on
Archived: منير درويش: الأمم المتحدة والفشل في فرض الديمقراطية
منير درويش: كلنا شركاء
قبل أيام دعت الأمم المتحدة الصوماليين إلى إجراء انتخابات برلمانية ، وهي دعوة غالباً ما توجه إلى البلدان الفاشلة التي تسمى مجازاً ( دول ) وكأن هذه البلدان تشكل دولة فيها شعب موحد ينعم بالاستقرار والأمن ولا ينقصه إلا البرلمان والسلطة المنتخبة التي تدير شؤونه ، بنيما تعاني هذه البلدان ( الدول ) من مختلف أنواع الصراعات العامودية والأفقية التي لها أول وليس لها آخر، فضلاً عن الجوع والفقر وكل أنواع التخلف و ما تعبر عنه صفة الصوملة التي تعكس ما يعانيه الصومال كمثال على هذه البلدان أو المجتمعات وهو ليس المثال الأكثر كارثية في عالم الاضطراب التي يسود المناطق المنكوبة ممتدة على مساحة كبيرة من الشرق الأوسط وأفريقيا ، سورية العراق اليمن ليبيا ، السودان شماله وجنوبه وعشرات الدول الأفريقية والتي تجري فيها أحداث تجاوزت ما جرى في الصومال بقدر كبير جداً . وكل ما فعلته الأمم المتحدة ، دعوات أخلاقية وتشكيل لجان للمعالجة أو تعيين ممثلين أمميين خاصين ووسطاء لحوار بين أطراف متصارعة لا تؤمن أصلاً بالحوار ، دون إحداث اختراقات ملحوظة في مشاكل هذه البلدان ( الدول ) .
لا أحد منا إلا ويتمنى أن تسود العالم قيم الديمقراطية واختيار الأنظمة عن طريق صناديق الاقتراع وفق أفضل أشكال الانتخابات التي تضمنتها الكتب والدراسات التي كتبها من على مقاعدهم وطاولاتهم الفلاسفة والباحثون ، وأن تتحقق الحياة الأفلاطونية التي تمارسها مجتمعات ودول القسم الشمالي والغربي المتقدم من الكرة الأرضية ,في المناطق التي يسودها الاضطراب والعنف والقتل والدمار على وقع إيديولوجيات مختلفة المناحي الدينية والطائفية والعرقية والاجتماعية حيث القانون الاجتماعي في مواجهة القوانين الوضعية ، وتعيش تحت سلطة أنظمة استبدادية سلبتها حقوقها وحريتها ، هذه الأنظمة لم تنزل عليهم من السماء بل أنتجتها مجتمعاتهم بطرق تتناسب مع هذه الإيديولوجيات التي هي إيديولوجيات استبدادية تستمد منها الأنظمة استبدادها وتعزز وجودها ، في المقابل تقوم هذه الأنظمة بقوننة هذه الإيديولوجيات وتحويلها إلى قوانين وتشريعات تخدم مصالحها .
قامت الأمم المتحدة على المواثيق التي صاغها في ذلك الوقت ممثلون عن بعض الدول التي تنعمت بالحرية والعدالة وحقوق الإنسان ضمن ظروف دولية معينة ، وكان الهدف المعلن لها هو جب الصراعات الدولية و (حماية السلام العالمي وتعزيز الكرامة الإنسانية ) وتعزيز هذه المفاهيم في أوساط أوسع المجتمعات التي ترزح تحت وطأة التخلف لكنها في حقيقة الأمر مثلت مصالح القوة التي فرضتها ( الحرب الباردة ) التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية واستقطبت الأنظمة التي حكمت تلك ( الدول ) حسب مصالحها إما بحمايتها أو بتأسيسها ، وأن الدول التي تبنت هذه القيم لم تلتزم بها على الصعيد السياسي خارج حدودها في تناقض واضح بين هذه القيم الإنسانية التي دعت إليها وبين سياستها التي اعتمدت على الاستغلال والنهب والتسلط وحماية هذه السياسات بواسطة مجلس الأمن الذي سيطرت عليه الدول الخمسة الدائمة العضوية بما فيها الصين الشعبية التي دخلت الأمم المتحدة ومجلس الأمن كعضو دائم بعد جهد جهيد وسنوات من الحرمان ، هذه الدول لم تتوانى بالتدخل لاختيار أشكال من الأنظمة المتسلطة على شعوبها في بلدان التخلف وجعلت منها أنظمة أمن قومي لها . وهذا ما حول الأمم المتحدة كمنظمة تعمل لصالح الأنظمة أكثر من عملها لصالح الشعوب .
