on
Archived: رسالة مفتوحة من مثقفي السويداء إلى سفير وأعضاء سفارة روسيا في دمشق
السادة سفير وأعضاء سفارة روسيا الاتحادية في دمشق :
نحن مجموعة من مثقفي محافظة السويداء وأصدقائهم في جنوب سورية الذين درسوا وتخرجوا من جامعات ومعاهد بلادكم.
بعد إهداءكم التحية ومن خلالكم إلى شعوب الاتحاد الروسي:
بداءة، فقد علمنا بزيارتكم للسويداء ولقائكم بمؤيدي النظام من احزاب الجبهة الوطنية حاجبا عنكم – كما أراد قاصداً- رؤية الحقيقة الفعلية للواقع السوري ومظالمه والتي نود هنا وضعها بين يديكم:
أولاً: بادئ ذي بدء نحن نتفهم وجود مصالح لكم في سورية، لكن الحفاظ على هذه المصالح لا يمكن أن يتم بالغزو والتدمير، وإرسال أساطيلكم البحرية والجوية لقصف المدنيين وقتل الأبرياء، وخاصة الأطفال والنساء،الأمر الذي سيبقى في ذاكرة الشعب السوري عبر الأجيال..
إن الطريقة الصحيحة والحضارية للحفاظ على مصالحكم،تأتي من خلال إرساء علاقات متكافئة، تقوم على الاحترام المتبادل وتعزيز الصداقة بين شعوب الاتحاد الروسي والشعب السوري..
ثانياً: فوجئ شعبنا المغلوب على أمره، بتدخلكم السافر بهذا الحجم في بلادنا إلى جانب النظام الشمولي، نظام الحزب الواحد الديكتاتوري الفردي، الذي سام شعبنا أشد أنواع البطش والعذاب طيلة ما يقارب نصف قرن من الزمن، كان المفروض أن تتفهموا ذلك قبل إقدامكم على التدخل. وقد عشتم سنوات طويلة وطويلة جداً في ظل حكم الحزب الواحد الشمولي، وأخيراً استطعتم الخلاص. وكذلك شعبنا لا بد أن يتخلص من ظالميه مهما طال الزمن..
ثالثاً: يعرف العالم أجمع وأنتم منه، أن ثورة الحرية والكرامة بدأت في بلادنا وفي جنوبها بالذات، ثورة سلمية، وكان الشعار الأساسي الذي ردّدته الجماهير (سلمية ، سلمية)، وهي تطالب بالإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري، واحترام حقوق الإنسان… قابل النظام ذلك بشعارات قميئة تثير الإشمئزاز، (الله ، سورية ، بشار وبس)؟!!.. وردّ على مطالب الشعب المشروعة بالاعتقال العشوائي والعنف والتعذيب والقتل،وأطلق على الجماهير والأطفال والنساء الرصاص الحي، كما حدث في مدينة درعا جنوب سورية مهد الثورة، وامتد أخيراً إلى سائر أنحاء الوطن.. لقد وثّق ذلك الفنان السوري سميح شقير في أغنيته المشهورة: (يا حيف زخ الرصاص على الناس العزل يا حيف، وأطفال بعمر الورد تقتلهم كيف؟.. وأنت ابن بلادي تقتل بولادي وظهرك للأعادي، هاجم بالسيف حيف يا حيف… )..
رابعاً: لا يزال الشعب السوري المحب للحرية، يعيش منذ خمسة عقود في ظل حكم هذا النظام، تحت نير حالة الطوارئ والأحكام العرفية. وأخيراً، في ظل ما يسمى زوراً وبهتاناً (قانون مكافحة الإرهاب)، فهل يمكن للإرهابي أن يكافح الإرهاب؟!..
