Archived: خمس سنوات من النزوح: كيف عبرنا الحدود؟.. وليلة في غازي عينتاب (2)

أيمن جلوان: مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

خمس سنوات من النزوح: كيف عبرنا الحدود؟

عبرت أنا وزوجتي الأراضي التابعة لسيطرة الجيش السوري الحر وصولا لقرية تُدعى “باب الهوى،” وهي نقطة حدودية بين سوريا وتركيا، تقع ضمن مناطق سيطرة الاكراد. أعطاني أصدقائي رقم شخص هناك باستطاعته مساعدتنا على العبور- بشكل غير قانوني بالطبع – من سوريا لتركيا. 

كان هذا وقتاً عصيباً لي ولزوجتي، تخيَّلْ أنك تمشي بين الجبال والغابات في جنح الليل مع شخص غريب عنك، لا تعرفه على الإطلاق ولا تثق به، شخصان يافعان يمشيان ليلاً مع إنسان لا يعرفونه مطلقاً، لم يكن بمقدورنا ألا نفكر في كل ما قد ينتظرنا من أهوال، قد لا يكون هذا الانسان أهلاً للثقه، نحن لا نعرفه، هو في نهاية الأمر غريب بالنسبة إلينا. وقت عصيب، لكن لم يكن لدينا أي اختيار أخر فعلينا أن نثق به.

اضطررنا لقضاء يوم في بيته، كي يتمكن الرجل من مراقبة حرس الحدود التركي. في هذه الليلة أيقظنا الرجل، وقال لنا، “حان وقت الذهاب، فلتذهبوا.” قطع السلك الشائك وقال لنا، “انطلقوا، لا تتوقفوا واصلوا الركوض للنقطة التالية.” جرينا بسرعة وفي هذه الاثناء سمعت شخصا يقول، “توقفوا وإلا أطلقت النار عليكما.” أَمسَكَ بنا أحد الجنود الاتراك، تصورت في هذه اللحظة أن هذه هي نهاية الحكاية، احتجزنا الجندي، جلسنا على الأرض، وقام بتفتيشنا، وبدأ في التحدث إلينا باللغة التركية، وهي لغة لا نعرفها. كان الجندي قد ألقى القبض على كثير من أمثالنا – أي من حاولوا عبور الحدود التركية –  وبدأ ينهال على كثير منهم بالضرب. لكنه لم يفعل شيئاً لي ولزوجتي، كنت خائفا للغاية، لأني لم أكن أعرف ماذا سيفعل بنا.

سألني بعد ذلك، “هل أنت كردي؟” فأجبت، “لا بل عربي” هناك أكراد في سوريا أيضا، لهم لغتهم ولديهم مشكلات مع الاتراك. لهذا حين تسمع عسكريا يسأل هل أنت كردي، ينتابك الخوف، يا الله، يريد الجندي أن يتأكد من أننا لسنا أكرادًا، ولكنه في الوقت ذاته لا يتحدث لغتي – لا يعرف العربية. يسأل الجندي، “من أين أنت من سوريا؟” أقول له من دير الزور، كل من يقطن دير الزور عرب، لا يوجد أكراد هناك.

يقو لي، “لا أنت كردي.” فأقول، “لا لست كرديا.” فيكرر، “لا بل أنت كردي!” فأؤكد، “لا لست بكردي.”يقول، “كردي… كردي!” أظن أن الأمر قد اختلط عليه، يا الله! يقول لي، “سأقتلك!” ويصوب فوهة سلاحه لوجهي، ويكرر، “كردي!” ماذا عساي أن أقول؟ نساء الأكراد لا يغطون رأسهم، فيظن أن زوجتي كردية. “لا هي كردية، أين غطاء رأسها؟” قال الجندي. فأقول لا هي لا ترتدي غطاء الرأس، فيقول، “لا أنتما تبديين كالأكراد.”

أحاول أن أعطيه تليفوني، لكنه يرفض. الجنود الاتراك منضبطون، لا يقبلون المال أو الرشوة، حتى إذا قمت بتعذيبهم لن يقبلوا المال. حاولت أن أعطيه شيئاً أخر، مثل خاتمَي زواجنا، لكنه رفض. نظر إليّ ثم قال، “الآن سأدعك تعودان.” سألته إلى أين؟ فقال، “إلى سوريا بالطبع.” أرجوك دعني أذهب لتركيا، أرجوك، فهذه هي فرصتي الأخيرة للنجاة. فيقول الجندي، “يوك تركي” أو لا تركيا. بطريقة أخري يقول الجندي لنا: لا تفكروا في دخول تركيا بهذه الطريقة، هذا لن يحدث. حسنا لقد فقدت الأمل، قُلت لزوجتي، “لنذهب إذا، فلنعود لسوريا على الأقل سنعود دون فترة احتجاز في تركيا.” 

