on
Archived: جمال مامو: من الذي فجر بطرطوس وجبلة؟
جمال مامو: كلنا شركاء
لطالما تباهى النظام ووسائل إعلامه بأن المناطق الخاضعة لسيطرته تحتوي تنوعاً اجتماعياً أوسع وأغنى من ذلك التنوع “المفقر” الذي تشتمل عليه المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة على اختلاف أطيافها.
كانت تلك الذريعة احدى الأوراق التي يلعبها النظام داخلياً وخارجياً لتسويق نفسه كحام للتنوع الطائفي، الديني، الإثني في سوريا، تارة بإدعاءه أنه يمثل الدولة الحامية لكل مواطنيها وتارة أخرى عبر زعمه المتواصل والمحموم بأنه ضمانة الأقليات ودرعها الحصين.
ساعدت تلك الدعاوى نظام الأسد على تعويم نفسه بوصفه البديل الذي لاغنى عنه إضافة لكونه أهون الشرين في صراع تم تصويره في أحسن الأحوال على أنه بين ديكتاتورية دموية وبين تطرف إسلامي ذو نزوع توسعي طامح لإقامة دولة الشرع والدين التي لا مكان فيها للأقليات.
غير أن ذلك الإدعاء بحماية التنوع الاجتماعي وصيانته عبر جعله خصيصة جوهرية لنظام سياسي لم يعرف أبداً أي معنى لأية تعددية اجتماعية كانت أم سياسية سرعان ما يضمحل ويسقط عندما نراقب بتمعن ردود الفعل الانتقامية على التفجيرات التي حدثت يوم الأثنين في عدة أماكن من طرطوس وجبلة والتي أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى.
إذ أعقبت التفجيرات المذكورة آنفاً عمليات إنتقامية واسعة طالت العديد من المهجرين من مدن سورية مختلفة آثروا البقاء في الداخل السوري والعيش في مخيمات مزرية تقع على هامش مدن الساحل التي تعتبر معقلاً أساسياً للنظام وخزاناً بشرياً لميليشاته.
في غمارعمليات الإنتقام الساخنة رداً على التفجيرات قام شبيحة النظام ومرتزقته ومواطنون ينتمون إلى طائفة النظام بإطلاق النار على مخيمات مهجري حلب وإدلب ودير الزور والرقة وسرقة ممتلكاتهم ونقودهم القليلة وإستباحة أماكنهم في ردة فعل تشبه كثيراً ما تقوم به جموع غاضبة من شعب مختلف تجاه شعب آخر. مشهد يذكر بالأعمال الإنتقامية التي طالت سوريين في بلدان لجوءهم. إنه ذات العنف والقتل الذي يمارسه مواطن أصلي ومتسيد بحق وافد نازح أو مهجر.
عنف يكشف زيف إدعاءات نظام بحمايته للتنوع الاجتماعي الذي لم يكن سوى تمويهاً بائساً لعلاقة مُستبد بمستبد به وحاكم بمحكوم وسيد بعبد.
لم تكن تلك الحجة الرخيصة الزائفة بحاجة إلى هزة بحجم تفجيرات طرطوس وجبلة التي حاول النظام لصقها بفصيل أحرار الشام من أجل إيجاد ذريعة لضمه إلى حلف القوى “الإرهابية” التي ينبغي استهدافها من قبل التحالف الدولي وروسيا. كان السوريون المهجرون الذين قرورا على مضض وتحت ضغط الفقر اللجوء إلى مدن الساحل ليعيشوا بمأمن عن الحرب والقصف يعانون يومياً من القهر والذل والتمييز بحقهم ومن اعتبارهم بشكل دائم طابوراً خامساً للثورة.
كثيرة هي القصص التي يمكن إيرادها في هذا الشأن ومخزية هي العبارات التي تداولها شبيحة النظام ومؤيدوه بحق من يفترض بهم أن يكونوا أخوتهم وشركاءهم في الوطن وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على سياق اعتقادي مضمر يعبر عنه في اختزالات وممارسات يومية سرعان ما انكشف الغطاء عنه بعيد عمليات التفجير.
في احدى المؤتمرات الصحافية لوفد من المعارضة السورية قام أحد صحافيي النظام بتوجيه سؤال لأحد ممثلي المعارضة عن سبب افتقار المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة لذلك التنوع الاجتماعي الذي “ينعم ” به السوريون في مناطق النظام معتقداً أنه بذلك السؤال قد رمى ورقة الجوكر أمام السيد ممثل المعارضة. لم يكن رد السيد ممثل الائتلاف حينها مقنعاً على ما أذكر.
كان الجواب البديهي على مثل هذا السؤال هو أن براميل النظام لم تترك مجالاً للتنوع البيئي والحيوي أن يستمر ويبقى فما بالك بالتنوع الاجتماعي؟!!
المفارقة المرة تحضر هنا بشكل مرير. لم تكن هناك ثمة براميل أو قذائف تنهمر في طرطوس أو جبلة طيلة السنوات الخمس الماضية..ورغم ذلك فمنذ أول إنفجارات تطال المدينة سقط ذلك التنوع الاجتماعي و”التسامح” المدعى في خيام المهجرين السوريين الذين ينتمون للأكثرية المفقرة والمذلة التي كتب عليها مواجهة التمييز والقهر والإنتقام .
تريدون معرفة من المسؤول عن التفجيرات في طرطوس وجبلة؟ الأمر بسيط للغاية على المستوى السياسي. من فجر مراقد الأمامين العسكريين وأشعل الفتنة الدموية في العراق هو المسؤول بشكل غير مباشر عن أي عمليات قتل وتفجير في مناطق النظام. أما المسؤولية المباشرة فتقع على ذلك الذي قبل أن يدخل الدب إلى كرمه كما يقول المثل الشعبي السوري.
هو ذلك الدب الذي أدخلتموه لحمايتكم ..هي تلك دماءكم على مخالبه ..فهل من معتبر؟
Tags: محرر