on
Archived: د.حبيب حداد : وقفة صدق مع الذات في دوامة الأخطاء والضياع والمزايدات
د.حبيب حداد : كلنا شركاء
بعد كل حدث نوعي يستجد بصدد المسألة السورية ,وعلى كافة الصعد الداخلية والعربية والدولية , فإن الأمر الطبيعي أن يتساءل كل مواطن سوري عن دوافع هذا الحدث وأبعاده ومراميه . ولعل في مقدمة تلك الأحداث والتطورات التي كانت وما تزال تشغل بال السوريين وتحظى في الآن نفسه باهتمامهم اليومي البالغ محادثات جنيف بدوراتها الثلاث التي تعاقبت حتى الوقت الحاضر دون ان تسفر عن نتائج ايجابية أو أن تبدو في الأفق القريب بوادر أو مقدمات جدية للحل السياسي المنشود وفقا لقرارات الشرعية الدولية بهذا الخصوص . فأين هي الأسباب الحقيقية وراء حالة الاستعصاء هذه حيث المأساة السورية تتفاقم في كل يوم مخلفة المزيد من الخسائر والتضحيات ومنذرة بالمزيد من المخاطر والتحديات التي تستهدف صميم القضية الوطنية :دولة وكيانا, تاريخا وحضارة , حاضرا ومستقبلا .
وأين هو جذر الخلل العميق االذي ادى الى اجهاض المسار التحرري لشعبنا بعد مرور اكثر من خمس سنوات على انطلاقة ثورة الحرية والكرامة والمساواة ؟ وما الذي ادى بهذه الثورة الشعبية كي تنحرف عن سكتها الصحيحة فتنقلب الى حرب اهلية ومذهبية مدمرة ؟ . تلك هي الحقيقة الماثلة امام العالم كله ,وذلك هو الواقع المؤسف اليوم في بلد الحضارات والمنجزات الانسانية , الواقع الذي لا يمكن ان يجادل في ماهيته اثنان . وبصدد هذه المفاوضات التي تجري رسميا برعاية الأمم المتحدة وعمليا تحت اشراف الدولتين الراعيتين اي روسيا الإتحادية والولايات المتحدة الأمريكية ما الذي يعيق ويعرقل إذن سير وتقدم هذه المفاوضات حتى الآن ؟
يرى البعض ان الإجابة على هذا السؤال قد أكدتها حصيلة تطورات الأحداث باعتبار أن النظام هو الذي حال دون ذلك حتى الآن وهو الذي برهن بما يدع مجالا للشك ومنذ خمس سنوات انه غير موافق على عملية الانتقال وتغيير جوهر النظام التسلطي الى نظام ديمقراطي بديل وفقا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بشأن الحل السياسي وأنه لهذا ما يزال يراهن على الحل العسكري مسنودا بكل الأطراف المتحالفة معه , . وهذا الموقف صحيح الى حد كبير بلا شك , ولكن هل كانت المعارضات السورية ,كلها اوبعضها , تؤمن اذن ان النظام السوري بتركيبته وسياساته يمكن من تلقاء خاطره او بقناعاته الذاتية ان يقدم على عملية اصلاح جدي او تغيير ديمقراطي تفتح الطريق نحو رحيله واستعادة الشعب السوري لإرادته الحرة؟؟؟
اذا كانت مواقف النظام السوري من القبول بالحل السياسي مفضوحة من الأساس ,فماذا كانت المقابل مواقف المعارضات السورية التي أعطت لنفسها صفة المثل الشرعي الوحيد للشعب السوري ؟ كيف تصرفت في محاثات جنيف2 واليوم كيف تتصور في محادثات جنيف 3 .؟
هل تعاملت مع الأوضاع السورية بما يوفر الانطباع لدى المواطن السوري بأن هذه المعارضة يتوفر لها الحد الأدنى من الوعي السياسي والخبرة والكفاءة والشفافية والانسجام في المواقف والأداء . ونتيجة لهذا الوضع الذي اصبح معروفا للقاصي والداني فان السؤال الذي يطرح نفسه علينا جميعا هو :هل ان معارضة الرياض قدآمنت فعلا بأن الحل السياسي وفق جنيف 1 وقرارات الأمم المتحدة الأخرى ذات الصلة هو السبيل الوحيد لانقاذ المصير الوطني وتحقيق تطلعات الشعب السوري ,أم أن معظم اطرافها مايزال يراهن على الحلول العسكرية معتمدا على اجندات الدول الاقليمية التي انخرط فيها ,بعد ان كان له الدور الأكبر في عسكرة الانتفاضة وتدويلها وارتهان القرار الوطني السوري المستقل . والا فكيف نفسر مواقف تلك المعارضات وما ارتكبته من اخطاء وخطايا ومواقف متناقضة حتى الآن ؟ . فهل من يؤمن حقا بالحل السياسي لا يفتأ منذ سنوات يكرر بأن لا حل للأزمة السورية الا الحل العسكري وان الموافقة على تجريب الحل السياسي كان عبارة عن تكتيك مؤقت لكشف مواقف النظام ؟
