on
Archived: نتنياهو في موسكو … الأجواء السوريّة لكم ولنا
| من المؤكّد الى الآن أنّ الروس لا يحاولون الدخول الى المنطقة “بالتقسيط”، بل يظهر أنّ الانكفاء الاميركي عنها سيسحبهم بطريقة تلقائيّة اليها. |
جورج عيسى: النهار
خلال الآونة الاخيرة، بات صعباً أن ينقضي يوم بدون أن يحمل معه خبراً جديداً متعلّقاً بالنشاط العسكري الروسي داخل الأراضي السوريّة. ولم تعد خافية على أحد استعدادات موسكو للانخراط ميدانيّاً ولو بشكل جزئيّ في دعم حليفها الرئيس بشّار الاسد في حربه ضدّ “المتطرّفين”.
الملاحظة الأولى تستند الى تغيّر النظرة الروسيّة شبه المفاجئ الى عمليّة القيادة العسكريّة في الميدان السوري. فبعدما كان الكرملين مرتاحاً لنظريّة “القيادة عن بُعد”، بات اليوم تحت ضغط المستجدّات العسكريّة، مضطرّاً للقيادة عن قرب وربّما عن “القرب الأقرب” لأنّ النظريّة الأولى باءت بالفشل، أو بتعبير أدقّ، استهلكت الى حدّ كبير.
والتعزيز العسكري الروسي على سواحل المتوسّط رسالة سياسيّة الى أكثر من طرف، ولهذا كانت الحكومة الاسرائيليّة الاسرع والاقرب الى تلقّيها وقراءتها ودرسها. فالدولة العبريّة ستكون الاكثر تضرّراً، ليس من الانخراط العسكري نفسه، بل من منظومة صواريخ ارض-جو التي سترسلها موسكو الى سوريا. لأنّه عندها – إذا صحّ تقدير بعض الجهات- سيكون أمنها القوميّ على المحكّ بعكس باقي الدول المتورّطة في النزاع السوري والتي سيتعرّض نفوذها لا أمنها للخطر المحدق.
ولهذا السبب سيسافر رئيس الحكومة الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الى موسكو الاسبوع المقبل في زيارة عاجلة هدفها “ضمان أمن” دولته مع المتغيّرات التي تحاول روسيا فرضها في الشرق الأوسطبحسب ما تتداوله وسائل إعلاميّة عدّة. صحيفة “الانديبندنت” البريطانيّة ركّزت على تشكيل الاسلحة الروسيّة العالية التقنية مصدر القلق الابرز لإسرائيل، وعلى رأس هذه اللائحة صواريخ أرض-جو التي في حال وصولها الى أيدي “حزب الله” قد تقلب موازين القوى الجوّيّة في المنطقة إلى أجل غير مسمّى. وتنقل الصحيفة أخباراً عن وصول سبع دبّابات روسيّة وبعض القوّات العسكريّة بالاضافة الى أسلحة مدفعيّة الى الجيش السوري. وتفيد مصادر غربيّة وروسيّة عن خطّة للكرملين بارسال منظومة متطوّرة من صواريخ أرض-جو طراز أس أي -22 الى القوّات السوريّة.
من المؤكّد الى الآن أنّ الروس لا يحاولون الدخول الى المنطقة “بالتقسيط”، بل يظهر أنّ الانكفاء الاميركي عنها سيسحبهم بطريقة تلقائيّة اليها. فقبل الحديث عن صفقة صواريخ “أس أي 22 ” مع السوريّين، ساد الساحة الدوليّة كلام عن بدء مفاوضات روسيّة-إيرانيّة من أجل تزويدالجمهوريّة الاسلاميّة بصواريخ سام من طراز أس-300 بحسب “معهد واشنطن”، مباشرة بعد التوصّل الى الاتفاق النووي منذ شهرين. وللروس أيضاً صفقات أسلحة مع مصر.
إذاً، لم يعد السؤال عن استعدادات موسكو للدخول الى المنطقة بقدر ما يتمحور حول المدى الذي يشكّل فيه دخولها تغييراً في علاقات القوى المرسومة فيها. فنتنياهو بحسب وكالة “رويترز” الاميركيّة سيبدي أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قلق بلاده من وصول أسلحة روسيّة “فتّاكة” الى القوّات في سوريا ومنها الى “حزب الله”. الزيارة التي ستتمّ يوم الاثنين 21 أيلول “ستكون زيارة عمل ومحادثات قصيرة مع بوتين”، بحسب الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف.
