Archived: ما هي المصالح الاقتصادية التي تستهدفها روسيا في سوريا؟

فيكتوريا سيميوشينا: القدس العربي

قدمت البداية السريعة للعملية العسكرية الروسية في سوريا سببا للاعتقاد بأن لدى روسيا، بالإضافة إلى مكافحة الإرهاب، مصالح اقتصادية في المنطقة تتطلب تنفيذا فوريا لها. بيد أن الخبراء الروس والباحثين الإقليميين لا يرون فوائد اقتصادية حقيقية لروسيا في هذا البلد في السنوات القليلة المقبلة.

خط أنابيب عبر سوريا

تهدد الإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا بحدوث تغيير في توازن سوق الغاز الأوروبية، نظرا لأنه يمكن لدولة قطر في هذه الحالة بناء خط أنابيب مباشر عبر الأراضي السورية إلى تركيا. إن وصول الغاز القطري الرخيص إلى أوروبا عبر الأراضي التي يسيطر عليها السنة سوف يقوض موقف شركة الغاز «غازبروم» أي أن أوروبا لن تكون عمليا في حاجة للغاز الروسي.

بيد أن الخبراء الروس متفقون على أن بناء خط أنابيب الغاز من قطر عبر الأراضي السورية، الذي من المحتمل أن يمثل منافسا لروسيا في أوروبا، هو أمر مستبعد في المستقبل المنظور. الأسباب الكامنة وراء ذلك ذلك عديدة.

يعتقد يوري بوروفسكي، الباحث في العلوم السياسية والأستاذ المشارك في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، أن «سوريا والعراق ستبقيان منطقة عدم استقرار للعديد من السنوات المقبلة (مثلما هو عليه الحال في أفغانستان)، ولا يمكن لأي مستثمر عاقل أن يستثمر في هذا المشروع موارد كبيرة، حيث يدور الحديث عن مليارات الدولارات. ان أسعار النفط والغاز في السوق العالمية منخفضة في الوقت الحاضر، ومن المستبعد أن تجازف كل من قطر والمملكة العربية السعودية بمليارات الدولارات. ربما، انهم قبل بدء الحرب الأهلية في سوريا في العام 2011 وفي ظل ارتفاع أسعار المحروقات، قد فكروا بمثل هذا المشروع. ومع ذلك، فانني لا أعتقد أن رغبتهم بالإطاحة بنظام الأسد مرتبطة إلى حد كبير بمشروع خط أنابيب الغاز.

بالمثل، لا علاقة لوصول القوات الجوية الروسية إلى سوريا بمشروع خط أنابيب الغاز».

سبب آخر من عدم أرجحية المشروع في الوقت الحاضر- تقلب أسعار الغاز تبعا لانخفاض أسعار النفط وركود سوق الغاز الأوروبية خلال السنوات القليلة الماضية. ان استهلاك الغاز في الاتحاد الأوروبي هبط في الفترة 2010- 2014 من 502 إلى 387 مليار متر مكعب. كل هذا يهدد في نهاية المطاف امكانية أن يكون المشروع مربحا.

ويخلص الخبير إلى أنه «من غير المرجح أن تستثمر قطر والمملكة العربية السعودية في خط أنابيب أرضي مكلف، يمكن أن يكون في نهاية المطاف غير مربح. من الأفضل في مثل هذه الحالة بناء مصانع جديدة للغاز الطبيعي المسال وتصديره في شكل مسال، بالإضافة إلى ذلك، فان الغاز القطري السعودي سوف يدخل من سوريا إلى تركيا، التي لا تريد أن تكون مجرد حلقة عبور، وربما تفرض شروطها، أن تقوم، على سبيل المثال، بشراء الغاز الشرق أوسطي الرخيص وبيعه في أوروبا».

الجغرافيا الاقتصادية أحد الأسباب

لا يمكن في الوقت ذاته استبعاد الاقتصاد من تلك الأسباب الكامنة وراء اتخاذ روسيا مثل هذا القرار السريع بالتدخل العسكري. ان خسارة سوريا، وفقا لإلدار كاسايف المتخصص في استثمارات الطاقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يمكن أن تتحول إلى خسارة استراتيجية.

وقال إلدار كاسايف، المتخصص في استثمارات الطاقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في حديث مع صحيفة «القدس العربي» ان السياسة الاقتصادية – هي أحد الأسباب وراء شروع روسيا بالعملية العسكرية في سوريا. السبب الأول – أمن الحدود، ان سوريا قريبة منا، ولذا من غير المسموح به التعرض لخسارة استراتيجية في هذه المنطقة. إذا ما فقدنا آسيا، فإنه لن تبقى نظم موالية لنا هناك. السبب الثاني هو أن سوريا هي مهد المسيحية، نظرا لأن أتباع يسوع المسيح دعوا بالمسيحيين للمرة الأولى في مدينة أنطاكية السورية. والسبب الثالث ـ اقتصادي، الغاز والنفط. لا يزال هناك خطر أنه إذا ما سقط نظام الأسد، فإن الغاز سيأتي من قطر إلى السوق الأوروبية، وهو ما سيقود إلى اضعاف شديد في موقف روسيا».

