Archived: د. حبيب حداد: أي مستقبل ينتظر مجتمعاتنا العربية

د. حبيب حداد: كلنا شركاء

هذا هوالتساؤل الدائم الذي يواجهنا في كل وقت والذي بات يشكل اليوم محور اهتمامنا البالغ وأملنا المرتجى , كما بات يشكل في الآن نفسه مصدر قلقنا و مبعث ألمنا الموجع . ولقد تقصدنا اختيار هذا العنوان بالذات تعبيرا عن مضمون الموضوع الذي سنحاول استجلاء أبعاده هنا وتجنبنا ان يكون تساؤلنا في صيغة أخرى قد تبدو للبعض  منا  أنها تقع في السياق نفسه مثل :أي مستقبل تتطلع اليه مجتمعاتنا العرببية ؟ أو ماهو المستقبل الذي تستحقه مجتمعاتنا العربية ؟                                                                                                                                      فعندما نتساءل عن طبيعة المستقبل الذي ينتظرنا فان محاولة الإجابة على ذلك التساؤل   تستدعي منا ان نتوقع ماذا ستكون عليه حصيلة تطور أقطارنا في السنوات والعقود القليلة القادمة وفي اي اتجاه ستمضي. وذلك يتعلق أساسا بدور وبمسؤوليات نخبنا الفكرية والثقافية والسياسية وبما ستقدمه شعوبنا من عمل جماعي بناء ومن جهود وتضحيات مطلوبة في اطار استراتيجيات وخطط عقلانية صحيحة تسمح بتحقيق الأهداف التحررية والتنموية والانسانية التي تشكل أعمدة هذا المستقبل المنشود .وما من شك ان دور هذا العامل الذاتي الذي هو الأساس في عملية الاصلاح والنهضة وتجاوز مجتمعاتنا وضعية التخلف والفوات التاريخي سيكون متأثرا ,سلبا او ايجابا والى حد كبير بالظرف الدولي  وفي النطاقين الإقليمي  والعالمي .

أي مستقبل ينتظر مجتمعاتنا العربية ؟ الأجابة بطبيعة الحال  تختلف من مجتمع لآخر وذلك راجع لأوضاع كل منها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وطبيعة النظام الحاكم فيها , وراجع ايضا الى دور المجتمع المدني وسعة هامش الحياة الديمقراطية فيها .واذا تجاوزنا الحالة الخاصة بكل بلد عربي ,فإن التساؤل عن المستقبل الذي ينتظر مجتمعاتنا أنما يضعنا مباشرة امام أمرين أساسيين :

اولا – المفترض ان يكون سؤال النهضة القومية الذي طرحه روادها منذ نهايات القرن التاسع عشر حول أسباب تقدم الآخرين وتخلف العرب والمسلمين قد لقي الإجابة الشافية من قبلنا نتيجة تجارب كفاح شعوبنا التحرري سواء في مرحلة انجاز الاستقلال الوطني من السيطرة الإستعمارية المباشرة أو في مرحلة استكمال مقومات الاستقلال الحقيقي واستمرار الكفاح من أجل بناء دول ديمقراطية حديثة في مستوى العصر . تجارب ثورات التحرر في مشرق الوطن ومغربه, وتجارب الأحزا ب والحركات الوطنية والإصلاحية من أقصى اليمين الى أقصى اليسار سواء ما وصل منها الى السلطة أو تلك التي ظلت في مواقع المعارضة , وما تزودت به كل تلك القوى من خبرات ودروس مستفادة كان المنتظر منطقيا ان تطور وتجدد اوضاعها الذاتية وتقوم وتصحح  رؤاها وممارساتها ,سواء على مستوى الفكر والوعي والتنظير أم على مستوى العمل والبناء والتدبير .

ثانيا –  والمفترض ايضا ان تكون شعوبنا وفي المقدمة  منها نخبها قد استوعبت حقا نتائج ودروس تجاربها وتجارب الشعوب الأخرى بما يتصل بآلية تطورها ونهضتها فلا تكرر مشروعاتها ومحاولاتها الفاشلة , ومن اجل اختصار الزمن وتجنب هدر ما امكن من الجهود والطاقات والإمكانات . ولعل على رأس تلك الدروس التي يفترض أننا استوعبناها هو ان السير القويم باتجاه بلوغ المهام والأهداف التي نتطلع اليها واللبنات التي نعبد بها طريق هذا المستقبل المنشود انما تتمثل بما نقوم به الآن ,اي بنوعية ممارساتنا الحالية وما نستخدمه من مناهج واساليب وما نحرص على اكتسابه من قيم أخلاقية  :وطنية وانسانية وحضارية .فاذا كنا نطمح لتحقيق اهداف الحرية والكرامة والديمقراطية والمساواة وتعاهدنا على صنع المستقبل الأفضل المواكب لمسار التطور الانساني الحضاري أفلا يجدر بنا أن نقيس أفعالنا وتصرفاتنا اليومية في ضوء ما يخدم ويعززهذا الأمل وما يؤكد حرصنا الدائم في ان يكون الإنسان – المواطن في مجتمعاتنا هو أداة وغاية كل تنمية وتقدم .