وهل ان من يؤمن حقا بالحل السياسي كاستراتيجية من اجل التغيير الوطني , ما انفك يطالب ويستدعي ومنذ السنة الأولى للحراك الشعبي ,الدول الإقليمية والأجنبية للتدخل العسكري المباشر في بلاده لاسقاط النظام وتسليمه السلطة ,بينما يعتبر التدخل الروسي غزوا واحتلالا مباشرا ويدعو للنفير العام لمواجهته ,في تناقض صارخ مع الموقف الوطني السليم برفض كل تدخل عسكري أجنبي في شؤون بلادنا ؟ وهل ان من يؤمن حقا بان الحل السياسي الوطني هو السبيل الوحيد لانقاذ سورية من محنتها الوجودية الراهنة وبناء دولة المواطنة يتحالف طوال السنوات الأربع الماضية مع المجموعات المسلحة الارهابية التي لا تلتقي معه الا في محاربة النظام بينما لا تجمعها بالمشروع الوطني الديمقراطي ولا حتى بروح العصر أية صلة ؟
وهل اذا كان لنا جميعا العديد من الاستفسارات والاعتراضات على ممارسات قوات سورية الديمقراطية ,يكون تصحيح هذا الوضع باستدعاء ميلشيات االبيشمركة من بلد مجاور ام ان الحوار المباشر والصريح مع قيادة هذه القوات وانطلاقا من التأكيد على أن الإلتزام المشترك بوحدة المشروع الوطني الديمقراطي هو الطريقة الأجدى لحل هذه المشكلة ؟ وهل ان من يعمل حقا من اجل تحقيق تطلعات شعبنا في, الحرية والعدالة والتقدم والمستقبل الأفضل , يستمر في طرح وتبني برامج ومشاريع متخلفة ومبهمة المضمون والمحتوى لهذا المستقبل , مشاريع لا توضح بجلاء طبيعة الدولة التي يعمل هؤلاء لتأسيسها بتوجيه من أولياء امرهم الإقليميين دعاة الديمقراطية والحداثة واحترام حقوق الإنسان ؟
وبعد أليست ابسط مقتضيات الأمانتة الوطنية تستدعي منا في كل مرحلة ومنعطف أن نراجع ونقيم حصيلة عملنا بكل مافيها من ايجابيات وسلبيات وأن نحدد اخطاءنا كي نعمل على تجاوزها ,أما الإمعان في مواصلة السير بنفس النهج الذي ادى الى كل هذه الخسائر والكوارث فأمر لايمكن تفسيره ,بغض النظر عن النوايا , الا أنه الإصرار على استكمال تدمير ما تبقى من دعائم الكيان الوطني . فمنذ أن وجد المجلس الوطني ,الى خليفته الإئتلاف ,الى مايسمى اليوم بالهيئة العليا للمفاوضات ,مرورا بمهزلة مايسمى بالحكومة المؤقتة , تتكرر نفس المواقف ونفس المبررات ونفس المفردات : لا بد من المأسسة ,لابد من الشفافية والقضاء على الفساد , لا بد من استعادة القرار الوطني المستقل , لا بد من الشفافية ومصارحة الشعب بالحقائق , لا بد من وحدة الرؤية ووحدة المواقف وسلامة الأداء , لا بد من الإستغناء عن كل الذين جاءوا الى هذه المؤسسات لاستخدام مواقعهم لخدمة اغراضهم ومشاريعهم الخاصة والفئوية , لا بد من الكف عن الخطاب الديماغوجي الانفعالي الحربجي ,خطاب المظاهرات المدرسية في الخمسينات , والاستعاضة عنه بخطاب موضوعي عقلاني يحترم الحقائق ويكون في خدمتها ويحترم عقول اطراف الجتمع الدولي ., وهكذا تتكرر في كل مناسبة وبغير مناسبة ومن قبل هذه المعارضات تعهداتها وتعبيراتها بأن :لا بد مما ليس منه بد …!!!
