on
اللاجئون السوريون في لبنان… غربة الموت بعيدا عن الوطن
كلنا شركاء: مهاجر نيوز
لم يشكل الهروب واللجوء للكثير من السوريين في لبنان نهاية فصل مؤلم من حياتهم تمثل بخسارتهم لمنازلهم وأرزاقهم، ولكن المعاناة امتدت لتشمل جوانب حياتهم كافة، ومماتهم أيضا. فإذا ما مات أحد اللاجئين في لبنان، لا يملك أهله ترف التعايش مع الخسارة والفقدان، إذ ثمة مهمات عليهم القيام بها تكون وطأتها عليهم ربما أشد قسوة من الحزن على الميت نفسه، كتأمين قبر ودفع تكاليف الطبيب الشرعي وإحضار سيارة النقل والاستحصال على شهادة الوفاة، وفي كثير من الأوقات تأمين مبالغ طائلة لإخراج الجثة من المستشفى.
اختارت فاطمة )اسم مستعار( أن تهرب وابنتها من جحيم الحرب الدائرة في سوريا إلى لبنان، لعلها تجد بعض السلام والأمن والمستقبل الأفضل للطفلة التي لم تتجاوز العامين. لكن الأقدار شاءت لفاطمة مسارا شاقا وموجعا لم ينته مع تركها لمنزل عائلتها في إحدى قرى ريف حمص، حيث مرضت ابنتها وارتفعت حرارتها فجأة ما استدعى نقلها إلى إحدى مستشفيات بيروت، وهذا فصل آخر من “ملحمة” العذاب الذي اضطرت المرأة ذات ال30 ربيعا أن تقاسيه وحدها.
جاءت فاطمة إلى بيروت أواخر عام 2013 بعد أن قتل زوجها خلال إحدى جولات القتال التي شهدتها منطقتها. لم تكن تعلم إلى أين تذهب ولم يكن لديها معارف في لبنان. استطاعت من خلال بعض اللاجئين السوريين الذين سبقوها أن تتدبر منزلا في منطقة الجناح جنوب بيروت.
الحياة لم تكن سهلة للأم الشابة، فكان عليها أن تتدبر أمورها وأمور ابنتها التي لم تكن تجاوزت حينها عاما واحدا. عملت في كثير من المهن لتتدبر لقمة عيشها وأجرة المنزل الذي يؤويهما.
مرت الأيام ثقيلة على فاطمة، فابنتها كانت أصلا تعاني من داء الربو، وكان وضعها يسوء يوميا نتيجة الظروف المعيشية التي كانت تمر فيها. وفي أحد أيام أيلول/سبتمبر 2014، داهمت البنت أزمة ربو حادة دخلت بعدها في حالة غيبوبة. نقلت الأم المرعوبة ابنتها إلى إحدى مستشفيات العاصمة بيروت حيث مكثت أسبوعين، إلا أن وضعها الصحي كان متدهورا لدرجة لم يستطع الأطباء أن يساعدوها.
توفت البنت، لم يكن أمام فاطمة الوقت لتحزن، فكان عليها أن تتدبر المال لتدفعه للمستشفى لتأخذ جثة ابنتها. استطاعت المرأة الثكلى خلال بضعة أيام من تدبر مبلغ 4 آلاف دولار أمريكي دفعته للمستشفى وحصلت على إذن لتأخذ ابنتها.
حتى تلك اللحظة لم تستطع الأم الحزينة من الجلوس قليلا لترثي ابنتها الوحيدة، فكان عليها الآن أن تتدبر أمر دفنها، وفي بيروت هذه قضية ثانية.
بكثير من المرارة والغصة، تروي الأم الثكلى لـ”مهاجر نيوز” أحداث رحلتها هذه حتى وصلت إلى لحظة فقدانها ابنتها، صمتت لبرهة على الهاتف ثم أكملت “ماتت جنى )اسم مستعار) لكن مأساتي لم تتوقف عند هذا الحد، علي الآن أن أهتم بمراسم الدفن”. وتضيف فاطمة “بقيت جنى في المستشفى ثلاثة أيام بسبب عدم تمكني من إيجاد مكان لدفنها في بيروت بسبب التكاليف المادية الباهظة لشراء قبر، إذ أن سعر القبر هنا يتجاوز ال3000 دولار وأنا لا أملك منها قرشا، كما أن المعاملات لاستخراج إذن دفن مكلفة جدا أيضا”.
بعد ذلك، تغيرت نبرة، فاطمة وقالت “بعد ثلاثة أيام، ومن خلال بعض المعارف، تمكنت بمساعدة أحد حراس مقابر بيروت من دفن جنى سرا، تحت جنح الظلام، وحدي، لم أكن أتوقع أن يكون لدي القدرة على القيام بذلك”.
