Archived: (بلاك ووتر) روسية وتسليح قبائل عراقية … و(مخلوقات خضراء) في سورية

رائد جبر: الحياة

يبدو السؤال عن مشاركة عسكريين روس في القتال في الحرب الدائرة في سورية، مزعجاً للمسؤولين في وزارتي الدفاع والخارجية. ويتجنب الناطقون الرسميون الإجابة عن أسئلة من هذا النوع، ويتحدثون عن «عملية نظيفة» يشنها سلاح الجو فحسب. أما الإشارات المتكررة إلى مشاركة ميدانية لقوات نظامية أو وحدات خاصة، فتُقَابل بصمت مطبق في الأوساط الرسمية.

وعلى رغم إشارات نادرة صدرت عن بعض المسؤولين، مثل الحديث عن «متطوعين يشاركون في الحرب على الإرهاب»، يواصل الكرملين نفي وجود نية لإرسال وحدات للقتال في سورية. وأشار الرئيس فلاديمير بوتين أخيراً إشارة غامضة إلى مشاركة وحدات من مشاة البحرية في بعض العمليات، لكنه ربط انتشارها بمهمات حراسة المنشآت التي يرابط فيها عسكريون روس. والمشهد الإعلامي الروسي هو مرآة الموقف الرسمي. فمن النادر أن تنشر الصحف الكبرى تحقيقات أو معلومات تناقض تصريحات الجهات الرسمية. وغرّدت صحيفة «غازيتا رو» الإلكترونية الواسعة الانتشار خارج السرب، ونشرت تحقيقاً في أيلول (سبتمبر) الماضي، عن «وحدات عسكرية تتجمع في نوفورسيسك» (ميناء انطلاق السفن الحربية الروسية إلى الشرق الأوسط). أثار التحقيق استياء الكرملين، إذ نقل شهادات مجنّدين بموجب نظام التعاقد، قالوا إن قياداتهم أبلغتهم أن وجهتهم هي شرق أوكرانيا بينما تشير التحضيرات إلى الإعداد لإرسالهم إلى سورية.

وفي الشهور الثلاثة التالية تطور الوضع كثيراً، وبدأت أوساط حقوقية ومدنية تتحدث علناً عن مشاركة جنود روس في ميدان المعارك السورية، وعن قتلى في المواجهات بلغ عددهم عشرات، وفق معطيات قدّمها مركز حقوقي روسي. وأكد المركز إن جثامين القتلى التي تسمى باللغة العسكرية الروسية «الشحنة 200»، وصلت إلى القرم ونوفورسيسك ومناطق أخرى. وفي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، نشر موقع «برافدا رو» الإلكتروني تحقيقاً مثيراً، حول درجة إقبال الروس على محركات البحث لجمع معلومات عن مجالات التطوع من أجل القتال في سورية. وكشف التحقيق أن محرك البحث الروسي «ياندكس»، تلقى نحو 1.5 مليون سؤال خلال شهر تناولت كلها سورية، بينها أكثر من ألفي سؤال مفادها: كيف أتطوع للقتال في سورية؟

هذه المعلومات تميط اللثام عن جزء من «الحقيقة» التي تتكتم عليها الأوساط الرسمية: الجزء الأعظم من الحالمين بالذهاب إلى سورية للقتال، يوقع عقوداً مع المؤسسة العسكرية الروسية. لكن هؤلاء ليسوا جنوداً نظاميين ما يرفع عن كاهل الكرملين الحاجة إلى تسويغ إرسال مجندين إلى الموت في معركة لا تهم الروس. ونشرت منظمة «أمهات الجنود» الحقوقية أخيراً تقريراً عن آلية التعامل مع المتطوعين. فهم يحصلون على رواتب مجزية تبلغ 200- 300 ألف روبل شهرياً (حوالى 4000 دولار، أي ثلاثة أضعاف متوسط الراتب في موسكو)، ناهيك عن مكافآت خاصة لمشاركتهم في مهمة خارج البلاد وتأمين كبير على الحياة. وأوضحت صحيفة» فيدوموستي» الاقتصادية الشهر الماضي، أن «المتعاقدين» يحصلون على راتب تقاعدي مجزٍ، وفي حال الوفاة تحصل أسرهم على تعويض يبلغ نحو 2.340 مليون روبل، وهو رقم كبير قياساً إلى متوسط التعويضات في روسيا، على رغم أنه يبدو متواضعاً إذا قيس بسعر الروبل أمام الدولار (نحو 65 روبل). وعلى سبيل المثل، لا تزيد تعويضات ضحايا الإرهاب عن نصف هذا المبلغ. وتراوح قيمة التعويض في حال الإصابة بين 1.750 و0.60 مليون روبل بحسب طبيعة الإعاقة الناجمة عنها. لكن هذه التفاصيل لا تكشف الجانب الأهم في الموضوع: مَنْ هم هؤلاء المتطوعين وكيف يعدون للحرب ويرسلون إلى ميادينها القصية وفق نظام العقود؟

تحدثت، أخيراً، وسائل إعلام غربية عن تشكيل كتائب خاصة من المتعاقدين تشبه مؤسسات معروفة في الولايات المتحدة، مثل «بلاك ووتر» التي شارك آلاف من عناصرها في الحرب العراقية، ونقلت «ذا وول ستريت جورنال» عن ايفان كونوفالوف، وهو مستشار أمني سابق يرأس الآن مركز بحوث الأمن في موسكو، تفاصيل عن عمل هذه الكتائب الخاصة في أوكرانيا سابقاً واليوم في سورية. ويرمي نشاط «المتطوعين» الروس إلى تجنيب الكرملين إرسال وحدات نظامية والإحراج الذي قد تسببه المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية في سورية. وكشف تقرير آخر أعدته «ذا ديلي بيست» جانباً لا يقل أهمية: سعي الكرملين إلى تكرار تجربة الأميركيين في العراق عبر تنسيق خطوات مع عشائر عراقية وتأسيس ما يشبه تحالف، في إشارة إلى نية الكرملين توسيع النشاط العسكري في الشرق الأوسط وتعزيزه.