بدأت أنا وزوجتي بالسير، تبعنا الجندي وقال، “إلى أين أنتم ذاهبان؟” فرددت، “إلى سوريا عبر الاسلاك الشائكة؟”  ثم أردف قائلا، “لا لا لا،” وبدأ يضحك وأضاف،“اذهبا لتركيا.” فسألته ماذا قلت؟ فقال الجندي، “اذهبا لتركيا قبل أن أغير رأي.”قلت حقا؟ قال الجندي، “نعم.” وأبعد سلاحه وقال، “اذهبا” تساءل باقي المحتجزين، هل يمكن لمن يريد الذهاب لتركيا أن يذهب، أي مثلنا، قال الجندي،“لا،” لن يسمح سوى لي ولزوجتي بدخول تركيا. لا أعلم إذ ربما باقي المحتجزين من الأكراد.

قام بفحص حقائبنا وأوراقنا، ولذا كان يعلم أن السماح بدخولنا لتركيا بهذا الشكل غير قانوني. لا أعلم لماذا ساعدنا الجندي، ربما لأني رجوته وقلت له أنني سأموت لو عدت لسوريا، لكن لم يبدو على وجهه أي علامات لقبول رجائي، فقد كان غاضبا، وظل يصرخ في وجهي، “لا.” لكنه غيّر رأيه بعد ذلك، وسمح لنا بدخول تركيا، نحن محظوظان، لم أصدق ما حدث.

ركضت انا وزوجتي في الجبال ومعنا كل امتعتنا. كنت خائفا على زوجتي، لا أعبأ بالمتاع، أود أن أمسك يدَيْها ونركض ونركض ونركض، حتى نصل لمكان يمكننا أن نستقل منه حافلة. في تركيا لا يسألك أحد على جوازات السفر والأوراق، يمكنك أن تشتري التذاكر وتذهب أينما أردت.

خمس سنوات من النزوح: ليلة في غازي عينتاب

اتجهنا لمدينة غازي عينتاب فور دخولنا لتركيا، ولم أكن أعرف أحدا هناك، وعندما انتصف الليل لم يكن لدي أدني فكرة إلى أين أذهب. أريد أن أستقل حافلة إلى أزمير، ومن هناك أسافر لأوروبا، لكن قبل الذهاب لأزمير، علينا أن نجد مكاناً أو فندقاً نقضي فيه الليلة ونستريح فقد كنا منهكَين، لكني لم أكن أعرف أي فندق هناك.

قابلت رجلا يتحدث العربية أتضح أنه سوري، سألته عما إذا كان يعرف فندقاً جيداً وفي متناول اليد، لقضاء الليلة فيه، سألني “هل أنت قادم من سوريا؟” قولت له نعم، أنا وزوجتي.  سأل “هل لديكما أوراق رسمية أم أنكما أتيتما إلى تركيا بشكل غير قانوني؟”  فقولت له ليس لدينا أوراق، وقد دخلنا تركيا بشكل غير قانوني، فأخبرني أن هناك فندقاً قد لا يهتم بالمطالبة ببطاقات هوية أو أوراق رسمية، لكنه مكان غير آمن، خاصة أن زوجتي معي. قُلت له لا يهم سأدفع مالا، فقال حسنًا سأدلك عليه، ولكنه مكانٌ غير آمن، فقُلت له ليس لدي أي خيار أخر، علي أن أقضي الليلة هناك. 

اتصل الرجل السوري برجل تركي كبير في السن يُدعي فوزي ولديه سيارة وقال له “يحتاج هذا الرجل وزوجته إلى فندقٍ لقضاء الليلة هناك، وفي الصباح سيقصدان أزمير، أيمكنك أن تدلهما على الفندق لقضاء الليلة؟” فرد فوزي قائلاً “لكنه مكان غير آمن وخطر للغاية،” فقُلت له لا يهم، فاعترضني قائلاً، “لا أنت لا تعرف هذه المنطقة فهي في غاية الخطورة خاصة أنكما لا تملكان أوراقا رسمية، فقد تتعرضان للسرقة، ما رأيكما في أن تقضيا الليلة ببيتي بدلاً من الفندق؟” همست إلي زوجتي وقالت “كيف لنا أن نثق فيه ونحن لا نعرفه؟ كيف لنا أن نذهب لبيته؟ لا لا يمكننا الذهاب معه.”لم أكن أعرف ما يتحتم علي فعله، وأصر الرجل، قائلاً “تعاليا معي ولا تخافا، أعيش وزوجتي فقط يا ابني، وليس هناك ما تخشيانه.”

