Archived: المضاربة بالعملات تؤخر دفع مستحقات المواطنين

 سليمان أمين: صحيفة النور

 تقف أم أكرم المرأة الثمانينية في ذاك الشارع كل يوم تحت جمر شمس الصيف الحارقة تتكئ على عكازها منتظرة أن تقبض مصروفها الشهري الذي أرسله لها ولدها من بلاد المغترب.. مرت أيام ولم تتعب من الانتظار فقد علمتها الحياة أن الصبر مفتاح للفرج، من دون أن تعلم ماذا يحدث خلف كواليس شركات الصرافة التي تقول لها كل مرة أسباباً مختلفة عن التأخير مانحة إياها ورقة دور جديد. ولم تكن أم أكرم المواطنة الوحيدة المنتظرة بل هناك مئات من المواطنين ينتظرون أمام شركات الصرافة التي لا توضح أسباب المماطلة والتأخير في منح المواطنين مستحقاتهم. وفي تحقيق أجرته صحيفة (النور) في جولتها بين المواطنين حول الازدحام اليومي والكثيف أمام شركات الصرافة والذي بدأ قبل عيد الفطر اتضحت لنا الصورة الحقيقة بأنه لا توجد أموال (كاش) تدفع للمواطنين المنتظرين منذ أيام ومنهم لأسابيع كي يحصلوا على مستحقاتهم! والسؤال: أين تذهب أموال المواطنين المحوّلة من الخارج؟؟ هل تجري المتاجرة بها من قبل القائمين على شركات الصرافة التي تدخل أرباحاً كبيرة بتشغيل هذه الأموال المحولة بالعملة الصعبة وفق سعر الصرف اليومي؟ هل تنتظر شركات الصرافة الوعود بهبوط سعر الدولار خلال الأيام القادمة لتمنح المواطنين حقوقهم؟؟ تساؤلات كثيرة يطرحها المواطنون الذين تجمعوا حولنا، وقال لنا سامر.ب: لقد تعبنا مما يحدث، التأخير نفسه كل مرة.. لقد قدمنا شكوى لنقابة المحامين في اللاذقية بما يحدث ولم يتم حتى اليوم حل المشكلة التي مازالت مستمرة بالتعجيز من قبل شركات الصرافة. أما السيدة لينا.ر فقالت: ما يحدث هو تجارة بأموالنا.. فكل يوم نأتي ويقول لنا الموظفون بأنه لا أموال (كاش) لدينا لندفع لكم، فأين ذهبت أموالنا التي حولت من الخارج؟ هل من مجيب عن سؤالنا؟ نرجو منكم أن توصلوا رسالتنا عبر صحيفتكم. أما سلوى.ح فقد قالت: ما يجري في شركات الصرافة خلال السنوات الأخيرة، منذ بداية التلاعب بسعر الدولار شيء لا يحتمل.. وقد أرهق المواطن من الانتظار أمام أبواب هذه الشركات كما ترون بأعينكم وكأنه يتسول منهم وهو يطالب بمستحقاته التي يقبضها حتى بسعر صرف أقل أحياناً، فأين الجهات المسؤولة مما يحدث؟؟ وكعادتنا كصحيفة اقتربنا من الموظفين متسائلين عما يحدث، فبادروا بإجابتهم المعتادة: ليس لدينا تصريح فنحن نتبع لإدارة رئيسية في دمشق ولكن السؤال الذي نسأله هنا: من هي هذه الإدارة؟ ومن يقف وراءها لتتلاعب هكذا بحقوق المواطن ومستحقاته المالية؟

 

الباحث الاقتصادي زياد إبراهيم لـ(النور):

المضاربة سبب للاحتفاظ بحوالات المواطنين

في لقاء خاص لصحيفة النور مع الباحث الاقتصادي زياد حبيب إبراهيم سألناه: ماذا يحدث ضمن شركات الصرافة؟ وأين تذهب أموال المواطنين الذين نفذ صبرهم وهم يذهبون ويعودون ويقول لهم الموظفون بأنه لا توجد مصاري كاش؟

فقال لنا: عندما تقدم شركات الصرافة خدمة تحويل الأموال من وجهات داخلية ضمن القطر أو من خارج القطر، يبدو بالتحليل أن أسباب عدم تسليم الحوالات من مكاتب الصرافة للمواطنين بشكل فوري:

أولاً- أسباب تتعلق بآلية وإجراءات عمل مكاتب الصرافة التي تعتمد طريقة المقاصة. فلكل شركة صرافة مكتب رئيسي وفروع في المحافظات للحوالات الداخلية، ووكلاء صرافة للحوالات الخارجية، وعمليات التحويل بين هذه المكاتب تتم عن طريق كتب تحويل تقيّد ضمن حسابات الفرع المرسل وحسابات الفرع المرسل إليه، وكل كتاب تحويل يعني زيادة برصيد نقدية المرسل ونقص رصيد المرسل إليه بعد تسليم الحوالة موضوع الكتاب، وعلى فرض أن مكتب حوالات فرع اللاذقية لديه برصيد صندوقه مبلغ 500000 ل.س اليوم صباحاً واستلم كتب تحويل بمبلغ 1000000 ل.س هذا يؤدي إلى حدوث عجز في تسليم الحوالات للمواطنين بنسبة 50 %.

أما السبب الثاني:

فقد يؤدي انخفاض قيمة الليرة السورية تجاه العملات الأخرى وبمعدلات قياسية خلال أيام قليلة إلى احتفاظ مكتب الحوالات بالأرصدة النقدية وعدم تسليمها للمواطنين لأغراض المضاربة، ولكن بوجود الرقابة اللازمة والفعالة من الجهات المعنية على أرقام السيولة والحوالات المستحقة تجاه الأفراد والهيئات يكون من الصعب الاحتفاظ بهذه الأرصدة لمدة تزيد عن يوم عمل واحد. تطبيق رقابة مماثلة يتطلب طبعاً وجود لجان رقابية على عمل موظفي الجهات المعنية المكلفين بالرقابة على مكاتب التحويل وتدوير الموظفين المكلفين بالرقابة على مكاتب التحويل بشكل دائم (أي عدم وجود موظف رقابة دائم على شركة صرافة واحدة لمدة طويلة).

صحيفة (النور) تتساءل: أين الجهات الرقابية المسؤولة عن هذا التلاعب الخطير الذي يحدث منذ شهور طويلة بل سنوات، ولم يعالَج من قبل الحكومات السابقة بل ازداد وتفرعنت هذه الشركات بغياب الرقابات الفعالة التي لم تعط أي اهتمام للتصريحات السابقة حول محاربة المضاربين والمتلاعبين بسعر الصرف وبأموال المواطنين ومصروفهم المعيشي؟ فهل لحكومتنا الجديدة أن تعطي اهتماماً لهذه القضية وتعالجها معيدة ثقة المواطن بمؤسساته الحكومية؟

تساؤلات نتركها برسم مصرف سورية المركزي والوزارات المسؤولة عن هذا الموضوع لعل الابتسامة ترتسم على شفاه أم أكرم التي أرهقها التعب وحرّ الصيف الممزوج بيوميات الحرب.