منذ وصول هذا النظام إلى السلطة، أصدر ترسانة من القوانين الجائرة التي كبلت الشعب السوري، وصادرت حرياته الخاصة والعامة، وجعلت من أجهزة الدولة ومؤسساتها هياكل فارغة لا حول لها ولا طول، قانون الطوارئ والأحكام العرفية – قانون أمن الحزب – قانون محاكم أمن الدولة – المرسوم رقم /549/ الذي أعطى سلطات غير محدودة لرجال الأمن خاصة، وهم غير مسؤولين إلا أمام رئيسهم، ولا يجوز إحالتهم للقضاء إلا بموافقته؟!!…– وحتى القوانين الأخرى، مثل قانون الايجار، قانون الانتخابات، قانون الإدارة المحلية، قانون المطبوعات والنشر، قانون العاملين الأساسي في الدولة… ليست إلا تشريعات هزيلة تكرس جميعها مصالح النظام وأزلامـه، وتسلطه على الشعب السوري. على كل حال مهما تعددت القوانين في سورية، يبقى جوهر النظام سـلطة قمعية بدون ضوابط، تسبّبت في تدمير النسيج الاجتماعي والأخلاقي في البلاد، أفقرت الشعب فأصبحت سورية اليوم، لا خبز ولا حرية، كما يردّد المواطن السوري، لقد حولها النظام الشرس المستبد إلى سجن كبير.. والابشع من هذا طريقة تطبيقه لهذه القوانين.
خامساً: منذ أن استلم هذا النظام مقاليد الحكم في البلاد، أجّج المشاعر الطائفية عندما جعل المفاصل الأساسية في الدولة بيد أشخاص من طائفة واحدة، أراد أخذها كرهينة، فالجيش وأجهزة الأمن وجميع مؤسسات الدولة الهامة، وكل المعاهد والمدارس العسكرية، يشكل فيها العلويون حوالي (80%) من المقبولين، وهذا يعرفه القاصي والداني في سورية..
سادساً: النظام السوري الذي تدافعون عنه، لا يعتمد على الجماهير في حماية حكمه، حتى أنه يخاف رؤيتها في الشارع، واعتماده الأساسي في ذلك.. على:
أ ـ أجهزة القمع الأمنية والعسكرية، خاصة بعد أن حول الجيش السوري (الجيش العقائدي)، إلى جيش طائفي مهمته حماية النظام وليس الدفاع عن الوطن وتحرير الأراضي السورية المحتلة..
ب ـ الفساد والإفساد، كانت ولا تزال مهمة هذا النظام إفساد من لم يفسد بعد، لقد أصبحت سورية في ظله بؤرة للفساد، حتى أن الفساد طال القضاء بكل مستوياته ودرجاته، فالفساد وليد الاستبداد.
جـ ـ أصحاب الكراسي الدافئة، النظام منذ قيامه يقرّب إليه المرتزقة والانتهازيين فيضعهم في مناصب رفيعة، ولكن ليس لهم صلاحيات، إلا الرد على المكالمات الهاتفية، أما الحل والربط والقرار بيد أجهزة الأمن… مثال ذلك وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس، بقي في منصبه ثلاثين سنة متواصلة، لكنه لم يكن صاحب ابدا…
سابعاً: آلاف المواطنيين السوريين قضوا تحت التعذيب في أقبية أجهزة الأمن، والآلاف منهم أمضوا عشرات السنين في سجون النظام دون محاكمة، وهناك آلاف المفقودين الذين لا يعرف أهلهم وذووهم وأسرهم مصيرهم حتى الآن. ولايجرؤن السؤال عنهم وغالبا هم طعم للابتزاز المالي الدنيء..
ثامناً: ملايين السوريين اليوم لاجئون، مشردون في كل أنحاء الدنيا يعيشون في المخيمات، تقبلهم دول وترفضهم دول، وقبل ذلك مئات الألاف يعيشون في المهجر، فنزويلا ودول الخليج وغيرها من بلدان العالم سعياً وراء لقمة العيش، نتيجة سياسة النظام في التمييز بين المواطنين في العمل، والسعي لإفراغ البلاد من السكان ومن الكفاءات العلمية، بطريقة ممنهجة ومخطط لها، ليتسنى لهذا النظام إحداث التغيير الديمغرافي، بما يتناسب مع مصلحته الطائفية ومصلحة حلفائه الإيرانيين وحزب الله.
