Archived: فورين بوليسي :حدادا على سوريا التي كان ينبغي أن تكون

فورين بوليسي : التقرير

في وقت سابق هذا الأسبوع، عندما دخل وقف إطلاق النار في سوريا حيز التنفيذ، انتهز بشار الأسد الفرصة للبدء في جولة بمكان لطالما استعصى عليه؛ فقام بزيارة لمدينة داريا بضواحي دمشق، حيث نجح الثوار في مقاومة قواته لأربع سنوات طوال، حتى وافقوا على التخلي عن السيطرة عليها خلال الأسبوع الماضي في أغسطس.

وخلال تلك السنوات الأربع جرب النظام كل ما لديه في داريا؛ فقد حاصرتها القوات لتجويع أهلها، ورفضت السماح لقوافل الإغاثة بتوصيل الطعام إلى السكان، وقامت مروحيات النظام بقصف المدينة بالبراميل المتفجرة، وأسلحة الإرهاب العشوائية التي لا فائدة عسكرية منها، وفي أغسطس، استخدمت القوات الجوية السورية الصواريخ وقنابل النابالم لدك آخر مستشفى بالمدينة، ويعتقد بعض المراقبين أن هذا كان جزءًا من جهد محسوب لتحويل المكان إلى منطقة غير صالحة للسكن تمامًا.

وقد رأينا نفس الوحشية في عدة أماكن أخرى خلال الحرب، ولكن كان هناك شيء مختلف في داريا؛ شيء يساعد على تفسير سبب احتفاء الأسد بسقوطها.

وإذا تابعتم عناوين الأخبار فقط، فسوف يكون لكم العذر إذا رأيتم ان هذه الحرب هي في الأساس قتال بين بديلين سيئين بنفس القدر؛ حزب البعث الشمولي التابع للأسد أو تنظيم الدولة الشمولي الديني والجماعات الجهادية الأخرى، لكن هذا تبسيط مخل – يريد الأسد والإرهابيون على حد سواء أن يصدقه أتباعهم بل والعالم كله – لكنه بالتأكيد أكثر صحة الآن مما كان عليه في بداية الصراع، ولكن الحروب الأهلية في طبيعتها لديها ميل إلى تعزيز التطرف، حيث يتم مكافأة القساة، ويستبعد الثوريون والإصلاحيون.

وهذا بالضبط ما حدث في سوريا، واليوم، وبعد خمس سنوات، من السهل نسيان أن ثورة سوريا قد انطلقت في خضم التفاؤل الذي عم أثناء الربيع العربي.

لقد كانت الاحتجاجات الأولى ضد ديكتاتورية الأسد سلمية؛ حيث طالبت المظاهرات بالديموقراطية، وليس حكم القاعدة.

وكانت داريا أحد الأماكن التي بدأت فيها الحركة؛ ففي المراحل الأولى للثورة كانت موطنًا للناشط غياث مطر، المعروف بـ”غاندي الصغير” بسبب اعتناقه للاعنف، وعندما وصلت قوات الأسد لسحق المظاهرات، قام بتحيتهم بالورود والمياه، وقد ردوا عليه بتعذيبه حتى الموت، وقد تمت إعادة جثمانه إلى عائلته بعد تمزيق حنجرته، وبدأت البلاد في الانحدار.

وتشرح الصحفية جانين دي جيوفاني، في كتابها “الصباح الذي أتوا من أجلنا فيه”، ما حدث بعد ذلك، فعندما زارات داريا عام ٢٠١٢، حدثها السكان المحليون بشكل مفصل عن المجزرة التي نفذتها قوات النظام التي نجحت خلال وقت قصير في انتزاع البلدة من الثوار، وقالت لي: “لقد تم عقابها؛ أنها كانت رمزًا للمقاومة السلمية”.

ولكن بالرغم من الوضع الصعب، حاول سكان المدينة التمسك بمبادئهم، وعندما أدرك جنرالات الأسد أنهم لا يستطيعون استعادة المدينة، قاموا بحصارها، وأصبح الجوع هو سلاح النظام الفعال، تقول دي جيوفاني: “وقد سألتهم: ماذا أكلتم اليوم؟”، فكانت إجابتهم: “أوراق العنب وبعض الملح”، فقد كانوا يأخذون الأوراق من الأشجار ويصنعون منها حساء، لقد غادر معظم السكان المدينة، لكن الآلاف – ومعظمهم من النشطاء – قد بقوا، وفي أكتوبر عام ٢٠١٢، قاموا بتأسيس مجلس كي يحكموا أنفسهم، وفي السنوات التالية، وحتى بعد أن أصبحت الحياة شبه مستحيلة، استمروا في إجراء انتخابات، “كل ستة أشهر، داخل كل مكتب ووزارة في الحكومة المحلية”، كما يقول حسام عياش، المتحدذ باسم المجلس المحلي.

والأهم من هذا كله – كما أخبرني – أن الحكومة المحلية قد استمرت في الحفاظ على استقلالها عن الجيش السوري الحر، ويقول عياش إنه في العديد من المناطق التي يسيطر عليها الثوار، قد سقطت الحكومات المحلية في يد المقاتلين، وكثيرون منهم من المتطرفين الإسلاميين، وعلى عكس الأماكن الأخرى لم يتمكن تنظيم القاعدة وأمثاله من الحصول على موطئ قدم في داريا، ويقول عياش: “لم تكن لدينا أي وسائل اتصال، ولم يكن لدينا ماء، ولكن أيضًا لم يتمكن أحد لا من الدخول ولا من الخروج، والمقاتلون الوحيدون في داريا كانوا من السكان المحليين؛ لذلك لم يكن لدينا جهاديون”.