كنت مترددا وحائرا لا أعرف ما يجب علي فعله وتقول لي زوجتي، “هل جننت؟ نحن لا نعرفه، كيف لنا أن نأمن لرجل لا نعرفه.” قُلت لها أشعر بالارتياح لهذا الرجل، لا أعرف إذا كان علي أن أصدق حدسي، ولكني تبعت حدسي في نهاية الأمر، وقُلت لفوزي لا بأس سنأتي معك. ذهبنا لبيته وقابلنا زوجته، امرأة طيبة، رحبوا بنا وأعطونا غرفة نوم بحمام خاص، وأحسنوا إلينا كثيرا، عرضتُ عليه المال مقابل قضاء الليلة ببيته، ولكنه رفض بشدة وقال إن زوجته سورية هي الأخرى.

سألني بعد ذلك “إلى أين تود أن تذهب؟” فقولت له إلى أزمير، فتعجب، وقال “لماذا؟ لا تقل إنك ترغب في عبور البحر إلى أوربا” فقُلت له نعم، ليس لدي خيار أخر. فقال “يا ابني إنها رحلة في غاية الخطورة، لماذا تخاطر؟ أنت شاب ولديك مستقبل، هل تود أن تموت؟ إنها رحلة في غاية الخطورة.” قُلت له لا أستطيع المكوث في تركيا، فأنا لا أتحدث اللغة التركية كما إنه – كما سمعت –  من الصعب جداً إيجاد عمل هنا، والحياة في تركيا مكلفة للغاية، ومن لا يملك المال لا يستطيع العيش هنا. بعض أصدقائي جاؤوا لتركيا منذ ثلاث سنوات، ولم يتمكنوا من إيجاد عمل إلى الآن. فماذا عساي أن أفعل؟ فقال لي فوزي، “إذا وجدت لك فرصة للعمل في تركيا، فهل تقلع عن هذه الفكرة وتمكث هنا؟” صُدمت عندما سَمعت ما قال، وسألته ماذا تعني؟ أصدقائي في تركيا منذ ثلاث سنوات، ولم يتمكنوا من إيجاد فرصة عمل، فكيف لي أن أجد عملًا في نفس الليلة التي وطأت فيها قدمي تركيا؟ 

قام فوزي بإجراء مكالمة تليفونية وسألني، “هل تتحدث اللغة الانجليزية؟” فقلت بلى. فسألني “هل يمكن أن تعمل في مرسين؟” مرسين هي مدينة سياحية جميلة علي الساحل التركي وبها العديد من الفنادق. قُلت له “ماذا تقول؟”  فأردف فوزي قائلاً، “لدي صديق يمتلك فندقاً هناك، ويبحث عن شخص ليعمل في استقبال الفندق أو كمحاسب. سيوفر لك غرفة وطعامًا وراتب ١٥٠٠ ليرة تركية (أي ما يعادل 525 دولار أمريكي) شهريا.”

راتب جيد في بلد كتركيا، أي إنسان سيرغب في وظيفة كهذه، وزوجتي لا ترغب في الذهاب لأوروبا، وستفضل البقاء في تركيا. لكني قُلت له لا، أنا لا أستطيع أن أغير خطتي للذهاب لأوروبا بهذه السرعة. فقال فوزي، “فكر في هذا العرض حتى الصباح وإذا كنت ترغب فيه فيمكنني مساعدتك في الحصول على الوظيفة، وإن لم تكن ترغب فيها، يمكنني اصطحابك لمحطة الحافلات غداً.”

فكرت كثيراً أنا وزوجتي وتساءلنا، “ماذا نفعل.. ماذا نفعل.” ثم اتّخذنا قرارنا، سوف نذهب لأوروبا. أخبرت فوزي في الصباح برغبتنا فقال “لا بأس، كنت أود أن تبقوا هنا لخطورة الرحلة.” فقُلت له هذا هو قرارنا.

فوزي رجل صالح، اصطحبنا لمحطة الحافلات، واشترى لنا تذكرتين لأزمير، ورفض أن يأخذ ثمنهما، رغم غلاء سعرهما، وقال لي “احتفظ بالمال فستحتاج إليه،” كما طلب مني رقم هاتف حتى يستطيع أن يبقى على الاتصال بنا، ويطمئن على سلامتنا. أعطيته رقم أختي في سوريا، أخبرتني لاحقاً أنه كان يتصل يومياً ليطمئن علينا.

اقرأ:

أيمن جلوان: خمس سنوات من النزوح.. كيف بدأت رحلتنا… ولن أقاتل في جيش بشار(1)

رابط المصدر:

  خمس سنوات من النزوح





Tags: محرر