تاسعاً: دجّن النظام منذ البداية قيادات الأحزاب القديمة والحديثة في سورية، وجمعها كلها فيما سمّاه (الجبهة الوطنية التقدمية)، التي يصفها الشعب السوري بأنها جبهة موافقة لا جبهة مشاركة. وأخيراً جاء بمهزلة الأحزاب المرخصة وهي في السياق نفسه.
عاشراً:روسيا ترفض رحيل الأسد، وتدّعي إن الشعب السوري هو الذي يقرر مصيره، هذا الموقف من قبلكم أصبح موضوع تندّر عند الشعب السوري، الذي يصفه بأنه طرفة أو نكتة، فكيف يمكن لشعب محاصر بخمسة عشر جهاز أمن تجثم على صدره، وهو جائع ويُقصف يومياً بالبراميل المتفجرة، أن يقرر مصير (هذا الأسد)؟!!.. هل تظنون أن الآخرين أغبياء،لقد أطلق الشعب السوري على بلادكم نتيجة لموقفكم هذا.. (روسيا الأسد)، فأصبح عندنا (سورية الأسد) وروسيا الأسد. باختصار أنتم بعيدون عن المزاج الشعبي في سورية.
حادي عشر: الدستور السوري الذي ينظم الحياة السياسية في سورية، ألغى السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وحصر كل صلاحياتها في شخص رئيس السلطة التنفيذية أي رئيس الجمهورية، فالدستور الفعلي والحقيقي عندنا هو ما يجري وراء الكواليس، ويقرره الرئيس والأجهزة الأمنية من حوله.
لا نريـد أن نطيـل عليـكم أكثر.. لأن ما جرى ويجري في سورية منذ وصول هـذا النظـام إلى السلطة يحتـاج إلى مجلـدات، فالوضع السوري معروف لـدى العالم أجمع، ومن المفروض أن تكون روسيا الاتحادية كدولة كبرى متحضرة أن يكون عندها كم هائل من المعلومات عمّا يجري في سورية، ويميـط اللـثـام عن نظـام مهترئ فاسـد لا يهدف من التشبث البائس بالسلطة، إلا السلطة نفسها.
ومن الطبيعي هنا أن الشعب السوري الذي عاش ويعيش كل هذه المعاناة، هذا الشعب الذي يستحق كل التقدير على ثبات قوته وحيويته، والذي لم تذله سنوات القهر الطويلة، لا يستطيع أن يستمر في العيش بالطريقة التي عاش فيها سابقاً، كما أن النظام لا يمكنه الاستمرار في حكم سورية، بالطريقة القمعية الأمنية التي حكم فيها البلاد كل هذه السنوات الطويلة، فلابد من التغيير الجذري مهما طال الزمن.
انطلاقاً من الحقائق المذكورة أعلاه، يستغرب شعبنا وكل قوى الحرية والديمقراطية في العالم، تدخلكم لحماية نظام الاستبداد الراهن، بدلاً من وقوفكم إلى جانب الشعب السوري المكافح ضد الظلم والطغيان..
نحن مع اجتثاث داعش (وهي من صنع هذا النظام الفاسد) وتدميرها كتنظيم إرهابي يتنافى مع روح العصر ونحن في القرن الواحد والعشرين.. ولكن من غير المفهوم عندنا عدم قصف مواقعها بل قصف مواقع المعارضة المعتدلة، ومناطق وأحياء المدنيين والمدارس والأفران، كما أنه من غير المفهوم دعمكم للإرهاب على مستوى الدولة الذي يمثله النظام، وهو أبشع أنواع الإرهاب..
أخيراً مع أطيب تمنياتنا لكم بالنجاح بادراك هذه الحقائق مع التاأكيد على أن الشعب السوري وشعوب روسيا الاتحادية (والتي قدمت ملايين الشهداء على مذبح حريتها واستقلالها) سيبقون أمناء للصداقة التاريخية بين البلدين. والتاريخ سيشهد ويسجل.
مجموعة من مثقفي محافظة السويداء وأصدقائهم
السويداء في 9/ 12 / 2015