وبعد فكيف ننظر اليوم ونقيم أوضاع المجتمعات العربية ,وخاصة تلك التي شهدت انتفاضات ما سمي بالربيع العربي قبل اكثر من خمس سنوات ,وهل يمكننا الآن أن  نستشرف أونتنبأ بطبيعة المستقبل الذي ينتظر هذه المجتمعات اذا واصلت تلك الانتفاضات مسارها الخاطئ والمدمر الذي أبعدها عن الأهداف التي قامت من اجلها وادى الى مصادرة  وتغييب ارادة شعوبها .

لقد كانت الثورة السورية في مقدمتها  جميعا من حيث جسامة التضحيات التي قدمتها حتى الآن , والتي ووجهت بأخطر التحديات الوجودية التي استهدفت وما تزال تستهدف سورية دولة وكيانا ومصيرا .وقد تم ذلك كما اصبح معروفا للجميع بعد ان دفع الحراك الشعبي السلمي نحو العسسكرة والتدويل حتى اصبحت بلادنا اليوم امام خيار الارهاب والحرب الأهلية بديلا للاستبداد !!! ولعل اخطر مظاهر الأزمة السورية اليوم هو ما يتمثل بغياب فاعلية ودور العامل الذاتي ونعني بذلك دور المجتمع المدني وما تشهده  أحوال القوى الوطنية والديمقراطية من تشرذم وتشتت وتناحر وانجرارها الى الانخراط في أجندات الدول الأجنبية . وكانت حصيلة استمرار هذا الواقع  كما هو واضح للعيان افتقاد الوحدة الوطنية على الصعيد الشعبي وعلى صعيد القوى والحركات السياسية ومجموعات تشكيلات المعارضة  .وكان من افجع تلك الظواهر التي طفت على سطح حراك الشعب السوري وساهمت الى حد كبير في تشويهه واجهاض عوامل انتصاره هو الارتداد في المواقع الفكرية  والثقافية والسياسية , ولنقل ربما بصورة ادق الانكشاف المفاجئ ,لتلك المجموعات والأفراد التي كنا نعتبرها  شخصيات ورموزا وطنية لا يرقى اليها الشك, فلقد وجدنا ذلك الماركسي واليساري  اليديولوجي المتطرف يضرب اليوم في كل اتجاه ويغدو داعية متحمسا للسوق الراسمالي الطفيلي ,وللحل العسكري الدولي للأزمة السورية . ووجدنا  ذلك القومي الشوفيني المتعصب يصبح اليوم في اطار جبهة النصرة وأخواتها من المجموعات الارهابية علما طائفيا  وقائدا متميزا . ووجدنا ذلك الاسلامي الذي اعتقدناه  شيخا متنورا ونهضويا يصبح اليوم فقيها ونصيرا لمشروعية جهاد المجموعات المسلحة  ولدولة الخلافة التي تعمل على استعادتها. ووجدنا من كنا نعرف انه مناضل وطني ديمقراطي يصبح بقدرة قادر وبين عشية وضحاها راس حربة في مشروع انفصالي أو تقسيمي يضرب الوحدة الوطنية اليسورية في الصميم . ووجدنا اشد خطرا من هؤلاء جميعا تلك الشخصيات الانتهازية التي برهنت عن استعداد دائم ومقدرة عجيبة لتغيير جلدها وتبديل مواقعها ,عند كل فرصة سانحة , دون أي وازع من مبدأ أو خلق أوضمير .

فهل هذا هو مكر التاريخ , أم هذه هي لعنة التاريخ التي ليست هي في كل الأحوال  قدرا محتوما ,والتي لا يمكن تفسير مسبباتها خارج مسؤولية الانسان ومسؤولية الشعوب ضحاياها . وكل هذه الظواهر التي استعرضناها في واقعنا الراهن والتي قاد اليها نظام القهر والفساد والاستبداد ,وفاقم في خطورتها أخطاؤنا وخطايانا التي ارتكبناها , انما تدعونا جميعا نحن السوريين كي نواجه مشاكل ومعضلات هذا الواقع ووقف المأساة التي يعيشها وطننا  الى توحيد ارادتنا واستعادة وحدتنا الوطنية والاعتماد على قدراتنا الذاتية أولا , واستئناف السير في الطريق الصحيح طريق الحل السياسي الوطني ,اذا كنا عازمين على النهوض بمسؤولياتنا وصنع الغد الذي تنتظره وتستحقه اجيالنا الحاضرة والمقبلة .

اقرأ:

د.حبيب حداد : وقفة صدق مع الذات في دوامة الأخطاء والضياع والمزايدات





Tags: محرر