on
Archived: قصة من أرشيف حي الموكامبو (بحلب), قد توضح سبب الثورة!!!!
عتاب محمود: كلنا شركاء
القصة التي سأرويها لكم اليوم, حدثت معي قبل نحو عشر سنوات,
وهي من أكثر القصص التي حفرت (عميقاً) في ذاكرتي, على مر سنين حياتي كلها,,
هذه القصة (كانت ومازالت) تدفعني للبكاء, في كل مرة أرويها لأحد,,,
القصة ترتبط إلى حد بعيد بمقطع الفيديو الذي يظهر وجود حفلة راقصة في حي الموكامبو بحلب, في نفس وقت قصف طائرات (روسيا) للمدنيين في حي العامرية,,,
تعود القصة إلى العام 2005, (على ما أذكر), عندما كنتُ أشغل منصباً حكومياً هاماً بحلب,
وكانت تربطني علاقة عمل, وصداقة, بمدير الأحوال المدنية بحلب,,
وكان الكثير من المسؤولين والتجار الحلبيين يتصلون بي لأتواسط عند مدير الأحوال المدنية, في قضايا تتعلق بالهويات الشخصية الحديثة,,,
وذات مرة , اتصل بي مسؤول كبير بحلب,,,
وطلب مني المساعدة من أجل استخراج هوية شخصية تخص (شغالة) عائلة حلبية ثرية تسكن في حي الموكامبو(بالذات),
بالمناسبة يعادل هذا الحي من حيث غلاء السكن فيه حي أبو رمانة بدمشق.
وبسبب إلحاحه الشديد (وأقصد المسؤول المهم) على خدمة هذه العائلة (بالذات) قررت أن أذهب برفقة موظف الأحوال المدنية للتعرف على هذه العائلة المدعومة وشغالتها (من باب الفضول) ,,,
ملاحظة: مع احترامنا الشديد لكل الناس ولكل المهن, ولكن للأهمية القصوى فقد ركزتُ على كلمة (شغالة).
المهم:
بعد انتهاء الموظف من أخذ البيانات والبصمات… الخ
جلسنا نشرب الشاي,
في هذه الأثناء, جاءت فتيات العائلة (3 فتيات مراهقات, مصروعات) بصحبة صديقاتهن,
كانت كل الفتيات (بدون استثناء) يبكين بحرقة,,,
سألتُ الأب مستفسراً عن سبب البكاء,
أجاب: لأنهنّ لم يجدن بطاقات حضور لحفلة “تامر حسني”,
(يا سلاااام),,,
وأضاف: رغم أنهنّ عرضن على أحد السماسرة مبلغ يصل لعدة ألاف من الدولارات عن كل بطاقة, إلا أنهن فشلن في الحصول على البطاقات,,,
قلت له (وأنا أضحك في سري): فعلاً, شيء محزن,, الله يعينهم…
قال: لا تاكل هم,, بنلاقيلها مخرج,,,
, مضى بعد ذلك, نحو سنة على تلك القصة,,,
وذات يوم,,, جاءني أحد الجيران يطلب مني المساعدة في استخراج هوية شخصية لامرأة (فقيرة) مشلولة, تسكن في الشارع المقابل لشارعنا, في حينا (الشعبي),,,
وكنت أحرص, مثل غالبية الشعب السوري, على خدمة الدراويش,,,
في اليوم التالي, ذهبت مع موظف الأحوال المدنية المختص لخدمة تلك المرأة, وأحضرت الطوابع المالية على حسابي, لعلمي المسبق بعدم قدرتها على دفع قيمة تلك الطوابع (التي كانت تعادل 6 دولارات, حينها) .
كانت تلك المرأة مصابة بالشلل النصفي, وتسكن مع ابنها وعائلته في قبو متواضع, تأكله الرطوبة,,,
جلسنا على الأرض, وبدأ الموظف بتدوين بيانات تلك المرأة, وهو يقرأها بصوت عالٍ, مثل العادة,, منعاً لحدوث أي خطأ,,,,
كنت حينها شارد الذهن (قليلاً),
ولكنني فجأة, قلت للموظف: أعد مرة أخرى قراءة هذه البيانات,,,
أعاد الموظف قراءة البيانات مجدداً,,, وعندما انتهى,
قلت له: لحظة, توقف, توقف !!!!
ثم قلت بصوت منخفض:
يا الله, إنه نفس اسم العائلة, ونفس الخانة, ونفس رقم الخانة, التي تخص تلك العائلة الثرية (وليس الخادمة) ؟؟؟
سألت ابن المرأة المسكينة:
هل يقربكم (فلان الفلاني) الثري, المقيم في حي الموكامبو؟
قال: إنه أخي, وهذه العجوز المشلولة هي أمه…
حينها بدأت دموعي تنزل بغزارة (لحالها) بدون أن أتمكن من إيقافها,,,
وقلت في نفسي: بغض النظر عن سبب الخلاف بين هذه الأم العاجزة (الفقيرة), وبين ابنها الثري,,, إلا أنها تبقى أمه,,,
ثم رحت أفكر, أنّه بثمن الهدية التي قدمها ذلك الثري للمسؤول الكبير من أجل استخراج هوية جديدة للخدامة,
أو بثمن بطاقات حفلة “تامر حسني” التي ستدفعها بنات تلك العائلة, يمكن شراء شقة جيدة في شارعنا, تكون مشمسة وواسعة, لوالدة ذلك الثري (الظالم) …
ملاحظة: العائلة المذكورة هي كلها من المسلمين السنة,,,
ذكرت ذلك لأقول:
الثورة السورية ليست ثورة الطائفة السنية ضد الطائفة العلوية,, وإنما هي ثورة المظلومين ضد الظلم ,,
المظلومين هم من تقصفهم طائرات “بوتين” وصواريخ “الزميرة”, والكلب (بشار) في حي العامرية,
ضد الظالمين الذين يرقصون فرحاً في حي الموكامبو في نفس المدينة, وفي نفس اليوم والساعة.
Tags: محرر