ظنّي بل يقيني أنَّ الأئمّة جميعاً حين يقفون أمام القريب للتَّقوى (القصاص)، وأمام الأقرب للتَّقوى (العفو) فإنَّهم سيكونون قطعاً في خانة الأقرب.
الثَّانية: إنّ هذا التخيّل الميتافيزيقي المستقبلي كان يتلاءم مع طرق العقوبة وآليات التَّعذيب في القرون الوسطى، ويستقي، ربَّما، من ممارسات فعليّة قامت بها حركات ثأريَّة كحركة التوَّابين، وحركة المختار الثَّقفي، لكن هذه العقوبات الَّتي تنصّ عليها تلك الروايات من جلد وقتل وصلب وحرق وذرّ لرماد الجثث في الرّياح يتعارض تعارضاً كليّاً مع تطوّر المسيرة الإنسانيَّة الَّتي ترتقي في مفاهيمها ونظرياتها الأخلاقيَّة والحقوقيَّة والجزائيَّة، والَّتي تتقدَّم في مجمل أدائها في تلك المضمارات يوماً بعد يوم.
كيف يستسيغ الشّيعي المعاصر، فضلاً عن المستقبلي، الَّذي يشهد بأمّ عينيه إلغاء عقوبة الإعدام، وإلغاء العقوبات الجسديَّة: (الجلد والقطع والرَّجم) أن يفكر في جلد أحد أو قتله أو صلبه، ومن ثمّ حرقه وذرّ رماده، مهما كان جرمه أو جريرته؟
وحقيقةً أمام الصَّلب والإحراق لجثتي أبي بكر وعمر بعد قتلهما، كثيراً ما يتساءل بعض المؤمنين من أتباع الشّيعة أنفسهم، ممَّن يحرّكهم منطق الفطرة، أو منطق الشَّرع نفسه: أليس ذلك من المنهيات الشَّرعيَّة حيث حرّم الإسلام التَّمثيل بالجثث؟ أليس ما تعرضه الرويات ويقصه الخطباء على المنابر من صور سَرَف العقوبة منهياً عنه في القرآن نفسه بقوله: فلا يسرف في القتلالإسراء: 33!! وسوف نجد في مواقع المشايخ على النّت استدلالات وتفنيدات تسوّغ ذلك وتطرّيه، وتقرّبه، في ظنّهم، من القلوب والعقول والأذهان. بل وأمام احتمال أن يعلن أولئك الرَّاجعون إلى الحياة من أعداء أهل البيت توبتهم وأوبتهم نسبوا للأئمّة أيضاً أنّ الله سيستثنيهم من قبول التَّوبة، وسيجريهم في ذلك مجرى فرعون لما أدركه الغرق، وأنَّهم هم المقصودون، أولاً وبالذَّات، في قول القرآن الكريم: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراًالأنعام: 158.
ونعود مرة أخرى للمسيحيَّة الَّتي كانت فعلاً تتطوّر، ولكن ليس من الجهة الَّتي تحدث عنها كزنتزاكس فحسب، ولكن من جهة أخرى هي أشدّ أهميَّة، وأكثر تمثلاً لروح المسيح وأمنياته، ألا وهي أنَّها استطاعت التَّحرّر من عبء تركة التَّاريخ الثَّقيلة المملوءة كراهية وحقداً، وأنَّها تخفّفت من حِمله المرهِق النّاضح بغضاً ومقتاً، من خلال المصالحة ليس مع الجسد فقط، ولكن مع العدو التّاريخي المتمثّل باليهود، والكفّ عن تحميلهم وزر إراقة دم المسيح وإزهاق روحه المقدَّسة، فكفّت المسيحيَّة في وقتنا الرَّاهن عن أن ترى في ملامح كل يهودي قاتلاً للمسيح، تلك الرُّؤية الَّتي كانت مسؤولة عن تاريخٍ طويل من الكراهية والاضطهاد والمجازر المسيحيَّة بحقّ اليهود. فقد أدركت المسيحيَّة في سلم تطوّرها الإنساني أنّ الاسترهان للثَّأر يطرح الإنسان في مفازة عمياء تطفئ مرة واحدة كلّ النّور في فكره وقلبه، وتحقَّقت الكنيسة من الحكمة العربية القائلة: “لا سؤدد مع انتقام”، والقائلة أيضاً: “الانتقام ذلٌّ لمن تعزَّز به”.
