on
Archived: رسالة على الواتس أب WhatsApp من حماة .. قصت رأسه في الرقة
عزام الحاج- أخبار الآن: كلنا شركاء
يصعب تصور نظام عقوبات أكثر وحشية من هذا الذي يطبقه داعش في المناطق التي يسيطر عليها في سورية والعراق. ولا تأتي وحشية تطبيق العقوبات على المتهمين من حقيقة بشاعتها ومنافاتها لروح العصر وحسب، بل لطبيعة “الجرائم” والمخالفات التي نُسبت إلى المتهمين فعوقبوا عليها أيضاً.
الإرهاب بالإعلام
مارس داعش الإرهابي أشكالاً متعددة من القتل باسم تطبيق “الحدود الشرعية” على ضحاياه، أكثرها تواتراً هي قطع الرأس بحد السيف. لكن خيال أمنيي وشرعيي داعش تفتق عن صور قتل متعددة، استخدم فيها أدوات ووسائل كثيرة، منها الحرق، كما في حالة إعدام الطيار الأردني الذي وقع أسيراً بيده، حيث تم حرقه حياً؛ والإلقاء من أعلى الأبنية، الرمي من شاهق، لمتهمين بالمثلية الجنسية في سورية؛ وإغراق مواطنين عراقيين بعد حبسهم في قفص حديدي وتقييد أرجلهم وأيديهم، وصولاً إلى دهس عنصر متعاقد مع المخابرات الجوية السورية بالدبابة. وفي معظم الحالات السابقة، كانت نية داعش، في ما يظهر، هي توجيه رسائل لإخافة مخالفيه من مغبة ما ينتظرهم وإرهاب الخاضعين لسيطرته وإقناعهم بالركون والاستسلام لسطوته المعمدة بالدم. ولذلك حرص على تقديمها بالصورة والفيديو ونشرها في وسائل إعلامه لتُحدث أوسع وأعمق أثر ممكنيَن.
لكن رغم كل ذاك الحرص من داعش في النشر والتعميم خدمة لغاياته، لا يستنفد كل ما يطبقه داعش من عقوبات وممارسات بربرية على السكان الخاضعين لسلطانه. إذ يطبق داعش يومياً عشرات العقوبات من هذا النوع، دون أن تحظى بتغطية إعلامية واسعة. وهو يستهدف بها البيئات الاجتماعية المحلية، التي تجد نفسها محاصرة بالعنف من قبل منتسبيه، شرعييه وأمنييه.
قطع الرأس لوصف جمال امرأة
الشاب “أ. ع” من إحدى قرى الريف الشرقي في محافظة الرقة، طالب في مرحلة البكالوريا، عمره عشرين عاماً؛ كان يقدم الامتحانات النهائية في الشهر السادس من العام 2014 بمدينة حماة، ضمن نظام التقدم الحر المعمول به في سورية. ليس لهذا الشاب أية صلة بالعمل السياسي أو قضايا الرأي، لكنه دفع حياته بصمت ودون أن يلتفت أحد إلى مصيره المؤلم نتيجة استخدام عبارة بسيطة تدخل في نطاق “الكلام الكفري”، حسب تصنيفات داعش الإجرامي.
أثناء تواجده في مدينة حماة لتقديم امتحاناته، كان الشاب أ. ع. يتواصل مع أقرانه وأهله في الرقة عبر تطبيق الواتس أب What’s Up، نظراً لعدم توافر وسيلة اتصال أخرى بين الرقة وحماة. وعند عودته إلى الرقة تم تفتيش هاتفه الجوال من قبل أحد حواجز داعش الأمنية، ومن هناك تم اعتقاله، فاختفى داخل معتقلاته إلى أن تم إعدامه بقطع رأسه بالسيف في مطلع العام 2015.
يقول السيد “م. ج” وهو من أبناء القرية: “لقد وجدوا في هاتفه المحمول كلاماً كفرياً .. فقصوه”. و”قصوه” هو التعبير الأكثر تداولاً بين الناس في المناطق الرازحة تحت إرهاب داعش، وتعني أنه قد تم قطع رأسه أو فصله عن جسده. أما الكلام الكفري المقصود فهو تعبير مجازي استخدمه الشاب “أ. ع” في وصفه لإحدى المراقبات داخل قاعة الامتحانات. فانبهار الشاب العشريني بجمال المراقبة جعله يستخدم عبارة :”لو رآها النبي لوصفها”، في صيغة مبالغة لغوية مما يستخدمه الناس كثيراً في حياتهم اليومية بسورية؛ وهي من العبارات التي لا تُقصد بحرفيتها ولا يفكر مستخدموها في دلالاتها ومدى ملائمتها لقواعد اللغة أو حتى في مضمونها المعياري، أخلاقياً كان أم منطقياً أم قانونياً أم شرعياً. هي لغة مجاز تفيد التعبير، في هذه الحالة، شدة الافتتان وتعكس فقر لغة الشاب بالمفردات الملائمة، لا أكثر.
هذه الحادثة تُذكر بحادثة جرت في أحد أحياء حلب الخاضعة لسيطرة إحدى الكتائب الجهادية قبل نحو عام ونصف عندما رفض طفل يبيع البسكويت أن يقدم بعض بضاعته لمقاتلي هذه الكتائب بالدين، فعبر عن استحالة حدوث ذلك بتعبير آخر يكثر استخدامه في الأوساط الشعبية السورية: “لو بينزل النبي ما رح أديّن”؛ تعبير يُقصد به عادة استحالة فعل الشيء، بربطه باستحالة قدوم النبي لهذا الغرض.
المصير المؤلم لهذا الشاب الرقاوي، نتيجة استخدامه عبارة مجازية، يوحي بما تعانيه ملايين البشر ممَنْ قدرت لهم ظروف الصراع ولعبة القوى الوقوع في هذا الجحيم اليومي.
اقرأ:
اعدام ناشطين إعلاميين في مدينة الرقة بتهمة “تصوير مواقع”