امام هذا الواقع المتردي الذي وصل اليه مجتمعنا والذي لم تكن تتوقعه حتى اشد القوى المعادية وعلى رأسها الكيان الصهيوني , كيف يمكن إذن مواجهته ؟ وماهو السبيل للخروج من هذا المأرق ؟ اننا نعتقد وكما كنا نعبرعن وجهة نظرنا طوال السنوات الماضية في ان الحل السياسي الوطني باعتباره الحل الوحيد لتحقيق اهداف شعبنا , في مثل هذه الظروف المحلية والاقليمية والدولية, لا يمكن ان يفشل الا في حال كنا نحن السوريين قد فشلنا في تحقيق مقومات وعوامل وشروط نجاحه والتي تتمحور اساسا حول تعزيز قدراتنا الذاتية والاعتماد عليها قبل اي شيئ اخر . وذلك يتطلب كما أصبح واضحا للجميع : استعادة الوحدة الوطنية وتصليبها , واعادة الاعتبار والالتزام بالهوية الوطنية السورية فوق اية رابطة أخرى , كما ويتطلب توحيد ارادتنا وصوتنا بمطالبة المجتمع الدولي بوقف هذه الحرب الطاحنة والمدمرة ,في كل أرجاء وطننا , وفي الوقت نفسه توحيد جهود الحميع وباشراف الأمم المتحدة للقضاء على الأرهاب بكل اشكاله . ولابد ان تتوج كل هذه الجهود بالخطوة الضرورية التي لا تحتمل الابطاء والاعاقة وهي الدعوة الى مؤتمر وطني سوري عام برعاية واشراف المم المتحدة لاقرار برنامج المرحلة الانتقالية للتغيير الديمقراطي وانتاج ممثل موثوق للشعب السوري في هذه المرحلة الانتقالية وتجاوز حالة التشتت والتشرذم والتناحر والضياع , وكل الاشكال والدكاكين اوالهيئات القائمة التي لم يعد هناك دواع لاستمرارها بعد ان سارت في الطريق الخاطئ الذي اجهض اهداف الثورة ,كما وادى هذا السلوك العبثي الى تعريض الغاية التي تنشدها تلك الاهداف وهي رفعة ومصير وطننا بالذات الى أدهى وأشد المخاطر .
نتوقع ان يعترض كثيرون على وجهة نظرنا هذه بصدد امكانات تجاوز المحنة السورية ,وقد يرى بعضهم اننا نعالج الأمر من موقع نظري بعيد عن ادراك واستيعاب معطيات ومعضلات الواقع السوري الراهن كل تعقيداته ,لكننا قصدنا هنا مرة اخرى وهذا حقنا الطبيعي ان نؤكد قناعتنا بأن المسألة السورية وخاصة في مفاوضات جنيف لا تسير حتى الان في الطريق الصحيح , ولا تعالج بالآلية المطلوبة , كما ان الأطراف السورية المشاركة بتركيبتها الحالية لا تمثل المشروعية ولا تحوز الكفاءة المطلوبة للتعبير عن ارادة الشعب السوري . وما زلنا بانتظار صحوة ضمير وطني جماعية تعيد الأمانة الى صاحبها وتحرر ارادته المستقلة من التغييب والارتهان لسياسات الدول الخارجية . وكنا وما زلنا نعتقد ان الخطوة التاسيسية الأولى لتصحيح هذا المسار العبثي الخاطئ تتمثل في انعقاد المؤتمر الوطني السوري العام برعاية واشراف الأمم المتحدة باعتباره الهيئة الوحيدة في هذه المرحلة الانتقالية التي يمكن ان تعيد الأمور الى نصابها , والهيئة الوحيدة التي يمكن لها ان تحظى بالمشروعية الشعبية نسبيا لاقرار برنامج الانتقال نحو بناء سورية الجديدة استنادا على قرارات الأمم المتحدة,بحيث يكون هذا الحل الذي اصبح واقعيا بيد المجتمع الدولي وتحديدا روسيا والولايات المتحدة اقرب ما يكون متفقا ولو مرحليا مع تطلعات ومطالب شعبنا المشروعة .
Tags: محرر