من الواضح أنه، طالما استمرت الحرب الأهلية في سوريا، لا يمكن أن يدور أي حديث هول بناء خط أنابيب غاز على أراضي هذا البلد. وعلى هذا، يمكن لهذا الوضع من الناحية النظرية أن يكون في صالح شركة «غازبروم» التي تعمل بنشاط على ترويج مشروع «السيل التركي» الخاص بها. بيد انه لا يمكن لشركة «غازبروم» التعويل بجدية على أن عدم مقدرة تركيا على الحصول على الغاز القطري سيجعل موقفها أكثر ليونة في مفاوضاتها مع الشركة الروسية، نظرا لأن احتياجات هذا البلد من الغاز ستكون في جميع الأحوال مؤمنة بلا حدود بفضل «السيل الأزرق».

وعلى هذا، لا يمكن للعملية العسكرية الروسية في سوريا أن تعود على روسيا في المدى القصير بفوائد ملحوظة في قطاع النفط والغاز. بيد أنه، يمكن أن يكون للنزاع، اذا ما طال أمده بمشاركة روسيا في العملية العسكرية، في نهاية المطاف تأثير سلبي على اقتصاد البلاد.

يعتبر إلدار كاسايف أنه «يمكن لروسيا، بسبب العملية العسكرية في سوريا، أن تعاني صعوبات في القطاع المالي، ولكن روسيا مستعدة لذلك. تزيد روسيا تعاونها بنشاط مع الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا. اننا نقيم علاقات في قطاع الغاز مع دولة الكويت وسلطنة عمان. أما بخصوص سوريا فلدينا مصالح متعلقة بتوريد الأسلحة. لقد توقفت أسواق الأوراق المالية عن التأثر بالأحداث الجارية في سوريا وأسعار النفط والغاز غير متعلقة بها. ولذلك، فإن حالة الاقتصاد الروسي غير مرتبطة عمليا بالأحداث في سوريا».

لا يمكن في أي وقت من الأوقات وصف الاقتصاد السوري بالمزدهر. على الرغم من زيادة إنتاج النفط والاستثمارات الأجنبية ومحاولات الأسد للبدء في إصلاح جذري قبل بداية الحرب، فان الزراعة كانت هي القطاع الاقتصادي الرئيسي في سوريا، وأما المنتجات الغذائية فمثلت العنصر الأساسي للتصدير.
يخلص يفسي فاسيلييف، خبير المجلس الروسي للشؤون الخارجية، إلى أنه «يمكن الافتراض، في حالة انتصار القوات الحكومية الموالية للرئيس بشار الأسد، بأن موسكو ستحصل على عقود تفضيلية لإستخراج مصادر الطاقة السورية من الحقول التي يتم تحريرها من الإرهابيين في الأراضي السورية، شريطة أن يصرف جزء من العائدات على إعادة اعمار المدن المدمرة ومصافي النفط وخطوط الأنابيب».

كم ستكلف العملية العسكرية روسيا في سوريا؟

من الصعب جدا تقدير تكلفة العملية العسكرية الروسية في سوريا، نظرا لأن الإنفاق على شؤون الدفاع والأمن في روسيا – موضوع سري. ولعل أكبر بند من بنود الإنفاق لمساعدة الحكومة الشرعية في سوريا هو توريد الأسلحة والمعدات العسكرية وغيرها من السلع إلى سوريا بوساطة السفن البحرية الروسية.
تعتبر صابرينا علييفا، خبيرة الجامعة الحكومية الروسية للعلوم الانسانية، «أن العبء المالي لروسيا ليس بالكبير، مثلما قد يبدو، لأن القوات المسلحة موجودة وتموّلها الدولة، بغض النظر عن كون البلاد تشارك في أعمال قتالية فعلية أم لا. لا توجد في هذه الحالة سوى تكاليف إضافية صغيرة نسبيا متعلقة بدفع أجور الجنود المتعاقدين. كذلك تتم صيانة واستبدال الأسلحة والذخائر كما هو عليه الحال في الأوضاع العادية».
وتقول الخبيرة إن من المرجح أن الهدف الرئيسي من العمل العسكري الروسي في سوريا هو أن تغيّر روسيا موقفها على الساحة العالمية. أعلنت روسيا عن ذاتها باعتبارها البلد الذي لا يمكن أن يستهان برأيه في حل المشاكل والنزاعات الإقليمية. تدافع روسيا عن موقفها رسميا حول ضرورة التأويل المتماثل وقبول قواعد القانون الدولي من قبل جميع الدول.

اقرأ:

روسيا في سوريا لمنع أنبوب الغاز البحري الى أوروبا