قصة فاطمة ليست حالة منفردة في لبنان، حيث يعاني اللاجئون السوريون من عدم وجود أماكن لدفن موتاهم، وغالبا ما يتركونهم لأسابيع أو أشهر في مشارح المستشفيات ريثما يجدون مقابر لإيوائهم وجمع المال الكافي لدفع أجور المستشفى.
المنظمات المحلية والدولية خيار اللاجئين الوحيد
تتفاوض المؤسسات غير الحكومية أحيانا مع البلديات للسماح للاجئين بمشاركة المقابر مع اللبنانيين، ولكن أعدادهم تتزايد بسبب حجم السكان السوريين الكبير الذي يبلغ أحيانا 3 أو 4 أضعاف السكان المحليين.
وحول هذا الموضوع، قالت تاتيانا عودة الناطقة باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في منطقة البقاع اللبنانية، أن المفوضية تدرك حجم المشكلة، لكنها لا تستطيع المساعدة في إجراءات الدفن. “كل ما يمكننا فعله هو تقديم النصح ومحاولة إيصال اللاجئين لمنظمات غير حكومية يمكنها مساعدتهم”.
“كمفوضية نقوم بالتفاوض مع البلديات في لبنان لإيجاد مقابر، لاحقا نؤمن قنوات اتصال فردية بين عائلة الشخص المتوفى والبلدية لتدبر أمر الدفن”. وتؤكد عودة أن الجهود التي تقوم بها المفوضية بهذا الشأن تتم بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية ودار الفتوى في الجمهورية اللبنانية، كون الأغلبية الساحقة من اللاجئين السوريين من المسلمين.
وتعود وتشدد عودة على أن المشكلة الأساسية تكمن في أنه “ليس هناك من أراض كافية لدى البلديات لتخصصها كمدافن للاجئين السوريين، بعض المدافن المستحدثة في بعض المناطق اللبنانية والمخصصة للاجئين السوريين تبرع بها أفراد متمولون”.
إحصاءات غير دقيقة!
ويؤكد شري “لا توجد بيانات شاملة لمعدلات الوفيات بين اللاجئين السوريين في لبنان. فمفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة لا تعترف إلا بحالات الوفيات التي يبلغ بها ذوو المتوفى، وغالبا لا يقدمون على ذلك خوفا من تخفيض الإعانة التي يتلقونها من المفوضية، أو إذا مات شخص في المستشفى أثناء تلقيه العلاج”.
ووفقا لإحدى إحصائيات المفوضية، سجل في لبنان 2087 حالة وفاة عام 2015، إلا أنه من المرجح أن يكون الرقم أعلى بكثير إذا ما أخذنا في الاعتبار عدد السكان السوريين والقيود على الإبلاغ عن حالات الوفاة.
ووفقا لإحدى الطبيبات المطلعات على الملف الصحي للاجئين السوريين في لبنان، أكدت أن حالات الوفاة للاجئين تتم معالجتها بشكل فردي، حتى الآن ليس هناك من حلول جماعية لتلك المشكلة. وتشدد على أن “أهل الميت يتكفلون بكافة تفاصيل الدفن، طبعا هناك عدد من الجمعيات التي تقوم بمساعدة اللاجئين في تلك الحالات، إلا أن المتابعات تبقى فردية”.
نقل الأموات إلى الأراضي السورية.. حل أم عبء إضافي؟
وفي اتصال مع موقع “مهاجر نيوز”، قال الناشط الاجتماعي علي شري أن أزمة إيجاد مقابر للسوريين في لبنان بدأت منذ بداية اللجوء، ويؤكد أن “هناك الكثير من حالات الدفن العشوائي التي حصلت على مدى السنوات الماضية بسبب غلاء تكاليف الدفن التي لا يستطيع تحملها اللاجئون، إضافة إلى أنه هناك الكثير ممن توفوا في لبنان لم يكونوا قد دخلوا البلاد بطريقة شرعية، وبالتالي اضطر أهلهم لدفنهم بشكل عشوائي وبعيدا عن أعين السلطات”.
ويضيف شري “مؤخرا، بدأ الكثير من السوريين بنقل موتاهم إلى الأراضي السورية بالتنسيق مع الصليب الأحمر اللبناني، الذي يؤمن نقل الجثث إلى الحدود اللبنانية السورية حيث يتكفل الأهل بإدخالها إلى سوريا”.
ومازال هذا الخيار بعيدا عن متناول الكثير من السوريين في لبنان نتيجة الأوضاع الأمنية الخطيرة التي تمر بها بلادهم.
Tags: اللاجئين السوريين, سوريا, لبنان