لقد اتخذت الأمم المتحدة في مجلس الأمن أكثر من 2200 قرار حول المشاكل الدولية تضمن أغلبها معالجة قضايا الصراعات بين الدول وقضايا الحرية والعدالة وحرية الرأي والتعبير والمعتقد وحقوق الإنسان ومنع التعذيب ودعت الدول والأنظمة الالتزام بهذه القرارات دون أي جدوى لأن أغلبها بقي خارج التنفيذ ، حيث كان يتم الالتفاف عليه تحت سلطة القوة نظراً لأن أغلب هذه القرارات خضعت للتوافق بين أعضاء مجلس الأمن تجنباً للفيتو الذي يبطل هذه القرارات فبقيت نصوصها عرضة للتأويل والالتباس وعدم الوضوح ، وأتاحت للأقوياء التهرب من تطبيقها بشتى الحجج أبرزها ، القول . إن أصحاب الحقوق ليسوا أكثر من مجموعات خارجة عن قوانين الأنظمة أو عصابات إجرامية وليسوا مواطنين لهم حق المشاركة في حل مشاكل أوطانهم أو تحررها ، وتعتبر قضية فلسطين وقضية الصراع العربي الإسرائيلي خير شاهد على فشل الأمم المتحدة ومجلس أمنها على هذا المستوى من المعالجة حيث تنصلت إسرائيل من جميع قرارات الأمم المتحدة معتمدة على قوتها الذاتية وقوة الدول الداعمة لها ، وهي تعجز الآن عن حل عدد كبير من المشاكل العالمية مما يعزز فشلها أكثر .
لم يعد الصومال المثال النموذجي للمجتمعات أو الدول الفاشلة بعد أن لحقته عشرات الدول الأخرى بل وسبقته ولا زالت الأمم المتحدة تتمسك بدعوة تحقيق الديمقراطية والعدالة عبر إجراء انتخابات حرة لتشكيل هيئات حكم لن تختلف في استبدادها عما هو قائم في ظل انقسامات عامودية في المجتمعات تقسمها إلى طوائف وملل وقبائل وعائلات يصعب جمعا في نظام واحد طالما أنها عاجزة عن تجاوز إيديولوجيات التخلف التي تلفها خاصة وأن معالجة الأمم المتحدة تعتمد على الوسائل الناعمة دون أن تدعمها القوة الضرورية لمعالجة الأزمات الدولية وقضايا الشعوب حيث أن القوة القصوى لديها لا يزيد عن مجموعة من الجنود من دول مختلفة وكل منهم يخضع لسياسة دولته ، ثم أن القوى الكبرى تتحكم أيضاً في الموارد المالية التي تعتمد عليها الأمم المتحدة لتوفير مواردها وتخضع لها . وهو ما فعلته بها الولايات المتحدة أكثر من مرة عندما حجبت عنها الأموال إما بسبب بعض القرارات التي لم ترضى عنها أو لعدم رضاها عن الأمين العام وأداءه .
هناك كثير من الأدوار الضرورية الملقاة على عاتق الأمم المتحدة ضمن الأهداف المعلنة التي قامت من أجلها خاصة في ظل العالم المضطرب والفوضى الخلاقة ، وتنصل الأنظمة والحكومات من تنفيذ قراراتها ، وعليها أن تبحث بشكل جدي عن الوسائل التي تساعدها في تنفيذ هذه القرارات ، وهذه مهمة تقع على عاتق الخبراء المعنيين بها وأولها تعديل ميثاقها بحيث يتيح لها القدرة على فرض هذه القرارات خاصة ما يتعلق بحرية الشعوب وحقوق الإنسان حتى لا تكون دعوتها لهذا الشعب أو ذاك لممارسة الديمقراطية مجرد رفع عتب ، وان يكون لها قوة مستقلة قادرة على دعم هذه الدعوات و التدخل بشكل فاعل في حل الأزمات وإجبار المتهربين منها على تنفيذها
اقرأ:
منير درويش: الحضور السوري في جنيف وحل الخلافات
Tags: محرر