ولن أستعرض في هذا المقال الدَّعوات والمحاولات والوثائق والرَّسائل الَّتي قدّمها كرادلة وأساقفة في النّصف الثَّاني من القرن العشرين، والَّتي نادوا فيها أن يكون الشَّعب اليهودي جزءاً من الأمل المسيحي، ودعوا فيها إلى عدم اعتبار اليهود شعباً منبوذاً أو معادياً للمسيح، بل وذهبوا إلى أبعد من ذلك حينما أعلنوا أنَّ المسيح نفسه كان يهوديًّا وسيظلّ يهوديًّا. وهكذا مهّدوا الطريق أخيراً للبابا بيندكت السَّادس عشر ليعلن في سنة 2012، وفي ساعة من ساعات الإنعام السَّامي، بكلّ وضوح وجلاء تبرئة اليهود من دم السيّد المسيح.
لم يكن ذلك الإعلان مؤامرة يهوديَّة، ولا اختراقاً يهوديّاً، بل ارتقاءً مسيحيّاً عظيماً، وسموّاً مسيحيّاً خارقاً، على طريق التّحقّق بروح المسيح، ودعوة المسيح، وأفق المسيح، وتطلّعات المسيح، وسلام المسيح، وسلام الإنسان المؤمن به.
وهذا ما نرجوه اليوم للتَّشيّع أيضاً: أن يرتقي ويتطوّر فيتعالى على المأساة، ويسمو على المصيبة، ويدعو للمغفرة وللمسامحة وللإحسان مع أعداء أهل البيت قبل أصدقائهم، ومع مناوئيهم قبل محازبيهم. إنَّ هذه الحالة ستدفع بالتّشيّع إلى اكتشاف آفاق وأمداء روحانيّة تفوق في كلّ مناحيها معظم المقولات المتفجِّعة والمتوجِّعة السَّائدة في المذهب اليوم، والَّتي يستقصي أرباب المنابر الحسينيّة تزويقها وتنميقها وتثبيتها وترسيخها، وعندها ستدخل مفردات التَّشيّع ومفاهيمه في السلّم كافّة، وسيقدّم التّشيّع للإنسانيّة أروع أنموذج وأحفله بالمغزى، حيث يتصرَّم تضرُّم الغضب والحقد واللّعن وحبّ الثأر.
نعم سيخطو التَّشيّع تلك الخطوة يوم يعتقد أنّ الأئمّة أرقى وأرحم وأنزه من أن ينتقموا من أعدائهم بأن يُميتوا الواحد منهم ألف موتة في اليوم واللَّيلة! سيخطو التَّشيّع تلك الخطوة يوم تتملّكه مفردات العفو والصَّفح والمغفرة فيعتقد أنّ (الرّجعة) إن تحقَّقت فمن أجل أن يصفح الأئمَّة عن أعدائهم، لا بل ومن أجل أن يباركوهم، وعندئذ سيكون التَّشيّع أقرب للإنسانيّة، وأقرب للسلّم الَّذي دُعي أتباعه للدُّخول فيه.
ولا شكّ عندي في امتلاك عالم التَّشيّع لرجال وعلماء لديهم من الجرأة والاقتدار ما يؤهِّلهم لحمل عبء إعادة النّظر في سرد تاريخ التَّشيّع، تماماً مثلما شهدنا في المسيحيَّة الكاردينال “بيا” في عام 1963، والدكتور “مايكل رمزي” في 1964، ولجنة الفاتيكان للعلاقات مع اليهود في عام 1985، وسيكون أمامهم مهمَّات أخرى تُحقِّق الهارموني مع الأقرب للتَّقوى، من قبيل تغيير صيغ الزّيارات والأدعية المليئة بالكراهية، والَّتي أملتها ظروف ومناسبات وأخلاق وقيم تمّ تجاوزها، كزيارة الوارث، وزيارة العبّاس، وزيارة الأربعين للحسين، وزيارة الجامعة، ودعاء العهد…إلخ
هل نحلم؟ إطلاقاً. بل نقول ذلك وكلّنا رجاء وأمل، وكما قال كزنتزاكس أيضاً: “بالأمل وحده نستطيع تحقيق ما يتجاوز الأمل”.
اقرأ:
محمد أمير ناشر النعم: آهٍ منّا معشر المؤيدين