تعود فكرة «كتائب المتعاقدين» في روسيا إلى نهاية التسعينات ومطلع الألفية الثانية، مع نهاية الحرب الشيشانية الثانية. ودار كلام وسائل إعلام روسية على مهارات وإنجازات كتيبة «فوستوك» (الشرق) التي تخضع الآن لإدارة مباشرة من الجيش لكنها عملياً تأتمر بأمرة الرئيس الشيشاني، رمضان قاديروف. هذه الكتيبة لعبت أدواراً بارزة في ما بعد، فهي كانت رأس الحربة في الحرب الروسية – الجورجية عام 2008. كما أن مقاتليها شاركوا في الحرب مع أوكرانيا، وفق تأكيدات أكثر من ناشط حقوقي. وثمة إشارات كثيرة إلى أن «الشحنة200» وصلت حاملة أعداداً كبيرة من جثامين روس ماتوا في أوكرانيا إلى مدن روسية، على رغم أن الكرملين ينفي رسمياً أي وجود عسكري مباشر لقواته في البلد الجار، عدا إشارة بوتين اليتيمة إلى «مشاركة وحدات خاصة في مهمات محدودة».

ونقل موقع «بوليت أون لاين» الإلكتروني عن مسؤول في وزارة الدفاع الروسية أن كتائب المتعاقدين تضم «مقاتلين محترفين ومجهزين في شكل جيد جداً»، وهم يشكلون قوات ضاربة متقدمة في حروب الشوارع والعصابات. وسلط الموقع الضوء على مسألة بارزة وراء تفضيل المجندين الروس الانخراط وفق نظام التعاقد. فإلى الرواتب المجزية، يفضل «كثيرون عدم قضاء مدة خدمتهم الإلزامية في قطاعات عسكرية (نظامية) فيتحولون إلى عمال بكلفة رخيصة يقومون بأعمال بناء أو ترميم في بيوت الجنرالات أو يحصدون محصول البطاطا في مزارعهم». لذا، يرى كثيرون أن صيغة هذه الكتائب مغرية جداً.

لكن تطور نشاط وحدات المتعاقدين، أخذ بعداً مختلفاً بعض الشيء في أوكرانيا، تحديداً في شبه جزيرة القرم، حيث ظهرت مجموعات عُرفت بـ «الأشخاص اللطفاء» أو بحسب التسمية الأوكرانية «المخلوقات الخضراء»، على سبيل السخرية من نفي روسيا وجود قوات لها. وهذه التسمية هي كذلك نوع من التندر: تشبيه المقاتلين الروس بمخلوقات فضائية يكثر اللغط حول كونها حقيقة أم خيال.

ظهرت مجموعات «الأشخاص اللطفاء» في بدلات عسكرية لا شارات عليها، وكان رجالها يحملون أسلحة خفيفة ويقودون عمليات السيطرة على المنشآت الحكومية والحساسة في القرم. والتذكير بما جرى في أوكرانيا مفيد. فالقيادة الأوكرانية حذرت أخيراً من أن ما يحصل في سورية هو «تكرار حرفي للسيناريو الذي اختُبِر في شرق أوكرانيا». وثمة ما يوحي بأن هذه التحذيرات وثيقة الصلة بالواقع. فالحديث كثر أخيراً عن أن من يتوجّهون للقتال في سورية بصفة «متطوعين» ليسوا فحسب من كتيبة «الشرق» الروسية، بل ومن كتيبة أخرى تأسست في شرق أوكرانيا وتحمل الاسم ذاته، «الشرق». وتمتلئ صفحات الإنترنت بشهادات أشخاص أوكرانيين وروس وصور ومقاطع فيديو تظهر عشرات الأشخاص من «وحدات الحماية الشعبية»، وفق التسمية المطلقة على المتمردين في شرق أوكرانيا، و»كتيبة فوستوك» الأوكرانية وهم يعلنون أمام عدسات الكاميرات عن توجههم للقتال لمساعدة «الوحدات الشعبية» السورية في مواجهة الإرهابيين.

ولا ينفك الكرملين يكرر أنه لن يرسل قوات برية للمشاركة في الحرب السورية، ويرى كثيرون أنه لا يرغب فعلاً في تكرار تجربة أفغانستان والتورط بمستنقع لا يمكن التكهّن بكيفية الخروج منه. لكن الحل الأسهل والأقل كلفة هو الاعتماد على «المتطوعين» ووحدات المتعاقدين الذين يذهبون إلى الحرب كأنهم ذاهبون إلى وظيفتهم كل صباح. هذه الآلية أو الصيغة مضمونة أكثر، ولا تكلف صناع القرار السياسي ثمناً باهظاً، ويمكن في لحظة أن تتوقف من دون تكاليف سياسية أو عسكرية إضافية على البلد.

اقرأ:

لماذا تجلب روسيا شركات (أمن خاصة) للقتال في سوريا بدلا من قواتها النظامية؟