وتضيف الوكالة أنّه حتى ولو حصر استخدام صواريخ أرض-جو المتطوّرة بيد الروس، فإنّ وجودها في سوريا بحدّ ذاته سيقلق إسرائيل التي قصفت سابقاً أسلحة كانت متوجّهة الى الحزب. وستلوح المشاكل أيضاً أمام الطيران الاميركي الذي يحلّق في الأجواء السوريّة من أجل ضرب “داعش”. ومن هنا تشير الوكالة الى احتمال قيام “حرب باردة” بين القوّتين فوق سوريا على رغم أنّ الروس يؤكّدون استمرار دعمهم لسوريا ضمن مفاهيم القانون الدولي ولضرورة مواجهة الارهاب.
صواريخ “أس أي 22 “أو “بانتساير-أس 1 “بحسب موقع “ميليتاري توداي” الالكتروني هي نظام دفاع جوّي للمدى القصير مصمّم لحماية مواقع عسكريّة ومدنيّة استراتيجيّة. يستطيع هذا النظام ضرب المروحيّات والطائرات والصواريخ الباليستيّة وصواريخ “كروز”، بالاضافة الى طائرات حربيّة متطوّرة مثل “أف 117 ” و”أف 22″. وبحدود عام 2014 تمّ تصنيع بحدود 200 من هذا النظام وصدّر بعضها الى الجزائر وسوريا والامارات العربيّة المتّحدة بحسب الموقع نفسه. المنظومة مجهّزة باثني عشر صاروخاً يبلغ مداها الاقصى 20 كيلومتراً مع ارتفاع 8 كيلومترات، فيما تبلغ سرعتها القصوى 1000 متر في الثانية. والنظام مجهّز أيضاً برشّاشين من عيار 30 ملليمتراً يحتويان على 1400 طلقة، ويستطيع تعقّب الاهداف على بعد 30 كيلومتراً.
على رغم كلّ ما سبق، وعند الحديث عن التوسّع الروسي في المنطقة، يجب أن يؤخذ بالاعتبار أنّه توسّع طبيعي وتلقائي لملء الفراغ الذي يخلّفه وراءها انحسار نفوذ الولايات المتّحدة. ولأنّ الطبيعة تكره الفراغ كما بات معلوماً، فإنّ الروس سيعوّضون جزءاً منه لأنّهم، بحسب موازين القوى، الأقدر على ملئه، بعد واشنطن. لكن يجب الاخذ بالاعتبار أيضاً، أنّ ميزان القوى لن يميل للروس فجأة بشكل فاقع كما تروّج له جهات معيّنة. فالروس قاموا سابقاً ببيع سوريا المنظومة نفسها عام 2013 بحسب “ميليتاري توداي” وبحسب ما أفاد مصدر مقرّب من البحريّة الروسيّة الى “رويترز” أيضاً. وهذا الامر يعني أنّ ما يجري ليس جديداً في ما يتعلّق بإرسال النظام الدفاعي الى القوّات السوريّة. والزيارة الاسرائيليّة الى موسكو لا يرجّح لها أن تشكّل أكثر من استعراض سياسيّ ربّما يصرف إعلاميّاً في الداخل الاسرائيلي كحدّ أقصى.
فالثقل العسكريّ الروسي راجح في منطقة الساحل. بينما غالبيّة الاعتداءات العسكريّة الاسرائيليّة داخل سوريا منذ 2001 تجنّبت تلك المنطقة. من جهة ثانية، يشير “معهد واشنطن” الى أنّ تحسّن العلاقات الروسيّة الغربيّة بشكل عام يدفع الروس الى إلغاء عمليّات بيع الصواريخ الى بعض الدول أو تأجيلها. ما يعني أنّ الروس يستخدمون ورقة بيع الاسلحة الى بعض الدول (ومن بينها إيران وسوريا) كورقة ضغط على الأميركيّين للحصول على مصالح أكثر حيويّة لهم في أحيان عدّة.
بناء على ذلك، هنالك صعوبة الآن في الإشارة الى انقلاب فعليّ لموازين القوى في سوريا. ولو كانت هنالك رغبة من حزب الله للحصول على تلك المنظومة لكان حصل عليها بأيّ طريقة منذ عام 2013. ولكنّها على ما يبدو لا تفيد قوّاته التي تحارب كمنظومة قتاليّة غير تقليديّة، هذا اذا استثنينا أساساً فكرة أنّ الروس يراقبون عن كثب وجهة وكيفيّة استخدام منظوماتهم المباعة.
لذلك وحتى إشعار آخر، ستبقى الخطوط الحمر شبه ثابتة في سوريا. كما على الارض … كذلك في السماء.
اقرأ:
نتنياهو مع بوتين الاسبوع القادم لبحث نشر قوات روسية في سورية