Archived: احمد خطاب: :حكاية الحيتان الثلاثه في القطب الشماليّ والمخلوقات السوريه الثلاثمئه ألف!

احمد خطاب: كلنا شركاء

في يوم من أيام سنة 1988 فوجيء العالم بصحفي كندي “جون كرانسيك” يبث ريبورتاجاً، يظهر فيه ثلاث حيتان محاصره داخل ثقب عميق يحيط بها الجليد من اليمين والشمال وهي تظهر بين الفينة والفينة فوق سطح الماء كي تتنفس قليلاً، ثم تعود لتغوص في أعماق المحيط.

كان الجليد يتقدم كل يوم داخل الثقب مهدداً في أي لحظه بإطباق الخناق على عنق الحيتان المهدده بالموت إن إستمر الحال على هذا المنوال، خاصةً وأنها توجد في منطقة في الألاسكا في ظل درجات حرارة -٣٠ تحت الصفر .

كانت القناة التلفزيونيه التي يعمل فيها الصحفي تعيد كل يوم بث المشهد، وكان الناس يرون الجليد يزحف لإطباق الحصار على الحيتان البائسه. إلتقطت قنوات تلفزة أخرى الحدث وأخذت تبث صورها بشكل متتابع ثم دخلت منظمة Greanpeace(السلام الأخضر المدافعه عن البيئه)  وتحرك السياسيون وهكذا بدأت كرة ثلج التضامن الإنساني تكبر في مواجهة زحف الثلج الجليدي على عنق الحيتان…حتى وصل الأمر إلى رئيسي أكبر دولتين في العالم آنذاك : الرئيس الأمريكي رونالد ريغان والسوڤيتي ميخائيل غورباتشوف.

كان مشهداً فريداً تابعه العالم كله في تلك الأيام عبر قنوات التلفزه العالميه : روسيا وأمريكا ترسل كاسحات جليد لفك الحصار عن تلك الحيوانات المحظوظه . وكان بالإمكان رؤية رونالد ريغان وهو يهاتف غورباتشوف حول آخر تطورات الموقف !.

Allo Gorbi …I Am Roni

آلو …غوربي (إسم مصغر لغورباتشوف فيه تودد ودلال معك على الخط روني (رونالد ريغان) !!!

هكذا إذن إستنفر زعماء أكبر دولتيين آنذاك واستنفر معهما العالم ، لتتحول حادثه عاديه يحصل مثلها كثير عبر المحيطات، إلى حدث عالمي !

وتم أخيراً إنقاذ الحيتان الثلاثه، وتنفس العالم بعدها الصعداء.

حين أرى هذه الأيام صور الأطفال والشيوخ والنساء المحاصرين بالجوع والأمراض في داريا ومضايا والزبداني وهذه الأيام في حلب الذبيحه، أتذكر تلك الحادثه وتثور أسئله مضمخه بالحيرة والمراره في داخلي :  هل كان ذلك  فيلماً هوليودياً مرّ أمام أعيننا في لحظة ذهول ! هل تبلد ضمير الإنسانيه إلى هذا الحد !؟

هل انحدرت النخب الحاكمه في الغرب وخاصةً النخبه السياسيه إلى هذا الدرك الأسفل من فقدان أي حس إنساني أو حضاري أو مسؤولية سياسيه – قانونيه وأخلاقيه؟

أبعد من دلك : المخلوقات السوريه المحاصره هذه الأيام ويقدر عددها في مناطق الحصار مابين ٣٠٠ ألف إلى نصف مليون هي ليست محاصره بجليد الطبيعه، إنما هي تحت حصار بشري رباعي إذا صح التعبير يحيط بها  من الجهات الأربع : نار السم والحقد والإجرام الأسدي + اللامبالاه الأبامو – أمريكيه + جنون المغامره والعنف البوتيني + لهيب أحقاد العصبيات الإيرانيه. 

مالذي حدث للعالم خلال أقل من ربع قرن !!؟

إلى أي درك ، إنحدرت النخبه الحاكمه في الغرب وبالتالي في العالم بمعظمها : ثقافة هابطه، أخلاقيات فاسده، دبلوماسيةٌ مراوغه !؟

ومايسمى بالكبار، الخمسه (أو الإثنان) المفترض بهما المحافظه على السلام والأمن في العالم ، ومجلس الأمن الدولي المناط به حماية أمن الشعوب والأمم. كل هذه التركيبه تنظر اليوم إلى ديكتاتور يذبح شعبه منذ خمس سنوات بالبراميل القاتله والصواريخ السامه والأسلحه الكيمائيه ولا تحرك ساكناً !؟ طبعاً تحت ذرائع وتعلات وحجج ودعاوى ومسرحيات لا تمرّ حتى على أطفال المدارس الصغار.

لكل فعل رد فعل، والتراكم الكمي سيؤدي إلى تغير نوعي . تلك سنن الكون وقوانينه.

حين يتحول العالم إلى غاب تسود فيه شريعة الغاب ويحل فيه قانون القوه، محل قوة القانون فهذا العالم  سيتجه حتماً إلى الهاويه ، سيكون بين الهاوين الساقطين في قعر الهاويه هم هؤلاء الكبار، فلن يكونوا بمنجى من الطوفان.

بعد شهور قلائل سوف يرحل أوباما تلاحقه” لعنة سوريا” إلى الأبد، ولن يطول المقام كثيراً بالمغامر والمقامر الكبير بوتين…ولسوف تطال الهزات الإرتداريه للزلزال السوري، النظام العالمي السياسي والقانون والفلسفي الحقوقي برمته. إنه نظام منخور …خاو من العداله…خال من القانون.

ولسوف يموت هذا النظام بسمه الداخلي وأمراضه الباطنيه ويبرز ويتبلور مع الزمن نظام جديد مبني على الحريه والمسؤوليه الأخلاقيه والعداله …والكرامه الإنسانيه…أو هي القيامه !!؟

المسافه الزمنيه والموضوعيه الفاصله بين الحيتان الثلاثه في القطب الشمالي عام 1988 “والحيتان السوريه” الثلاثمئة ألف المحاصره في المدن والبلدات هذه الأيام تعادل بالضبط المسافه الفاصله بين الموت والحياة، موت عالم قديم وإيذانٌ بولادة عالمٍ جديد بكل المعاني …وعلى كل المستويات !!!





Tags: محرر