وقد تحدث عياش معي من شمال سوريا، حيث يعيش هناك الآن بعد “إجلائه” من داريا على يد قوات النظام في الأيام التي أعقبت استسلام المدينة في ٢٥ أغسطس، وعندما نجح الجيش السوري في السيطرة على موقع هام على أطراف المدينة، عرف زعماء داريا حقيقة ما يحدث، وقبلوا بعرض النظام وهو ممر آمن إلى الشمال مقابل التخلي عن سيطرتهم عن المدينة، إذ أن هذه اللفتة المتساهلة غير المعهودة من جانب الأسد كانت خطوة ذكية، فقد مكنته أخيرًا من السيطرة على أحد أهم معاقل الثوار بتكلفة منخفضة نسبيًا من قواته، كما أنها كانت محسوبة للنيل من عزيمة معاقل الثوار في المناطق الأخرى الأكثر صعوبة، التي قد ترى الآن أن أي اتفاق مع النظام قيد يكون الخيار الأكثر قبولاً من الاستمرار في المقاومة.

من الصعب المبالغة في تقدير الأثر النفسي لسقوط المدينة، وقد أخبرني فادي محمد – وهو ناشط آخر من داريا – أن المدينة قد جسدت آمال كثير من السوريين الذي رفضوا المتطرفين من كل الفصائل، واستشهد بواقعة حدثت قبلها بفترة، عندما كون المتظاهرون سلسلة بشرية حول مبنى الحكومة المحلية لحمايته من القوات الموالية للنظام، ويتذكر إخلاص المدينة لمبدأ الحكم المدني، فقد قال: “لو كانت التجربة في داريا قد تلقت حماية ودعما من قبل المجتمع الدولي، فربما كانت نموذجًا يحتذى به”، هذه “لو” كبيرة جدًا، بالطبع. ولكن من الصعب استبعاد هذه الفكرة.

وكتب المحلل سام هيلر من مؤسسة سينشري، قائلاً: “إن سقوط داريا هو نقطة تحول في الحرب السورية”، وأضاف: “بالنسبة لكثيرين في المعارضة السورية، كانت داريا تمثل أفضل ما في الثورة السورية؛ حيث كانت معقلاً للنشطاء المدنيين والقوميين، وثوار الجيش السوري الحر الذي حافظ على وحدته وثابر لسنوات ضد مصاعب كثيرة، حتى عندما وقعت المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة في أيدي الجهاديين وانزلقت إلى منحدر الاقتتال الداخلي”.

وللتأكيد، فإن داريا هي أيضًا مكان له أهمية عسكرية كبيرة؛ حيث يشير فيصل عيتاني، المحلل بالمجلس الأطلسي بواشنطن، إلى أن المدينة تقع على بعد أميال قليلة من دمشق، وتقع بالقرب من مطار النظام، وأخبرني قائلاً: “لقد كانت وجهة نظري دائمًا هي أن هذه المدينة هي أهم منطقة جغرافية في الحرب”، ويقول إن سقوط داريا ومناطق أخرى بالقرب من دمشق في أيدي قوات النظام هي “أهم انتصارات الحرب”، ويقول إن الفضل في هذه الانتصارات يعود إلى التدخل الروسي لصالح الأسد.

وقد نجح النظام الآن في إخلاء المدينة بالكامل من الناس الذين كانوا يعيشون هناك، وهناك شائعات حول نية الأسد استبدال ثوارها السنة بجماعات طائفية موالية لنظامه، وتقول دي جيوفاني: “ما حدث في داريا هو تطهير عرقي”، مشيرة إلى أن طرد المدنيين واستبدالهم بآخرين هو انتهاك صريح للقانون الدولي، “وهذا يصنع سابقة مرعبة”.

ويتحدث أنصار داريا عادة عن “تجربة” في الحكم الذاتي والممارسة الديموقراطية، والسؤال الآن هو ما إذا كان تلك التجربة يجب أن تعتبر فاشلة، أو أن الناجين يمكنهم الحفاظ عليها حية في وقت يبدو أن روح الاعتدال والبراجماتية لديهم قد ارتدت إلى عصور بعيدة.

يظل نموذج داريا محيرًا؛ فهذه حالة يتمسك فيها السوريون بمبادئهم الخاصة بالحكم المدني حتى تحت أسوأ الظروف، وهذا هو بمثابة تحد واضح لحزب البعث الحاكم؛ حزب بشار الأسد، وكما يقول عياش فإن “فكرة الاختيار هذه بين الأسد أو تنظيم الدولة، ليست صحيحة، ففي الحقيقة لديك خيار آخر، وهذا الخيار هو نحن؛ نحن نبحث عن مستقبل، ونحن نعتقد أنه سيكون لدينا مستقبل جيد، إذا كنا أحرارًا، ونعيش بكرامة”.

لكن الواقع الأليم، بالرغم من ذلك، هو أن سقوط داريا هو ضربة هائلة لهذا الحلم، والسوريون المؤمنون بالديموقراطية في كل مكان ينعونها، ولهذا السبب تحديدًا قرر الأسد الاحتفال بانتصاره هناك، وتقول دي جيوفاني: “إنه انقلاب حقيقي بالنسبة للأسد، لقد كره داريا، لقد كانت كل شيء يبغضه”.